رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

قوة الاقتصاد أم اقتصاد القوة؟ «جاذبيـــة مصـــر»


25-9-2026 | 12:51

.

طباعة
بقلـم: د. محمد منسى

فى أقل من شهرين، استقبلت القاهرة الرئيس الصينى فى زيارة رسمية، وشارك الرئيس عبد الفتاح السيسى فى قمة «بريكس» بالهند، واستقبلت ولى العهد السعودي.

ثلاث محطات دبلوماسية متتالية، لكنها ليست مجرد زيارات؛ فهى مؤشرات على أن قواعد الاقتصاد العالمى تتغير، وأن مصر أصبحت جزءًا أصيلًا من المعادلة الجديدة.

العالم يتغير من قطب واحد إلى عدة «مراكز جاذبية» وأكرر: «مراكز جاذبية» وليست قوى مفروضة.

لعقود طويلة، كان الاقتصاد العالمى يدور حول مركز واحد: مؤسسات مالية واحدة، وعملة احتياط واحدة، وقواعد تجارة واحدة.

لكن الأزمات المتتالية كشفت حدود هذا النموذج.

 

وعليه، تظهر اليوم معادلة جديدة لحساب «مركز الجاذبية الاقتصادي»، يطبقها مخططو استراتيجيات الاقتصاد، ومفادها أنها تضرب ثلاثة عناصر أو عوامل استراتيجية مهمة، هي: حجم السوق، ومعدل النمو، والأمن الجغرافي، وتقسمها على معامل واحد، وهو المخاطرة السياسية.

وبتطبيق هذه المعادلة، نجد أربعة مراكز صاعدة بوضوح: الصين بقوة التصنيع، والهند بقوة السكان، ودول الخليج بفوائضها المالية التى تتجاوز 4 تريليونات دولار، وإفريقيا بمواردها وسوقها الذى يضم 1.3 مليار نسمة، بمتوسط عمر يبلغ 19 عامًا.

النتيجة ليست حربًا بين أقطاب؛ بل هى «تعدد الأقطاب»، وبحث كل دولة عن موقعها فى الخريطة الجديدة.

ولكن، لماذا مصر الآن؟

فى أى معادلة جيوسياسية، هناك ثلاثة متغيرات حاسمة: الموقع، والبنية، والثقة.

جاذبية «الموقع».. قناة السويس ليست ممرًا مائيًا فقط؛ إذ تمر عبرها 12فى المائة من التجارة العالمية. وأى طريق جديد يربط آسيا بأوروبا وإفريقيا لا يمكن أن يتجاهل مصر.

حتى مبادرة «الحزام والطريق» الصينية تحتاج إلى عقدة فى البحر المتوسط، والقاهرة هى العقدة الطبيعية.

جاذبية «البنية».. خلال السنوات العشر الماضية، ضخت مصر أكثر من 400 مليار دولار فى البنية التحتية: العاصمة الجديدة، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومجمع بنبان للطاقة الشمسية، ومدينة الدواء، وشبكة الطرق والموانئ والقطار السريع.

هذه لم تعد مشروعات محلية فقط، بل أصبحت «أصولًا» جاهزة للشراكة والتصدير.

جاذبية «الثقة».. مصر عضو مؤسس فى جامعة الدول العربية، وعضو فاعل فى الاتحاد الإفريقي، وشريك فى منظمة التعاون الإسلامي. وهذه العضوية المركبة تمنحها مصداقية نادرة فى زمن الاستقطاب.

وتستطيع مصر أن تتحدث مع الجميع دون أن تخسر أحدًا.

لهذه الأسباب جاءت الصين إلى القاهرة أولًا، ولهذا السبب تختار الصناديق السيادية الخليجية مصر كأكبر وجهة لاستثماراتها.

ولهذا أقترح أن نقوم بقراءة هادئة فى الزيارات الثلاث.

«الزيارة الصينية».. لم تكن عن القروض، بل كانت عن «الربط». الصين تبحث عن شريك ينقل نموذجها التنموى إلى إفريقيا، ومصر لديها خبرة فى المدن الجديدة والطاقة والبنية التحتية.

