فى مدينة لاهاى الهولندية، انعقد بين 17 و 19 سبتمبر الحالى مؤتمر زعم القائمون عليه أنه مدنى تكنوقراطى، يهدف إلى الحوار حول مستقبل مصر. غير أن الوقائع والوثائق تكشف وجها آخر له؛ فهذا المؤتمر لم يكن سوى إعادة تدوير لجماعة الإخوان الإرهابية المحظورة، التى تحاول الالتفاف على قرار البرلمان الهولندى بحظرها، عبر مسميات كاذبة وحِيَل زائفة تستهدف ضرب الدولة المصرية والتشنيع على مؤسساتها، خاصة جيشها الوطنى.
من الحظر إلى «التخفى المظلّى»
طَوال الفترة الماضية، ناقش البرلمان الهولندى مشروع قرار يستهدف حظر أنشطة الإخوان على الأراضى الهولندية، فى خطوة وصفها خبراء بأنها «خطوة سياسية مهمة، لكنه يحتاج إلى إجراءات وآليات قانونية وتنفيذية قبل أن يتحوّل إلى حظر فعلى».
هذه الفجوة بين القرار السياسى والتفعيل القانونى، منحت التنظيم الدولى فرصة للمناورة؛ فبدلا من الظهور بالاسم الصريح الذى «أصبح يمثل عبئًا سياسيًّا فى عدد من الدول الأوروبية»، لجأت الجماعة إلى ما يسميه مركز «رع» للدراسات الاستراتيجية باستراتيجية «التخفى المظلي»، وهى «إنشاء واجهات موازية وعناوين براقة ذات صبغة حقوقية ومدنية، لإخفاء الهوية الأيديولوجية الأصلية وتسهيل اختراق المنصات الغربية».
وهكذا برزت فى الدعاية للمؤتمر أسماء مثل «حزب أمل مصر» و«تجمع التكنوقراط» و«حركة ميدان»، وهى كيانات، وإن كانت لا تحمل اسم الإخوان بشكل مباشر، لكنها فى الحقيقة تلتئم شخصيات سبق ارتباطها بمؤسسات وعناصر قريبة من الجماعة. وبهذه الحيلة يحاول قادة التنظيم الدولى تقديم خطاب جديد زائف للمجتمع الدولى، يستخفُون وراءه، من خلال شعارات: الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية والعدالة والتنظير الاقتصادى، بدلا من تلك الشعارات الموروثة الكلاسيكية للجماعة الإرهابية، التى باتت لا تنطلى على كثيرين حول العالم، فضلاً عن خوائها السياسى والاقتصادى والقِيَمى.
ولكن، لماذا هولندا؟ ولماذا فى هذا التوقيت تحديدا؟
اختيار هولندا لم يكن مصادفة؛ فالبلاد التى تستضيف محكمة العدل الدولية ومؤسسات حقوقية كبرى، تمنح أى فعّالية غطاءً قانونيًّا وحقوقيا يصعب تفكيكه، كما أن حظر الجماعة هناك لم يدخل حيّز التنفيذ القانونى حتى الآن، بل لم يدخل حيّز الموافقة النيابية هناك.
أما لماذا اختارت الجماعة المحظورة هذا التوقيت تحديدًا، فهذا للأسباب الآتية:
أولًا- استغلال الضغوط المعيشية: تراهن الجماعة على توظيف ملفات زيادة الأسعار وتكلفة الخدمات وقودا لخطاب تحريضى فجّ؛ للضغط على الدولة، وإشاعة روح الإحباط والاكتئاب والانهزامية، وبثّ حالة من الفوضى الاجتماعية والنفسية والأخلاقية، من خلال منصاتهم الإعلامية، وصفحاتهم الممولة عبر وسائل التواصل الاجتماعى.
ثانيًا- الفشل فى الحشد الميدانى: بعد إخفاق الجماعة فى تنظيم مظاهرات مؤثرة أمام السفارات المصرية فى الخارج مطلع العام، انتقلت إلى مرحلة الحشد التنظيمى- التنظيرى فى المؤتمرات والقاعات الكبرى فى أوروبا؛ للتأثير إعلاميًّا فى فضاء المحيط الدولى، وتنويع مظاهر المعارضة بعيدًا عن الساحات والميادين.
