تم تشكيلها من الجهات المختصة لتفقد المشروعات العقارية الجاري تنفيذها في مختلف محافظات الجمهورية، والتأكد من التزام الشركات بتسليم الوحدات في المواعيد المحددة وعدم تأخيرها، احترامًا للعقود المبرمة مع المشترين، على اعتبار أن العقد يمثل إطارًا قانونيًا يحدد حقوق والتزامات الطرفين، وبالتالي فإن أي تغيير في موعد التسليم أو مواصفات الوحدة أو الخدمات المتفق عليها يجب ألا يتحول إلى أمر واقع على المشتري، بل يجب أيضًا محاسبة المطورين العقاريين المخالفين الذين حصلوا على مزايا وتيسيرات متعددة من الدولة، مع متابعة الإجراءات التي يتم اتخاذها وإطلاع الرئيس عليها بصورة دورية.
يبدو أن تلك الشركات العقارية المتعثرة قد استخدمت مواعيد التسليم «المضروبة» كنوع من الدعاية التسويقية وليس التزامًا يجب الوفاء به، من هنا جاء تدخل الرئيس لضبط السوق وحماية حقوق المتعاقدين، الذين «برمجوا» أنفسهم ومسارات حياتهم على موعد التسليم، وبناءً على ذلك وضعوا لأنفسهم خططًا أسرية ومعيشية ومالية، وبالتالي فإن تأخر الشركة في التسليم يقتل أحلامهم ويُفسد خططهم ويُحمّلهم أعباءً مالية إضافية.
من هنا جاء التدخل الرئاسي ملزمًا للجنة بألا يتوقف دورها عند حدود متابعة الأوراق والتقارير المدونة في أروقة المكاتب، بل النزول إلى أرض الواقع والتفتيش الميداني حتى تضع اللجنة يدها على الوضع الحقيقي للمشروعات، ومعدلات التنفيذ الفعلي، ومدى الالتزام بالجداول الزمنية، إلى جانب التأكد من تنفيذ البنية الأساسية والخدمات المرتبطة بالمشروع.
من ثم لن تجد تلك الشركات منفذًا تسوق من خلاله مبررات واهية عن أسباب تعثرها بعد أن أُوصِدت في وجوهها أبواب كذب وخداع المشترين!
إن سيل الشكاوى المتداولة من قبل آلاف العملاء في الفترة الأخيرة يكشف عن فجوة كبيرة بين المواعيد التي أعلنتها بعض الشركات عند البيع، وبين المواعيد الفعلية للتسليم، ووفق ما قاله رئيس جمعية المطورين العقاريين في تصريحات له هذا الشهر: «إن لجنة فض المنازعات التابعة للجمعية قد رصدت تجاوزات كثيرة ضد العملاء، وأن هناك بالفعل مشكلات مرتبطة بالعقود المنظمة لعلاقة المطور بالمشتري».
ليت الأمر توقف عند حدود التأخير الذي أصبح واحدًا من أكثر الملفات إثارة للقلق داخل السوق العقاري المصري، بل صاحبته محاولات لإعادة التفاوض من جديد على قيم الوحدات وتحميل العملاء زيادات جديدة، بحجة ارتفاع أسعار مستلزمات البناء تارة، أو بتمديد فترات السماح تارة أخرى، ما دعا إلى ضرورة إعادة صياغة لعقود الإذعان المجحفة للمشترين والمريحة «جدًا» للمطورين، فالمشتري غالبًا ما يوقع عقدًا طويلًا معقدًا يفقده القدرة على التفاوض حول بنوده، لا سيما ما وصفت ببنود «القوة القاهرة» وما تشمل من ظروف اقتصادية وسلاسل إمداد ومتغيرات أخرى، من هنا تأتي حتمية إعادة صياغة تلك البنود لتصبح العقود المبرمة أكثر توازنًا وتنظيمًا وفاعلية وعدالة وحماية لحقوق الطرف الأضعف، والعملاء المطالبون «وحدهم» دومًا بتحمل نتائج التأخير!
الأمر المدهش في عقود الإذعان تلك بنود غريبة، منها البند الخاص بغرامة الفسخ بناءً على طلب العملاء، حيث بلغ 30 فى المائة من إجمالي ثمن الوحدة، بينما انخفض التعويض السنوي عن تأخر المــطور في التسليم إلى 25, فى المائة فقط، مع سـقف إجمالي لا يتجاوز 2 فى المائة من ثمن الوحدة مهما طال التأخير، والأغرب أن هناك عقودًا وصلت بعض حالات التأخر في تسليم وحداتها إلى 10 سنوات!
إذن لم يعد منطقيًا أن يتحمل المتعاقد وحده كلفة تأخير لا ذنب ولا دخل له فيه، بينما يظل المطور محميًا ببنود تعاقدية مجحفة.
