أعاد قرار مجلس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى رفع أسعار الفائدة، خلال اجتماع الأربعاء الماضى، رسم خريطة تحركات المستثمرين فى الأسواق العالمية، بعدما رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق يتراوح بين 3.75 فى المائة و4 فى المائة، فى أول زيادة منذ عام 2023 مع استمرار الضغوط التضخمية وحالة عدم اليقين بشأن الاقتصاد العالمى خاصة فى ظل التوترات الجيوسياسية بمنطقة الشرق الأوسط على مدار الأيام الماضية.
جاء القرار فى وقت تترقب فيه الأسواق تداعيات ارتفاع العائد على الأصول المقوّمة بالدولار، باعتبار أن زيادة الفائدة الأمريكية تجعل أدوات الدين الأمريكية أكثر جذبًا للمستثمرين، وهو ما قد يدفع جزءًا من السيولة العالمية إلى إعادة توزيع استثماراتها بين الأسهم والسندات والأسواق الناشئة.
وتؤدى زيادة أسعار الفائدة الأمريكية عادة إلى ارتفاع جاذبية أدوات الدين، خصوصًا سندات وأذون الخزانة، إذ يبحث المستثمرون عن عوائد أعلى مع مستويات مخاطر يعتبرونها محدودة نسبيًا مقارنة ببعض الأصول الأخرى، ومن ثم يمكن أن تتعرض أسواق الأسهم لضغوط مع اتجاه بعض المستثمرين إلى تخفيض مراكزهم فى الأسهم وإعادة توجيه جانب من السيولة نحو أدوات الدخل الثابت، خاصة إذا ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية.
وتظهر تأثيرات رفع أسعار الفائدة فى أسواق الأسهم العالمية؛ إذ سحب المستثمرون نحو 23.21 مليار دولار من صناديق الأسهم العالمية خلال الأسبوع المنتهى فى 16 سبتمبر، فى أكبر موجة تخارج أسبوعية منذ ديسمبر 2025، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط وزيادة المخاوف بشأن تأثير تكاليف الطاقة على الاقتصاد العالمى.
وجاءت هذه الموجة البيعية مع متابعة المستثمرين لمسار أسعار الفائدة الأمريكية وارتفاع عوائد السندات، ما دفع جانبًا من السيولة إلى البحث عن أدوات استثمارية توفر عائدًا أكثر وضوحًا، وسجلت صناديق الأسهم الأمريكية تخارجات بلغت نحو 31.44 مليار دولار خلال الأسبوع، لتواصل خروج الأموال منها للأسبوع الرابع على التوالى، بينما استقبلت صناديق الأسهم الآسيوية تدفقات داخلة بقيمة 6.26 مليار دولار، بما يعكس اختلاف توجهات المستثمرين بين الأسواق.
وفى هذا السياق، أوضحت حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، أن «رفع الفائدة الأمريكية يدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع استثماراتهم»، مشيرة إلى تراجع بعض الأسهم الأمريكية والأوروبية بالتزامن مع اتجاه جزء من السيولة نحو أذون وسندات الخزانة الأمريكية، خاصة مع ارتفاع العوائد على السندات طويلة الأجل.
وأضافت أن «حركة رؤوس الأموال العالمية لا تتحدد بقرار الفيدرالى وحده، وإنما تتأثر أيضًا بالتوترات الجيوسياسية وتوقعات التضخم وأسعار الفائدة فى الاقتصادات الكبرى، إلى جانب تقييم المستثمرين لمستوى المخاطر والعائد فى كل سوق».
أما الذهب، فأشارت «حنان»، إلى أنه «يتحرك وفق معادلة مختلفة إذ يتأثر بشكل مباشر بتغيرات الدولار وعوائد السندات وتوقعات أسعار الفائدة، فضلاً عن الطلب الاستثمارى وعمليات شراء البنوك المركزية، وعادة ما يؤدى ارتفاع عوائد الأصول المقوّمة بالدولار إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، باعتباره أصلاً لا يدرّ عائدًا دوريًا، وهو ما قد يحدّ من جاذبيته فى بعض فترات ارتفاع الفائدة، لكن الذهب لا يتحرك فى اتجاه واحد دائمًا؛ إذ يمكن أن يستفيد من المخاوف الجيوسياسية والبحث عن الملاذات الآمنة، فضلاً عن مشتريات البنوك المركزية».
كما لفتت إلى أن «تحركات الذهب خلال الفترة الحالية تتسم بهدوء نسبى مقارنة بفترات سابقة مع وجود ضغوط بيعية من جانب بعض البنوك المركزية»، موضحة أن المعدن الأصفر يتحرك فى نطاق سعرى يتراوح، وفق تقديرها، بين 4200 و4400 دولار للأوقية.
وتابعت «حنان»، أن «تحركات البنوك المركزية تجاه الذهب فى الوقت الحالى يغلب عليها الطابع التكتيكى فى ظل ترقب تطورات الأسواق العالمية وحركة العملات والعوائد، مع استمرار أهمية الذهب ضمن احتياطيات عدد كبير من الدول».
ولا تتوقف تداعيات رفع أسعار الفائدة فى مجلس الاحتياطى الأمريكى عند الأسواق العالمية؛ إذ تمتد إلى الأسواق الناشئة ومنها البورصة المصرية من خلال حركة استثمارات الأجانب وتغير جاذبية الأصول المحلية مقارنة بالأصول الأمريكية، وهو ما أشارت إليه «رمسيس»، بقولها إن «البورصة المصرية تأثرت خلال الفترة الماضية بعدة عوامل من بينها التوترات الجيوسياسية الإقليمية، إلى جانب تحركات المستثمرين الأجانب والعرب، كما أن خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية قد يضغط على مؤشرات السوق، بينما يمكن أن تعود عمليات الشراء الانتقائية إلى الأسهم القيادية مع وضوح اتجاهات المستثمرين والمؤشرات العالمية».
ولفتت إلى أن «تحركات البورصة المصرية لا ترتبط بقرار الفيدرالى الأمريكى وحده وإنما تتأثر أيضًا بتغير نظرة المستثمرين الأجانب للأسواق الناشئة، فضلاً عن احتياجات المستثمرين العرب لسيولة تدعم أسواقهم المحلية فى ظل المخاطر الإقليمية».
وفى هذا السياق، يرى بنك «مورجان ستانلى» أن تدفقات المحافظ الاستثمارية الخارجة من مصر خلال أحدث موجة صعود لأسعار النفط كانت أقل بكثير من التخارجات التى أعقبت الصدمة الأولى فى بداية 2026، وهو ما اعتبره مؤشرًا على تحسن الثقة فى قدرة الاقتصاد المصرى على التعامل مع الضغوط الخارجية، بحسب ما نقلته «الشرق بلومبرغ».
وأبقى البنك الأمريكى على نظرته الإيجابية لأذون الخزانة المصرية لأجل 6 أشهر، معتبرًا أن عوائدها لا تزال جاذبة مقارنة بالمخاطر فى ظل استمرار العائد المرتفع على الأصول المحلية.
وفى المقابل، حذر «مورجان ستانلي» من أن تراجعًا إضافيًا للجنيه بنحو 5 فى المائة إلى 7 فى المائة، أو اتجاه البنك المركزى المصرى إلى خفض أسعار الفائدة فى توقيت مبكر، قد يؤدى إلى تجدد تخارجات استثمارات المحافظ وتقليص جاذبية الأصول المصرية، وتأتى هذه الرؤية قبل اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزى المصرى المقرر يوم 24 سبتمبر، بعدما أبقت اللجنة فى اجتماع أغسطس على سعر عائد الإيداع عند 19 فى المائة والإقراض عند 20 فى المائة وسعر العملية الرئيسية عند 19.5 فى المائة.
أوضحت حنان رمسيس، أن قرار الفيدرالى الأمريكى يمكن أن يؤثر على الاقتصاد المصرى بصورة غير مباشرة، عبر تغير تفضيلات المستثمرين الأجانب واتجاهات تدفقات الأموال الساخنة وأدوات الدين المحلية.
وأضافت أنه فى حال تراجع جاذبية الأصول المصرية مقارنة بالأسواق الخارجية قد تتأثر قدرة السوق على جذب تدفقات جديدة، وهو ما يجعل الحفاظ على التوازن بين مكافحة التضخم ودعم جاذبية أدوات الدين أحد الملفات المهمة أمام صانع السياسة النقدية، مشيرة إلى أن الاحتياطيات الأجنبية لدى مصر توفر قدرة على الوفاء بالالتزامات الخارجية.