ثالثًا- السباق ضد القانون: يسعى التنظيم لتثبيت موطئ قدم بواجهات جديدة قبل أن تمتد «الإجراءات القانونية إلى الشبكة الأوسع المرتبطة به»، فى معركة استباقية مع السلطات الهولندية.
وعلى الرغم من اللهجة الهادئة التى تداولها المشتركون فى ذلك المؤتمر، فإن الهدف الحقيقى له يرتكز حول نشر ومناقشة مخططات وآليات لإسقاط الدولة المصرية، وذلك من خلال التشهير المنظم بالقيادة السياسية والجيش الوطنى؛ من خلال روايات تهدف إلى تضليل الرأى العام العالمى، وتقديم خطاب بُكائى كذوب، يعتمد على الصعبانيات والأكاذيب، والتعمية على الممارسات الفاشيستية للجماعة الإرهابية طوال العقود الثمانية الماضية، وتضليل الرأى العام الدولى بطرح وتداول مصطلحات سياسية وفلسفية، مثل: الحريات والديمقراطية والعدالة والدولة المدنية، وغير ذلك من مصطلحات يتلاعب بها الإخوان كل حين، كأنهم يحفظونها فى ثلاجات الموتى، ويخرجونها عندما يلزم الأمر، فى ممارسة براجماتية مضللة تهدف إلى «تزويق» عروس شمطاء اسمها (جماعة الإخوان المحظورة)!
كما أن تلك الجماعة استغلت كيانات أخرى لا ترتبط أسماؤها باسم الجماعة، ظاهريا، لكنها مصنوعة على عينها، فى محاولة مكشوفة للالتفاف على القيود الأمنية. ويظهر هنا اسم «تجمع التكنوقراط» إلى جانب «كيانات وشخصيات تقدم نفسها باعتبارها جزءًا من المجالين السياسى والمدنى».
فضيحة تكشف المستور
المفارقة أن المؤتمر انقلب على منظّميه، كما ينقلب السحر على الساحر، حين كشف المدعو عبدالرحمن طارق، وشهرته «موكا»، خلال كلمة له فى المؤتمر، عن جهات ما ساعدته على الخروج من مصر، متحدثا عن منظمة بريطانية تقودها شخصيات داعمة لإسرائيل وتربطها بالموساد علاقات وصلات متعددة، ما أثار ارتباكًا واسعًا، وفتح ملف علاقات التنظيم فى الخارج مع عناصر صهيونية، على مصراعيه.
إن السؤال الذى يطرحه الخبراء اليوم: هل نحن أمام كيانات مستقلة بالفعل، أم محاولة لإعادة تقديم النشاط الإخوانى تحت أسماء جديدة؟
وفى الحق، فإن تلك الكيانات الجديدة ما هى إلا خدعة بائسة للعجوز الشمطاء التى تُسمّى جماعة الإخوان، فقد باتت جماعة متآكِلة، تحاول بكل ما أوتيت من قوة باقية فى عروقها التملص من تاريخها ومنهجها القديم، الذى بات لا ينطلى على أحد، فقصدت إلى ممالأة بعض الكيانات العميلة لها، واستخدامها للترويج إعلاميا فى المحيط الأوروبى حتى لا يطالها الحظر القانونى فى تلك البلدان التى تأوى مَن تبقّى من فلولهم.
مؤتمر لاهاى لم يكن حوارًا عن مستقبل مصر، بل كان محاولة لتهديدها من الخارج، والتشهير بجيشها الوطنى وقيادتها السياسية بلغة حقوقية مستعارة؛ فهو مؤتمر أشبه ما يكون بالقناع الذى يخفى به المهرج وجهه، وبدلا من اسم «الإخوان» يتداولون أسماء أخرى (أمل - ميدان - تكنوقراط) للضحك على الناس فى خارج مصر، لكن هدفهم يبقى كما هو راسخًا حتى وهم يواجهون الاحتضار: إسقاط الدولة المصرية، فبئس ما يهدفون إليه، وبئس ما يصنعون إلى يوم الدين.