وكان الحديث يدور حول التصنيع المشترك، والمناطق الصناعية، والهيدروجين الأخضر.

«قمة بريكس».. يظهر بوضوح أن انضمام مصر إلى بنك التنمية الجديد التابع لـ«بريكس» ليس بديلًا عن المؤسسات الدولية، وإنما هو «تنويع لمصادر التمويل».

وفق قاعدة بسيطة يستخدمها الاقتصاديون، ومفادها أن مخاطرة التمويل = 1 مقسومًا على عدد مصادر التمويل. وبالتالي، فكلما زادت المصادر، قلت التكلفة وزادت المرونة.

«الزيارة السعودية».. تعكس الزيارة تحولًا استراتيجيًا. فالصناديق السيادية الخليجية لم تعد تشترى أسهمًا فقط، بل أصبحت تشترى «مشروعات» و«سلاسل إنتاج».

ومصر هى أكبر ورشة جاهزة فى الإقليم لهذا التحول.

الدور الغائب: «التكتلات الإقليمية»

فى كل هذه المعادلات، هناك طرف مهم، هو المؤسسات الإقليمية: الاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية، والكوميسا، واتحادات الغرف وغيرها.

فى عالم متعدد الأقطاب، لم تعد الدولة الواحدة قادرة على التفاوض وحدها. فالصندوق السيادى الذى تبلغ أصوله 700 مليار دولار يفضل التفاوض مع «تكتل» بدلًا من التفاوض مع شركة.

هنا تظهر أهمية وجود أطر قارية تجمع بين الحكومات ومجتمع الأعمال؛ أطر تقدم الدراسات، وتوحد الرؤى، وتختصر زمن الصفقات.

ودورها ليس سياسيًا فقط، بل اقتصادى بحت: تقليل تكلفة المعاملات وفتح الأسواق.

والآن يأتى دور السؤال الحاسم: هل مصر تسير باتجاه القوة الاقتصادية أم اقتصاد القوة؟

لأن هناك فرقًا حاسمًا بين المفهومين.

فالقوة الاقتصادية مفهومها أن تملك إنتاجًا وتصديرًا وتكنولوجيا تجذب الاستثمار لأنك «مربح»، وذلك بالطبع وفق القاعدة التى تقول إن القوة = الإنتاجية.

أما اقتصاد القوة، فيقول إن تستخدم موقعك وعلاقاتك كورقة ضغط لتحقيق مكاسب. ومعادلته معروفة للجميع: القوة = التحالفات × الموقع.

وهنا، أيها السادة، نجد أن مصر اليوم بدأت، بل تسير، باتجاه امتلاك مقومات الاثنين.

فلدينا بنية وموقع وسوق يؤهلنا للقوة الاقتصادية، ولدينا موقع واضح فى قلب التحالفات الجديدة يؤهلنا لاقتصاد القوة.

ولكن النجاح الحقيقى هو ألا نكتفى بالثاني، بل نستخدم «اقتصاد القوة» كرافعة لبناء «القوة الاقتصادية» الحقيقية، من خلال تكامل المصانع مع التصدير والوظائف والتكنولوجيا، كلها معًا.

أيها السادة، إن العالم لا يتحرك بالعاطفة، وإنما يتحرك وفق مصالح ومعادلات.

والمعادلة الحالية تقول: رأس المال يبحث عن الأمان، والتكنولوجيا تبحث عن السوق، والسوق تبحث عن التمويل، ومصر يمكنها أن تكون نقطة الربط والالتقاء لهذه المعادلة.

لكن هذا، بالطبع، لن يحدث تلقائيًا، بل يحتاج إلى عمل مؤسسى تكاملى ومتناغم يحول الموقع إلى مشروع، والمشروع إلى تمويل، والتمويل إلى تنمية.

فى هذا الشأن، التاريخ لا يعيد نفسه ولا يتكرر كما يقولون، لكنه يطرح السؤال نفسه دائمًا:

هل سنستخدم موقعنا لنبنى اقتصادًا قويًا، أم سنستهلك اقتصادنا للحفاظ على موقعنا؟

الإجابة عن هذا السؤال هى التى ستحدد مكان مصر فى خريطة العشرين عامًا القادمة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة