إن المشروع الصهيونى يسير بخطى ثابتة نحو «انهيار وجودي» شامل، ليس فقط بسبب قوة خصومه، بل بسبب «اعتلاله البنيوي» الذى ينخر فى أساساته من الداخل، وبسبب «الأمساخ الأخلاقية» التى يفرزها والتى تلتهمه من الداخل، وبسبب كونه «خيانة للتجربة اليهودية» الحقيقية التى ازدهرت فى ظل الحضارة الإسلامية!!
تحولت إسرائيل من ذُخر استراتيجى لداعميها إلى عبء استراتيجي، وقاعدة مسمومة يهرب منها الجميع!!
بعد أن استعرضنا كل هذه الطبقات من التحليل الفلسفى والنفسى والقانونى والوظيفى واللغوي، وبعد أن شرحنا ظاهرة «الأمساخ الأخلاقية» وديناميكية التآكل الداخلى للمجتمع الصهيوني، وبعد أن قدمنا «المرافعة التاريخية» التى تثبت أن التعايش كان ممكنًا ومزدهرًا لولا عنصرية الصهيونية، نصل إلى السؤال الجوهرى الذى يفرض نفسه بقوة: ما هو مصير هذا النموذج المعتل؟ وما هو مصير أولئك الذين يراهنون عليه ويعلقون آمالهم ومصائرهم به؟ وهذا هو جوهر الفصل الحادى عشر: الانهيار الوجودى فى بنية المشروع الصهيوني، مستخلصًا من فقه التاريخ وسنن الاجتماع السياسي.
وهنا، يجب أن ننتقل من لغة الفلسفة والتشريح النقدى إلى لغة فقه التاريخ وسنن الاجتماع السياسي. فالتاريخ ليس مجرد سجل للأحداث العابرة، بل هو مخبر كبير تكشف تجاربه عن قوانين ثابتة وسنن مطردة لا تحابى أحدًا. ومن يتأمل فى مصارع الأمم والدول والإمبراطوريات والمشاريع الإحلالية عبر العصور، يدرك أن ثمة «سننًا إلهية» فى قيام المجتمعات وانهيارها، وثمة «منطقًا داخليًا» للتاريخ لا يمكن خداعه أو التفاوض معه. وإذا طبقنا هذه السنن التاريخية على الحالة التى شخصناها، فإننا نصل إلى خلاصة حتمية: إن المشروع الصهيونى يسير بخطى ثابتة نحو «انهيار وجودي» شامل، ليس فقط بسبب قوة خصومه، بل بسبب «اعتلاله البنيوي» الذى ينخر فى أساساته من الداخل، وبسبب «الأمساخ الأخلاقية» التى يفرزها والتى تلتهمه من الداخل، وبسبب كونه «خيانة للتجربة اليهودية» الحقيقية التى ازدهرت فى ظل الحضارة الإسلامية.
وهذا الانهيار ليس مجرد احتمال نظري، بل هو نتيجة حتمية لمقدمات بنيوية قائمة بالفعل.
ولكن، ما يعنينا هنا ليس فقط مصير المشروع ذاته، بل أيضًا، وربما بالأكثر، مصير أولئك الذين يراهنون عليه ويعلقون مصائرهم به. فـ«الصهيونى الوظيفي»، بكل تجلياته التى حللناها، و«الصهيونى الوظيفى اللغوي» الذى يسمم الوعي، و«المسخ الأخلاقي» الذى هو نتاج عضوى للمشروع، يخوضون معًا مغامرة وجودية خطيرة بربط مصيرهم بكيان معتل بنيويًا.
وهذا الرهان ليس مجرد خطأ سياسى يمكن تصحيحه لاحقًا، بل هو «استثمار فى السراب» يحمل فى طياته خسائر فادحة على المستويات الأخلاقية والاستراتيجية والثقافية والتاريخية.
ويمكننا، استنادًا إلى فقه التاريخ وسنن الاجتماع، تلخيص هذه الخسائر المحتومة فى أربعة محاور رئيسية:
أولًا: الخسارة الأخلاقية والوجودية: السقوط من سجل الإنسانية
إن التعلق بكيان معتل بنيويًا، والذى يفرز الأمساخ الأخلاقية التى شهدنا نماذجها، ويعتمد على التضليل اللغوى لتمرير مشروعه، يعنى بالضرورة تبنى سرديته القائمة على «المحو» والإقصاء، وقبول منطقه الأخلاقى المعوج. إنه يعنى الدخول فى دائرة التبرير والتجميل والدفاع عن «الخطيئة الأصلية» وعن «عملية التطهير العرقى المستمرة» التى وثقها (إيلان بابي).
