رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اليقظة العربية.. طوق النجاة فى مهب العواصف الإقليمية


24-9-2026 | 16:40

.

طباعة
بقلـم: د. سعدى الأسلمى

تعيش المنطقة العربية مرحلة هى الأشد دقة وخطورة منذ عقود، حيث تتقاطع الأزمات الجيوسياسية والصراعات المسلحة والتدخلات الإقليمية والدولية، وتأتى الأخطار من كل مكان لتضع الأمن القومى العربى برمته على المحك، والأمثلة واضحة فى ممارسات الحوثى وإيران وإسرائيل وغيرها.

وفى خضم هذه العواصف العاتية، فإن الأمن القومى العربى هو قضية وجود حقيقية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى عمق «الوعى الجمعى» العربى، والقدرة على ردم الهوة المتسعة بين الخطاب الرسمى فى العواصم العربية وتطلعات الشارع الشعبى من جهة أخرى.

 

إن بناء جدار صلب لحماية الأمة العربية لا يمكن أن يتم بمعزل عن وعى بمخاطر التمزيق، والتوافق الاستراتيجى يحول التناقضات الوهمية إلى تكامل حقيقى يخدم المصالح العليا للإنسان العربى، لذا من أجل تحقيق يقظة عربية تقف أمام العواصف الإقليمية لابد أن نوضح الآتى:

أولاً: أزمة الوعى.. خط الدفاع الأول المستباح

ويمثل الوعى العربى الجمعى خط الدفاع الأول والأخير فى مواجهة محاولات إعادة هندسة المنطقة التى تقودها قوى إقليمية ودولية تسعى لتكريس سياسة الأمر الواقع وتصفية القضايا المركزية للأمة، وقد تعرض هذا الوعى خلال العقود الأخيرة لهزات عنيفة وهجمات ممنهجة عبر أدوات الجيل الرابع والخامس من الحروب، والتى استهدفت تفتيت الهوية، وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية والمناطقية، وتسطيح القضايا المصيرية.

ففى ظل المشهد الحالى وما نراه من أزمات وصراعات، أبرزها هذه الأيام الاعتداءات التى تطال دول الخليج العربى واستهداف الآمنين إما عبر إيران بشكل مباشر أو أذرعها فى اليمن وغيرها، وكذلك ما يجرى فى سوريا والعراق وغزة والسودان وغيرها، وما يطال المنطقة برمتها من تحديات، يبرز جلياً كيف تُستخدم منصات التضليل الإعلامى والحروب النفسية لضرب الثقة بين الشعوب ومؤسسات دولها الوطنية، فعندما يغيب الوعى الحقيقى، تتحول الأزمات الاقتصادية والضغوط المعيشية إلى وقود لتأجيج الصراعات البينية، وتغيب بوصلة العدو الحقيقى، لتنخرط الشعوب فى معارك جانبية تخدم أعداء الأمة لا مصالحها، من هنا فإن معركة الوعى لا مجال فيها لأى رفاهية، فهى معركة بقاء واستعادة للقدرة على الفرز السليم بين التحديات المصيرية والمؤامرات العابرة.

ثانياً: الدولة الوطنية بوصفها ركيزة للاستقرار

لا يمكن الحديث عن حماية الأمن القومى العربى بمعزل عن تعزيز الدولة الوطنية ومؤسساتها، باعتبارها الإطار الذى يحفظ تماسك المجتمع ويصون مصالحه فى مواجهة محاولات الاختراق والفوضى، فكلما كانت مؤسسات الدولة أكثر قوة وكفاءة وقدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين، تراجعت المساحات التى يمكن أن تتسلل منها مشاريع الفوضى والتدخل الخارجى.

كما أن صيانة الأمن القومى لا تعنى فقط امتلاك أدوات القوة العسكرية والأمنية، وإنما تشمل أيضاً بناء اقتصاد قادر على الصمود، وتعزيز الأمن الغذائى والمائى، والاستثمار فى التعليم والتكنولوجيا، ورفع كفاءة المؤسسات الإعلامية والثقافية، فالقوة الشاملة للدول هى التى تمنحها القدرة على حماية قرارها الوطنى وعدم الارتهان للضغوط الخارجية.

وفى هذا السياق، يصبح التنسيق العربى ضرورة تتجاوز البيانات والمواقف الظرفية، لتتحول إلى سياسات عملية تقوم على تبادل المعلومات والخبرات، وتنسيق المواقف تجاه الأزمات الإقليمية، وتطوير آليات مشتركة للتعامل مع التهديدات المستجدة، بما يضمن لكل دولة حماية مصالحها الوطنية ضمن رؤية عربية أوسع.

فبلا شك، إن المرحلة الراهنة تفرض على النخب العربية مسئولية مضاعفة فى إنتاج خطاب عقلانى يواجه الاستقطاب، ويعيد الاعتبار لفكرة المصالح المشتركة، ويؤكد أن الاختلاف بين الدول والمجتمعات لا ينبغى أن يتحول إلى خصومة دائمة، وأن حماية الأمن القومى تبدأ قبل كل شيء بإدراك أن أمن كل دولة عربية يرتبط بدرجة كبيرة بأمن محيطها واستقراره.

ثالثاً: متطلبات التوافق الاستراتيجى لصالح الأمن القومى

إن حماية الأمن القومى العربى تتطلب تجاوز الخلافات البينية العابرة وبناء منظومة عمل جماعى مرنة وفعالة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر ركائز أساسية عدة تتمثل فى إعادة الاعتبار للمصالح الاقتصادية المشتركة: فالتكامل الاقتصادى والأمن الغذائى والمائى لم يعد خياراً اقتصادياً بل هو درع أمنى، والشراكات الاقتصادية الفاعلة تخلق مصالح مشتركة تجعل استقرار أى دولة عربية جزءاً لا يتجزأ من استقرار الإقليم كله.

وصياغة خطاب إعلامى وثقافى موحد من خلال مواجهة الاختراق الخارجى والذى يتطلب تطهير الخطاب الإعلامى العربى من لغة التحريض والتأجيج، واستبداله بخطاب موضوعى يعزز روح الانتماء، ويسلط الضوء على نقاط الالتقاء لا نقاط الاختلاف.

وكذا تفعيل الدبلوماسية الوقائية وحل النزاعات البينية، فاستنزاف طاقات الدول العربية فى صراعات داخلية أو بينية هو الخدمة الأكبر لخصوم الأمة، لا بد له من آليات عربية خالصة لاحتواء الأزمات فى السودان وليبيا واليمن وغيرها، بعيداً عن الوصاية الخارجية التى لا تورث إلا الخراب.

رابعاً: دور الإعلام والنخب فى المعركة الراهنة

وفى قلب هذا المشهد المتأزم، تقع مسئولية تاريخية على عاتق المؤسسات الإعلامية والصحفية والكتّاب وصناع الرأى فى العالم العربى، الإعلام ليس مجرد ناقد للواقع أو ناقل للأخبار، بل هو مهندس الوعى وموجه البوصلة، إن المطلوب اليوم هو تجاوز التغطيات السطحية للأحداث إلى تفكيك جذور الأزمات، وتقديم قراءات استراتيجية واعية تبصر المواطن العربى بحجم التحديات والفرص المتاحة.

كما يجب على المنظومة التعليمية والثقافية فى الدول العربية أن تعيد النظر فى مناهجها وبرامجها لتنشئة أجيال تؤمن بقيمة العمل العربى المشترك، وتدرك أن قوة الأمة تكمن فى تضامنها ووحدتها فى مواجهة المخاطر الوجودية المشتركة.

الخلاصة:

إن التحديات الكبرى التى تواجهها المنطقة العربية اليوم لا تترك متسعاً للترف السياسى أو تشتيت الجهود. إن الوعى العربى الرشيد هو السلاح الأبقى، والتوافق الحقيقى بين العواصم والشعوب هو الدرع الحصين.

وحين يلتقى إدراك صانع القرار بحجم المخاطر مع وعى الشارع بنبض القضايا المصيرية، تتحول الأمة العربية من مفعول بها إلى فاعل رئيسى يصنع أمنه ومستقبله بيديه، ويحفظ سيادته فى عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والمتكتلين.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة