رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

العالم العربى.. حالة ثقافية


25-9-2026 | 12:58

.

طباعة
بقلم: حلمى النمنم

تشهد المنطقة أحداثًا عاصفة، انهارت دول وسقطت أنظمة، وسقطت معها العديد من الرهانات والتصورات السياسية التى حاول البعض فرضها علينا، من ذلك مفهوم «الشرق الأوسط الكبير أو الجديد» الذى بشرت به «كونداليزا رايس» فى إدارة بوش الابن، كان مفهوم الشرق الأوسط الكبير يقوم على أنقاض نظرية الوحدة والتلاقى بين الدول العربية، كان من المفترض أن يتم الشرق الأوسط الجديد، إيران مع الدول العربية ومع إسرائيل.. ولكن الأحداث المتدافعة، منذ يوم السابع من أكتوبر 2023، أسقطت ذلك التصور، ذلك أن الصراع الدائر فى جوهره بين مكونات ذلك الشرق المتخيل؛ إيران فى صراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ثم تخوض إيران صراعًا عبر الأذرع مع الدول العربية المجاورة لدول الخليج كلها بالإضافة إلى المملكة الأردنية الهاشمية.

هكذا فإن أحدا اليوم لم يعد يتطرق إلى مفهوم الشرق الأوسط الجديد، هناك مفاهيم تسقط تلقائيا وتموت بالسكتة الفكرية والسياسية.

ومنذ أن احتل صدام حسين الكويت فى أغسطس 1990، راح الكثيرون فى المنطقة يراهنون على الدور الأمريكى، فقد لعبت الولايات المتحدة، زمن بوش الأب، دورًا كبيرًا فى تحرير الكويت، وإخراج صدام منه، وساد تصور وقتها أن الولايات المتحدة تقوم هنا بدور رئيسى، ثم إنها ليست مثل دول الاستعمار القديم، أى بريطانيا وفرنسا فى القرن التاسع عشر، ولكن وقائع الشهور الأخيرة كشفت أن هذا الرهان لم يعد صالحا ولا كافيا الآن، الولايات المتحدة تحاول التملص من أعباء المنطقة، ومنذ إدارة بوش الابن، ثبت أنهم يراهنون فى بعض المواقف على جماعات الفوضى والتطرف، مثل «طالبان» وغيرها.

وأثبتت السنوات الأخيرة أن الخطر يأتى من الداخل، عبر ميليشيات تتكون وتنازع الدولة فى أمور سياسية، مثلا لا يجوز لأى جهة غير الدولة أن يكون لديها قوة مسلحة، منظمة، تقوم بمهام أمنية وقتالية، ومثل أن قرار الحرب هو قرار سيادى للدولة، فهى وحدها التى تملك حق إعلان الحرب، وعادة مثل هذا القرار يحتاج إلى دراسات وتقارير وإعداد للقوة، ثم عرض على البرلمان، وهكذا، لكن وجود ميليشيا مسلحة، تتبع حزبًا ما أو جماعة بعينها، ثم تزجّ بالبلاد فى حرب دون قرار منها، حدث ذلك فى العراق وفى لبنان، والمشكلة أن تلك الميليشيات عادة تتبع أجهزة فى دول أخرى، غير الدولة الوطنية، وقد برعت إيران فى العقود الأخيرة فى بناء أذرع لها فى عدد من الدول العربية، حتى قال مسئول إيرانى كبير على إحدى الفضائيات سنة 2021: «نحن نحكم الآن أربع عواصم عربية»، وكان المقصود بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وهكذا تم تحريك تلك الأذرع بعد السابع من أكتوبر، والنتيجة نراها فى لبنان الآن واضحة أمامنا، ثبت أن الميليشيا المسلحة وجماعات الإسلام السياسى تعمل بولاءات مناقضة للولاء الوطنى بكل دولة ومجتمع، الحكومة العراقية تستنكر بشدة الهجوم على المملكة العربية السعودية، لكن الغارات بعضها انطلق ضد السعودية من داخل العراق.

فى ضوء هذه المخاطر باتت العودة إلى فكرة التعاون العربى العربى ضرورة ملحة، أن تتساند الدول العربية معا، لمواجهة كل ذلك.

ويخطئ من يتصور أن التعاون العربى - العربى مجرد خطوة براجماتية لمواجهة خطر طارئ، وإذا زال الخطر، زالت الضرورة وسقط المبرر للتعاون وللتلاقى، يمكن القول إن التعاون العربى- العربى، ضرورة تفرض نفسها على الجميع، لأسباب عدة.

لدينا البعد الجغرافى، حيث التشابك فى الموقع بين البلدان العربية، تأمل -مثلاً- البحر الأحمر، وهو ممرّ ملاحى عالمى، فى حده الجنوبى يقع مضيق باب المندب، وفى حده الشمالى قناة السويس، جغرافيا، يطل البحر على عدة دول عربية، جمهورية مصر العربية والسودان من ناحية، ومن ناحية أخرى توجد المملكة العربية السعودية واليمن، فضلاً عن المملكة الأردنية عند ميناء العقبة، وهكذا فإن حماية هذا الممر وصيانته تقتضيان تعاونًا وتنسيقًا كبيرًا بين كل هذه الدول العربية.

وإذا نظرنا إلى الجغرافيا العربية فى كثير من تفاصيلها سوف نجد هذا التشابك والتداخل، أى هزة فى اليمن تؤثر على المملكة السعودية وعلى مصر، وأى أزمة فى السودان تصل تداعياتها إلى مصر وإلى ليبيا، وكذا الحال بالنسبة إلى ليبيا، التى تحوطها كل من مصر والسودان وتونس والجزائر.

الضرورة الجغرافية تفرض نفسها على الجميع فى الدول العربية.. وفى الذاكرة حرب أكتوبر 1973، حيث سيطرت القوات البحرية المصرية على مضيق باب المندب طوال فترة الحرب، وتم ذلك بالتعاون مع جمهورية اليمن.. ومن أسف أن اليمن الآن به حكومة رسمية أو شرعية، وبه ميليشيا جماعة الحوثى المسلحة والتى تعلن الحرب من نفسها لحساب أطراف أخرى خارج اليمن، وأدخلت البلاد فى حرب أهلية طال أمدها وأدخلت الشعب فى متاهات عديدة.

من أبرز تلك التداعيات الهجرات الجماعية من البلد الذى يشهد اضطرابا، ونحن فى مصر نستقبل ملايين من الأشقاء جاءوا من السودان ومن اليمن ومن ليبيا ومن سوريا، وهم جميع مرحب بهم هم أشقاء، لكن حين تكون الأعداد بالملايين، فإنهم يمثلون عبئا على الاقتصاد وعلى الخدمات المتاحة فى الدولة، ولا مفر مع الاضطرابات من الهجرة، وتكون الهجرة بحكم الجغرافيا إلى البلد الأقرب والأكثر أمنا.

البعد الجغرافى ثابت لا يتغير، ولذا فإن ضرورات الجغرافيا تبقى وتدوم، ليست مرتبطة بأزمة أو موقف معين، الأزمات تؤكدها وتثبت ضرورتها ولا تغيرها.

إلى جوار الجغرافيا، التى ليس لأحد يد فيها، ويجب احترام ضروراتها، هناك البعد الثقافى، بدءا باللغة، والأمر المؤكد أن اللغة العربية هى لغة كل البلدان العربية، صحيح أن هناك لغات فرعية فى عدد من البلدان، لكنها ليست نقيضا للغة الأم، فى الجزائر والمغرب هناك اللغة الأمازيغية، وفى العراق هناك الكردية، إلى جوار العربية، ونحن نعرف أن اللغة تتمحور حولها الثقافة، والتفكير العقلى أيضا، ولا يجوز أن نهمل ذلك البعد، إذا تجولت فى البلاد العربية، سوف يقابلك ابن خلدون والمعرى والمتنبى وأحمد شوقى وحافظ إبراهيم ونجيب محفوظ وطه حسين والعقاد ومى زيادة وعشرات الأسماء، لا أحد يسأل عن قرية معرة النعمان فى سوريا التى نشأ بها أبو العلاء، لكن الكل يعرف أن د.طه حسين هو أول من أدخل المعرى إلى الدراسات العربية الحديثة، حين نال الدكتوراة عنه من الجامعة المصرية سنة 1914، وقبل عامين كان نجيب محفوظ شخصية العام فى معرض أبو ظبى الدولى للكتاب لأن محفوظ هو ابن الحارة المصرية، لكنه فى الوقت نفسه ابن الثقافة العربية، فى زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، تحدث ملك بريطانيا تشارلز الثانى عن شكسبير وطبعات كتبه فى مكتبات واشنطن، حتى إنها تفوق مثيلاتها فى بريطانيا، وذلك لأن اللغة رباط مقدس بين البلدين، لم يكن توقف ملك بريطانيا عند اللغة الإنجليزية ومكانة شكسبير اعتباطا، ولا بلاغة فى القول، بل تعبير عن حقيقة اسمها الارتباط اللغوى والثقافى.