إنه يعني، بشكل ملموس ويومي، أن يجد «الصهيونى الوظيفي» و«المسخ الأخلاقي» نفسيهما مضطرين إلى تبرير المجازر، وتفسير الأبارتهايد، وقبول تجريد الآخر (الفلسطيني) من إنسانيته، وتحويله إلى مجرد «مشكلة» أو «تهديد» أو «بيانات» على شاشة حاسوب. والثمن؟.. إن هذا المسار من التنازلات الأخلاقية المتتالية لا يمر دون عقاب نفسى وروحى عميق. إنه يؤدي، كما حذر ليبوفيتش وبتلر، إلى «موت الضمير».
إنه يؤدى إلى تآكل تدريجى للقدرة على التمييز بين الخير والشر، وبين العدل والظلم، وبين الحق والباطل. فلكى تستمر فى الدفاع عن نموذج يقوم على إنكار الآخر وسحقه، عليك أن تخدر ضميرك الأخلاقى تدريجيًا، أو أن تعيد برمجته بالكامل ليتوافق مع متطلبات الوظيفة، تمامًا كما حدث مع «المسخ التكنولوجي» و«المسخ القانوني». والنتيجة؟.. فى نهاية هذا المسار، يفقد «الصهيونى الوظيفي» و«المسخ الأخلاقي» قدرتهما على المحاججة بمنطق الحق والعدل والقيم الإنسانية الكونية. يصبح خطابهما أجوف، وحججهما واهية، ومواقفهما مكشوفة.
والأهم من ذلك، أنهما يتحولان إلى كائنين «منبوذين فى الوجدان الكوني» الذى بدأ يتشكل اليوم ضد هذا النموذج المعتل. فالعالم، وخاصة الأجيال الجديدة التى نشأت فى عصر المعلومات والكاميرا والوعى الحقوقي، لم يعد يقبل هذه التبريرات الأخلاقية المهترئة. إنهما يخسران، قبل أى شيء آخر، مكانهما فى «سجل الإنسانية»، أى فى ذلك الفضاء الأخلاقى المشترك الذى تعترف فيه البشرية ببعضها بعضًا ككائنات أخلاقية.
من فقه التاريخ: كل الأنظمة التى قامت على إنكار إنسانية الآخر، من نظام العبودية فى أمريكا إلى نظام الأبارتهايد فى جنوب إفريقيا إلى النظام النازى فى ألمانيا، انتهى بها الأمر إلى العزلة الأخلاقية والانهيار، وأصبح المدافعون عنها ومنفذو سياساتها موضع خزى وتنديد فى ضمير البشرية. هذا قانون تاريخى ثابت: «الظلم لا يدوم، والضمير العالمى يستيقظ ولو بعد حين».
ثانيًا: الخسارة الاستراتيجية: الارتباط بـ«قاعدة» متآكلة ومسمومة كما أوضح «المؤرخون الجدد»، وعلى رأسهم (آفى شلايم)، وكما حذر خبراء الانهيار الوظيفى من داخل المؤسسة الإسرائيلية ذاتها، وكما أظهر تحليلنا لـ«الأمساخ الأخلاقية» و«صراع الهويات»، فإن الكيان الصهيونى يفقد تدريجيًا وظيفته كـ«ذُخر استراتيجي» (Strategic Asset)، ليتحول باطراد إلى «عبء استراتيجي» (Strategic Burden)، بل إلى «قاعدة مسمومة» تنخر فى نفسها وفى حلفائها.
هذا التحول ليس مجرد انطباع، بل هو نتيجة لعمليات بنيوية عميقة حللناها سابقًا. والثمن؟.. المراهنون على حماية هذا الكيان والدفاع عنه يربطون أنفسهم، دون أن يدروا بالضرورة، بكيان يعانى من «رهاب الزمن» المزمن، ومن تآكل داخلى متسارع على المستويات الثيوقراطية والديموغرافية والاقتصادية والأخلاقية.
إنهم يراهنون على «قاعدة» عسكرية وسياسية تتصدع أساساتها يومًا بعد يوم، ليس فقط بسبب عوامل خارجية، بل بسبب «الأمساخ» التى تفرزها والتى تعجل بانهيارها، وبسبب «القنبلة الموقوتة» لصراع الهويات.
إنهم يستثمرون فى «بناء آيل للسقوط» بفعل عوامل داخلية لا علاقة لها بقوة الخصوم الخارجيين.
والنتيجة؟.. عندما تحين «لحظة الحقيقة الوجودية»، وعندما تصل التناقضات البنيوية إلى نقطة الغليان والانفجار، سيجد هؤلاء المعلقون آمالهم ومصائرهم على هذا الكيان أنهم استثمروا فى وهم كبير.
(يتبع)