بالفعل إن أزمة بعض مشروعات التطوير العقاري في مصر لم تعد مجرد شكاوى فردية، بل باتت ملفًا توليه القيادة السياسية اهتمامها، بل تتابعه بنفسها للوقوف على أسباب التأخير وهل هو تعثر يمكن إنقاذه أو تجاوزه والخروج منه والنهوض به مرة أخرى أم لا؟
إن اللجنة التي تشكلت لمتابعة أوضاع المطورين العقاريين بغرض الوقوف على الموقف التنفيذي ومدى الالتزام بالمخططات والبرامج الزمنية قد رصدت أكثر من 16 ألف مشروع عقاري في المدن الجديدة، وفقًا لبيان صادر عن وزارة الإسكان.
وأظهرت نتائج الحصر وجود مشكلات بدرجات متفاوتة في حوالي 600 مشروع - وهو رقم جد كبير وخطير - من بينها تأخر في مواعيد التسليم أو تعثر في تنفيذ بعض الأعمال والمراحل، ولا تزال أعمال الحصر مستمرة، ومن ثم فإن تلك الأرقام قابلة للتغيير.
على الطرف الآخر، من الإنصاف أن نقول ليس كل تأخير في تسليم الوحدات المتعاقد عليها دليلًا على تعمد المماطلة، فقد تتعرض مشروعات بعض المطورين العقاريين لمشكلات حقيقية في التمويل، أو أن ارتفاع أسعار مواد البناء يضغط على تلك الشركات التي باعت وحداتها في ظروف سعرية مختلفة ثم وجدت نفسها أمام تكلفة تنفيذ أعلى، أو بسبب تأخر التراخيص، أو صعوبات تتعلق بالمرافق والبنية الأساسية، أو اضطراب سلاسل الإمداد.
لكن المشكلة الحقيقية تكمن في تأخير بلا سقف زمني واضح، أو عندما تكون أسباب التعثر غير معلنة، أو عندما تحاول الشركة تحميل العميل تبعات أخطاء لا علاقة له بها.
ومن منطلق طمأنتها لآلاف الحاجزين، أكدت الحكومة ممثلة في وزارة الإسكان أنه ليس كل مشروع تأخر عدة أشهر مشروعًا متعثرًا، وأن التأخر في مرحلة تنفيذية معينة لا يعني بالضرورة أن الشركة لن يمكنها استكمال المشروع، وأن هناك مشروعات يمكن إنقاذها من خلال برنامج زمني مكثف، أو يمكن التعامل معها من خلال بعض التيسيرات المالية.
بالفعل يحسب للحكومة أنها لا تتعامل مع خيار سحب الأرض باعتباره الحل الأول، بل جعلت الأولوية لاستكمال المشروعات حماية لحقوق الحاجزين، فسحب الأرض من شركة متأخرة أو متعثرة كعقاب لها لا يحل مشكلة، ولأنها لا تهدف إلى معاقبة المطورين بل إنقاذ المشروعات وحماية حقوق وأموال المواطنين، قد تلجأ الحكومة إلى إدخال شريك قوي يمتلك القدرة المالية والتنفيذية لاستكمال المشاريع المتأخرة.
هذه المشكلات دفعت الحكومة إلى إعداد مشروع قانون لإنشاء اتحاد المطورين العقاريين، بهدف وضع إطار تنظيمي واضح لممارسة النشاط، ووضع معايير للانضمام إلى الاتحاد تضمن توافر القدرة على تنفيذ المشروعات والوفاء بالالتزامات تجاه المواطنين، وهو ما أشار إليه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، مؤخرًا حين استعرض مقترح مشروع قانون الاتحاد المصري للمطورين العقاريين في شهر أغسطس الماضي، في خطوة تستهدف تنظيم النشاط بصورة أكثر وضوحًا.
مشروع قانون اتحاد المطورين العقاريين يقوم على فكرة تصنيفهم وفق معايير تتعلق بالخبرة والقدرة الفنية والمالية، بما يوفر قاعدة بيانات عقارية وطنية تتيح للمشتري معرفة وضع المطور قبل أن يدفع له فلوسه.
إن من أهم مهام اتحاد المطورين تنظيم ممارسة النشاط ووضع قواعد أكثر وضوحًا، يتم من خلالها إيجاد آليات لمراجعة العقود، والمساهمة في تسوية المنازعات بين العملاء والمطورين، يرأسها مستشارون منتدبون من الجهات القضائية، ومن ثم تبدأ مرحلة جديدة يتم من خلالها إعادة التوازن في العلاقة بين المطور والمشتري، لتصبح علاقةً متكافئة.
ومن المؤشرات الجيدة التي تبعث الطمأنينة في نفوس المواطنين أيضًا، ووفق ما أعلنته المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان، في شهر يونيو الماضي، أن الحكومة تدرس تطبيق حساب ضمان خاص بمشروعات التطوير العقاري، وبموجبه تُودع مدفوعات المواطنين في حساب باسم المشروع وليس في حساب المطور مباشرة، بهدف حماية أموال الحاجزين حتى تكون مرتبطة بالمشروع بدرجة أكبر، بدلًا من اختلاطها بأموال الشركة المطورة ومشروعاتها الأخرى.