تلك الخطط الاستباقية من جانب وزارة البترول، رغم أحداث ميناء دمياط، والفوضى التى تحكم سوق الطاقة على المستوى العالمى، وتوقف صادرات كميات كبيرة من الغاز الطبيعى المسال، بسبب توقف الملاحة فى مضيق هرمز؛ إلا أنها لم تؤثر على توفير الغاز الطبيعى المستورد المسال لمحطات الكهرباء فى مصر، جنبا إلى جنب مع الغاز الطبيعى الذى يتم استيراده عبر الأنابيب من حقول غاز شرق المتوسط، فضلا عن الغاز الطبيعى الذى يتم إنتاجه محليا بنحو 3.7 مليار قدم مكعب فى اليوم.
تلك الخطط الاستباقية والتى أدت إلى توفير كامل الاحتياجات من الغاز الطبيعى وجزء من المازوت؛ أدى إلى نجاحها بقوة، وتوفير كامل الاعتمادات المالية من العملات الصعبة من جانب الحكومة.
ورغم ارتفاع فاتورة الاستيراد، التى وصلت إلى ما يقرب من 3 مليارات دولار خلال فترة ذروة الاستهلاك فى الصيف الذى انتهى منذ أيام، كان من الممكن أن تزيد كثيرًا، لولا خطط ترشيد الاستهلاك التى أقرتها الحكومة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء، وهذه الخطط أدت نسبيا إلى ترشيد الاستهلاك فى الكهرباء، كان فى مقدمتها تفعيل نظام العمل عن بعد يوم أحد أسبوعيا لتوفير استهلاك المؤسسات الحكومية من الكهرباء، والتى من المؤكد أنها أسهمت فى توفير ملحوظ فى استهلاك الكهرباء، وهذا يؤكد أهمية الاستمرار فى خطط ترشيد الاستهلاك، بما فيها استمرار العمل فى الجهات الحكومية، كل يوم أحد عن بعد.
وعندما نؤكد ضرورة استمرار الحكومة فى خطط ترشيد الاستهلاك حتى خلال فصل الشتاء، فهذا ليس ترفًا، ولكن ضرورة قصوى، مهما انخفض معدل استهلاك الكهرباء خلال فصل الشتاء، وبالتالى انخفاض معدل استهلاك الغاز الطبيعى والمازوت فى محطات الكهرباء.
الغريب أن هناك بالفعل مَن يطالب الحكومة بالتراجع عن برامج ترشيد الاستهلاك خلال فصل الشتاء، وإلغاء العمل عن بعد كل يوم أحد.
ومن يطالب بذلك؛ يعتقد أن توقعات رفع أسعار المنتجات البترولية من بنزين وسولار وغاز طبيعى وبوتاجاز خلال الفترة القليلة القادمة، وفقا لتصريحات الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء، سوف يكون بديلا عن خطط ترشيد الاستهلاك خلال فصل الشتاء القادم.
وتلك رؤية قاصرة لأن رفع الأسعار وحده لن يؤدى إلى ترشيد استهلاك المنتجات البترولية، سواء كان ذلك من البنزين أو السولار أو البوتاجاز أو الغاز الطبيعي.
ولسنا ضد ارتفاع الأسعار ولكن بنسبة محدودة، حتى لا تؤدى المبالغة فى رفع الأسعار إلى موجات كبيرة من رفع أسعار مختلف السلع والخدمات، وليس هذا حبًا فى رفع الأسعار، ولكن بسبب جنون الأسعار العالمية للزيت الخام والغاز الطبيعى وارتفاع أسعار المنتجات البترولية، مثل البنزين والسولار، بأرقام ضخمة جدا.
وعندما نقول إن ارتفاع أسعار المنتجات البترولية لن يؤدى إلى ترشيد الاستهلاك، وبالتالى لا بديل عن استمرار الحكومة بقوة فى ترشيد برامج الاستهلاك بحزم حتى خلال فصل الشتاء، وأقول فى فصل الشتاء هذا تحديدا، وذلك للأسباب الآتية:
أولها: أن السوق العالمى للزيت الخام والغاز الطبيعى والمنتجات البترولية لا يزال مضطربا، وما زالت الأسعار فيه تحقق صعودًا كبيرًا، بسبب أزمات مضيق هرمز وأزمات باب المندب، وقيام الحوثيين بضرب بعض المنشآت البترولية السعودية.
وكل هذا أدى إلى توقف التصدير والتأثير بالسلب على المعروض فى الأسواق العالمية، وبالتالى ارتفاع الأسعار، خاصة مع تزايد الطلب الأوروبى على الغاز الطبيعى، وغيرها من الأسواق، وبالتالى الاستمرار فى ارتفاع الأسعار بمعدلات غير مسبوقة.
ثانيها: أن مصر لا تزال تعتمد فى سدّ جزء كبير من احتياجاتها من الزيت الخام والغاز الطبيعى على الاستيراد، وحتى إذا انخفض الاستهلاك خلال فصل الشتاء، فإن ارتفاع الأسعار العالمية سوف يؤدى إلى الاستمرار فى زيادة قيمة فاتورة الواردات المصرية من الزيت الخام والغاز الطبيعى وبشكل يزيد عن تأثير انخفاض معدل الاستهلاك خلال فصل الشتاء فى الكهرباء، ولكنه قد يزيد فى الاستهلاك لدى المصانع التى لا تعرف خططها الإنتاجية انخفاض الاستهلاك فى الشتاء، بل إن كثيرًا من المصانع، خاصة مصانع البتروكيماويات والأسمدة، سوف تزيد من استهلاك الغاز الطبيعى خلال فصل الشتاء؛ تعويضا عن أى نقص فى إمدادات الغاز الطبيعى خلال فترة ذروة الاستهلاك فى الصيف التى انتهت.
ثالثها: أن خطط المهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية، بزيادة معدلات تشغيل معامل التكرير المحلية إلى أكثر من 80 فى المائة، سوف تتطلب زيادة واردات مصر من الزيت الخام، وهذا من أهم السياسات الناجحة للمهندس كريم بدوى فى التركيز على تشغيل معامل التكرير المحلية، لمواجهة الجنون فى ارتفاع أسعار المنتجات البترولية عالميًا.
وهذا سوف يؤدى إلى خفض قيمة فاتورة الواردات من المنتجات البترولية، لكن عدم ترشيد الاستهلاك وإلغاء العمل عن بعد كل أحد من كل أسبوع سوف يزيد من حركة السيارات وزيادة الاستهلاك من البنزين والسولار، لذا من المهم أن تستمر الحكومة فى تشغيل الأجهزة كل أحد عن بعد، ولا سيما أن العودة إلى المدارس سوف تزيد من استهلاك البنزين والسولار.
رابعها: أنه من المهم الاستمرار فى برامج ترشيد الاستهلاك وعدم الاعتماد فقط على زيادة الأسعار فى ظل عدم تحقيق زيادات كبيرة فى الإنتاج المحلى من الزيت الخام والغاز الطبيعى على حد سواء، والحاجة إلى الاستقرار فى الاستيراد بمعدلات كبيرة حتى خلال فصل الشتاء.
وحتى لو زاد الإنتاج المحلى من الزيت الخام والغاز الطبيعى، فإن عدم الاستمرار فى برامج ترشيد الاستهلاك سوف يجعل هذه الزيادات المحدودة عديمة الأثر، وزيادة معدلات الاستيراد بفاتورة مرتفعة فى ظل الاضطراب العالمى فى سوق الطاقة، والذى لا يمكن تحديد اتجاهاته فى ظل التوترات التى تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وتوقف الملاحة فى مضيق هرمز، ثم مضيق باب المندب، وضرب بعض المنشآت البترولية السعودية، وتوقف تصدير الغاز المسال من دول الخليج العربى حتى الآن.
خامسها: أنه رغم الاضطراب فى الأسواق العالمية للزيت الخام والغاز الطبيعى لا يزال الاعتماد حتى الآن فى منظومة الطاقة المصرية على الزيت الخام والغاز الطبيعى، ولا يزال النمو فى مساهمة الطاقة الجديدة والمتجددة لا يحقق طموحات الدولة المصرية، ولا يزال الاستهلاك يتزايد فى الزيت الخام والغاز الطبيعى والمنتجات البترولية، ولعل الإصرار على مطالبة الحكومة بالاستمرار فى برامج ترشيد استهلاك الطاقة هدف استراتيجى، ومراجعته عندما يزيد إنتاج الكهرباء من مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة.
سادسها: أن الشتاء القادم فى ظل الاضطرابات التى تشهدها الأسواق العالمية، وزيادة أسعار الزيت الخام والغاز الطبيعى المسال، وزيادة الطلب من كافة الأسواق؛ ينذر بموجات كبيرة فى زيادة الأسعار العالمية للزيت الخام والغاز الطبيعى المسال وكذلك المنتجات البترولية، الأمر الذى يحتم على الحكومة استمرارها فى برامج ترشيد الاستهلاك، بل واستغلال فصل الشتاء القادم لمزيد من الترشيد وتحقيق وفورات فى فاتورة الاستيراد، استعدادا لفاتورة الاستيراد التى سوف تزيد فى صيف 2027، خاصة مع قيام المهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية بإعداد الخطط الاستبقائية، للاتفاق على توفير الغاز الطبيعى المسال من الآن، فى ظل الاضطرابات التى تسود الأسواق العالمية، ولا يمكن التكهن بها الآن.
سابعها: أن الزيادات فى إنتاج الغاز الطبيعى، والتى أعلنت عنها الشركة القابضة للغازات الطبيعية بنحو 330 مليون قدم مكعب فى اليوم حتى أوائل 2027، ليست زيادات كبيرة قياسًا بمعدلات الاستهلاك المتزايدة، ويمكن أن تقفز برقم الإنتاج اليومى إلى نحو 4 مليارات قدم مكعب فى اليوم.
وهذا فى حد ذاته يحتم ضرورة استمرار الحكومة فى برامج ترشيد الاستهلاك خلال الشتاء القادم، لأن هذه الزيادة المتوقعة فى الإنتاج لم تجدِ إذا ما تقاعست الحكومة عن برامج ترشيد الاستهلاك، حتى لو قامت بزيادة الأسعار فى خلال شهر أكتوبر القادم، ومن ثم لا يجب إهدار أى زيادات فى الإنتاج المحلى من الزيت الخام أو الغاز الطبيعى وزيادة قيمة فاتورة الاستيراد فى استهلاك غير مبرر.
إن فصل الشتاء القادم فرصة ذهبية أمام الحكومة لمزيد من ترشيد الاستهلاك، وبالتالى خفض قيمة فاتورة الواردات فى سوق عالمى مضطرب، لا يمكن توقع أسعار الطاقة فيه، من الزيت الخام والغاز الطبيعى المسال.
نحن إزاء فرصة ذهبية أمام الحكومة لتحقيق التوازن فى الاستهلاك، والذى قفز بمعدلات كبيرة خلال صيف 2026، وذلك بمزيد من الترشيد فى الشتاء القادم، وتوجيه الطاقة إلى المشروعات الإنتاجية.