لم تأتِ رشا عبدالعال حسن إلى رئاسة مصلحة الضرائب المصرية من طريق مختصر، بل عبر رحلة مهنية طويلة داخل واحدة من أكثر المؤسسات ارتباطًا بتفاصيل الحياة الاقتصادية اليومية. سنوات من العمل، والتنقل بين مواقع المسئولية، والانخراط فى ملفات التطوير، انتهت بها إلى موقع أصبحت فيه أول سيدة تتولى رئاسة مصلحة الضرائب المصرية.
فى مؤسسة عمرها عقود وتاريخها محفور فى مخيلة كل مواطن مصرى دفع ضريبة أو خاض نزاعًا مع المصلحة، جاءت رشا عبدالعال بسؤال مختلف ومركب: لماذا تكون الضريبة مصدر توتر لا شراكة؟ ولماذا يعيش الممول فى خوف من التقدير الجزافى بدلاً من الالتزام الطوعى؟ هذا السؤال هو الذى يُفسّر كل ما تفعله منذ توليها المنصب.
من داخل المنظومة الضريبية جاءت «رشا» وعرفت تفاصيلها من أدقّ زواياها. تدرجت فى مناصب متعددة داخل مصلحة الضرائب المصرية، من رئيس وحدة المخاطر وفحص نظم الحاسبات الإلكترونية، إلى مدير عام الإدارة العامة لبحوث الإعفاءات للمنظمات الدولية والدبلوماسية، ثم رئيسًا للإدارة المركزية الاستراتيجية، ثم نائبًا لرئيس المصلحة، قبل أن يصدر قرار تعيينها رئيسًا.
هذا التراكم الطويل لم يمنح «رشا» الخبرة فحسب، بل أعطاها شيئًا أعمق؛ فهمًا حقيقيًا لما يؤلم الممول، وما يعطّل المصلحة، وأين تكمن الفجوة بين القانون والتطبيق، وهو ما يجعل قراراتها اليوم نابعة من داخل المنظومة لا من فوقها.
الرهان الأكبر الذى ترفعه رشا عبدالعال هو إنهاء «عصر التقدير الجزافى»، ذلك النظام الذى كان يمنح المصلحة صلاحية تحديد الضريبة بالتخمين، وهو ما أنتج عقودًا من النزاعات وأضعف ثقة المجتمع الضريبى. وقد بدأت فعليًا بإلغاء المادة 18 من قانون الضريبة على الدخل -الغطاء التشريعى للمحاسبة التقديرية- ليفتح الطريق نحو منظومة قائمة كليًا على الدفاتر والسجلات والأنظمة الرقمية، اعتبارًا من عام 2028.
أطلقت حزمتين من التسهيلات الضريبية تضمنتا مجتمعتين أكثر من 32 إجراءً؛ الأولى استهدفت ضم الممول غير الملتزم، والثانية مكافأة الملتزم، والثالثة فى الطريق، لتكتمل منظومة تحوّل الضريبة من عبء إلى شراكة.
وعلى صعيد التحول الرقمى، تواصل رشا عبدالعال رحلة بدأت عام 2018؛ منظومة الفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكترونى، وتطبيق التصرفات العقارية الرقمى الذى يتيح للمواطن إنجاز إجراءاته كاملة إلكترونيًا فى أربع محافظات، مع توظيف الذكاء الاصطناعى فى احتساب الضريبة وإصدار المخالصات، وهى خطوات تعيد تعريف علاقة المواطن بالمصلحة من الجذور.
ما يميّز أسلوب رشا عبدالعال ليس فقط القرارات التشريعية، بل الطريقة التى تدير بها الحوار. تجلس مع مجتمع الأعمال والمحاسبين والمكاتب الاستشارية، تستمع إلى مقترحاتهم وتجعل حزم التسهيلات ثمرة حوار حقيقى لا مجرد قرارات تُفرض من أعلى، ولعل هذا هو الأعمق فى تجربتها: «إيمانها بأن الإصلاح الضريبى لا يكتمل إلا حين يصبح الممول شريكًا لا خصمًا».
ولم يكن صدور قرار رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولى، بتجديد تعيينها رئيسًا للمصلحة بدرجة ممتازة لمدة عام، مجرد إجراء إدارى، بل جاء تتويجًا لرحلة مهنية ملهمة صعدت خلالها قمة الهرم الضريبى كأول امرأة تتولى هذا المنصب الرفيع. لكن رشا عبدالعال لا تعرف نفسها بالسبق التاريخى، بل بما تريد تغييره؛ مصلحة تلهم الثقة لا الخوف، وممول يلتزم طوعًا لا اضطرارًا.