هذا الارتباط هو الذى جعل من «أم كلثوم» مطربة العرب جميعا، وكذا محمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وفاتن حمامة وعادل إمام، هذا اللقاء الوجدانى مصدر اللغة الواحدة..

ويمكن القول إن الدور الثقافى هو الأبرز الآن، معارض الكتب فى كل العواصم العربية والمدن الكبرى مفتوحة للناشرين وللكتاب العرب جميعا، لا يمر أسبوع دون معرض للكتاب فى مدينة عربية، من المحيط إلى الخليج، تجد الحفلات والمهرجانات الفنية، تفعل الشىء نفسه، وهكذا.

ويجب التوقف عند التعاون العربى كله، ذلك أن البعض لديه تصور معين عن «الوحدة العربية» وهو الوحدة السياسية، بمعنى أن تكون هناك دولة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج وهذا مضاد للواقع، ذلك أن اللحظة تشهد وجود الدولة الوطنية، التعاون العربى لا يقر ولا يسعى إلى إلغاء الدولة الوطنية، ولا دمجها فى دولة واحدة ونظام سياسى واحد، هذا ليس واردًا فى ذهن أحد، خاصة أنه فى ظل الدولة الأموية وكذا الدولة العباسية كانت الدول والأقاليم لها ميزات واستقلالية خاصة، من ذلك الدولة الإخشيدية فى مصر تم الطولونية من بعدها، باختصار التعاون يقوم فى ظل الدولة الوطنية.

وربما تكون الأزمات التى عرفتها المنطقة فى نصف القرن الأخير، وربما قبل ذلك بعقد أو عقدين، سيادة التصور بأن الدولة الوطنية لا مكان لها فى ظل الدولة العربية الواحدة، وهذا لم يعد واردا الآن على المستويين النظرى والفكرى، كانت تجربة ومغامرة صدام حسين باحتلال الكويت سنة 1990، رسالة واضحة للجميع، بأن الدولة الوطنية شرط لأى تعاون عربى - عربى مشترك.

وإذا قام التعاون على هذا الأساس؛ فإنه يضمن له الاستمرار والتواصل ومن ثم النجاح وتحقيق المصلحة العامة العربية المشتركة.

وهناك دوافع ومبررات تجعل التعاون ضرورة، وكذلك الأخطار المشتركة، التهديد الذى يمس دولة يمتد إلى عدة دول، خاصة أن مصادر الطاقة العالمية موجودة فى المنطقة، قناة السويس ممر ملاحى عالمى، صحيح أنها ممر مصرى مائة فى المائة، لكن فوائده وأهدافه تخص دول العالم كله، نفس الأمر ينطبق على مضيق باب المندب، هو الذى تمر عبره السفن التى تواصل الإبحار فى البحر الأحمر.

وإذا كان التعاون والتلاقى العربى ليس على حساب الدولة الوطنية، ووجودها واستقرارها فإنه لن يكون على حساب الثقافات الفرعية فى كل بلد، ولا على حساب الأقليات العرقية أو الدينية، ذلك أن التعدد والتنوع أحد شروط الدولة الوطنية، ليس هناك شوفونية ولا تعصب مذهبى أو عرقى.

الحضارة العربية القديمة زاخرة بالغنى والتنوع فيها، دينيا ومذهبيا وثقافيا.. الدولة الأموية نموذجا.

وإذا كانت لدينا مقومات وأسس ثقافية عديدة بين الدول والمجتمعات العربية، فمن المهم إثارة الوعى بها، فى مواجهة عوامل الفرقة والتعصب أو التشكيك فى جدوى ذلك، يجب أن نعرف أننا محاصرون بعدة مشاريع، لم تلفظ أنفاسها بعد، رغم الفشل البادى فى معظمها، مشروع الشرق الأوسط الكبير، ومشروع الإسلام السياسى بشقيه السنى والشيعى، وغيرها من المشاريع، ومن المهم أن نكشف زيف تلك المشاريع، خاصة أن الواقع والتجارب كشفت أن هذه المشاريع بلا أسس قوية وبلا مستقبل، وأنها قامت لتدمير المنطقة واحتوائها لصالح أطراف بعينها.

وقد يهون البعض أو يسخر من أهمية بعض الأنشطة الثقافية، مثل معارض الكتب والمنتديات الثقافية والفكرية، حتى الجوائز العربية، هذه كلها عوامل ترابط تتم بهدوء، بلا زعيق وبلا ضوضاء.

الأسس الثقافية للعمل العربى المشترك كثيرة وعديدة، وهى الملاذ لنا فى مواجهة مشاريع ابتلاع المنطقة، لحساب مشاريع لا تخصنا ولا تفيدنا.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة