لعل السؤال البديهي في ظل الوعي الظرفي اليوم يعمق حسابات المخاطر الاستراتيجية الفعلية، فالأسواق ترسل إشارات الخطر، فهرمز تحت الضغط الاقتصادي شرقًا، وباب المندب تحت ضغط الحوثيين غربًا، وبين هذا وذاك يواجه الاقتصاد العالمي خيارات تزداد صعوبة، ولم تعد القضية مجرد أطماع أو معارك في هرمز أو باب المندب، بل معركة تتقاطع فيها تجارة العالم وأسواق النفط وأسعار الفائدة، ومن هنا يتراءى لنا طرح السؤال الكبير: هل فعل الفيدرالي الأمريكي الأصوب حينما رفع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس؟
يمر الاقتصاد العالمى بمرحلة حرجة من عدم اليقين والتباطؤ فى النمو الاقتصادى بفعل الدوائر المغلقة، وأولها التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على ارتفاع أسعار الطاقة وعناد التضخم وعدم استسلامه، مما اضطر الفيدرالى الأمريكى أن يتجه إلى بداية التشديد النقدي.
ومن هنا تعرض قرار الفيدرالى الأمريكى الذى خالف مناشدات الرئيس الأمريكى بضرورة خفض الفائدة وتعريض الجمهوريين لمخاطرة فى الانتخابات النصفية، فرفع الفائدة كأداة تقليدية للبنوك المركزية حول العالم لا يمكنه إصلاح الاختناقات الهيكلية أو نقص إمدادات الطاقة الناتجة عن الحروب، مما يجعل كبح جماح التضخم على حساب إضعاف حركة التجارة والإنتاج العالمي.
التفت كيفن وارش حوله فرأى المصير المجهول الذى لا ينطفئ باقتصاد أمريكا، والذى يؤثر على البنوك المركزية حول العالم.
المعادلة صعبة، وحرب إيران رفعت أسعار الطاقة وكشفت عن أزمة مرعبة لم تكن فى حسابات ترامب أو رجل وول ستريت، وهى أزمة السيولة وأسعار الطاقة، وكشفت حقيقة داخل الأسواق المالية، وهى أزمة الكاش نفسه أو المال الذى أصبح سلعة غالية، ورغم محاولات وزير الخزانة الأمريكية سكوت بيسنت التغول على السياسة النقدية، إلا أن أمريكا تدفع عوائد للسندات الأمريكية تجاوزت الـ5 فى المائة ، وهذه المشكلة أعمق بكثير من مجرد حرب أو أزمة عابرة.
الطلب الهائل على السيولة جعل الحكومات تقترض بشكل طبيعى لتغطية ديونها، ودخل منافس شرس ضخم إلى سوق المال والمحافظ، وهو أسهم الذكاء الاصطناعى الذى استهلك من السيولة فى أمريكا حوالى 500 مليار دولار ديونًا لمراكز البيانات وأسهم شركات الطاقة وتنافس على السيولة، وهنا المعضلة: البنوك لا تستطيع إقراض الشركات والمصانع نفس عوائد السندات، فهل كان كيفن وارش على صواب فى رفع الفائدة بربع نقطة أساس!!!
لقد أديت خطابك جيدًا وارش أمام العالم، ولكن دومًا الأسواق لها رأى آخر، فقد قرأت الإشارة أن البنوك المركزية مقبلة على مزيد من التشديد النقدي.
وعندما يركز الفيدرالى الأمريكى على النمط الاقتصادى وليس البيانات، يكون للاقتصاد العالمى رأى آخر بالدوائر المغلقة أو الحسبة الرياضية لرئيس البرلمان الإيرانى كاليباف الذى قال بقاعدة تايلور فى الاقتصاد بتغريدة بسيطة إن ربع نقطة أساس لن تفتح مضيقًا أو تطبع برميلًا من النفط، ولا تعوض إمدادات الطاقة، وبين كلفة المال وكلفة برميل النفط تمتد المواجهة من الممرات البحرية إلى جيوب المستهلكين فى العالم كله، وأولها المستهلك الأمريكي.
فى الاقتصاد العالمى هناك حقيقة وجودية دامغة أن القرارات التى تتخذ من الفيدرالى الأمريكى أو غيره من البنوك المركزية حول العالم لا تقاس بحجم الأرقام التى تظهر على الشاشات، بل بحجم التأثير والمسارات التى يستطيع هذا القرار تغييرها فى الدوائر المغلقة للاقتصاد العالمي.
فقرار كيفن وارش لم يكن مفاجأة للأسواق التى كانت تسعر الرفع مبكرًا مع التسعير المسبق للأخبار والأسواق المالية،
وهنا نقول إن نبرة الفيدرالى الأمريكى وقراره تخبرنا أن معركة التضخم لم تنتهِ بعد، ولا يستبعد الفيدرالى مزيدًا من التضخم.
وهنا قرار كيفن وارش لا يخص أمريكا منفردة، وإنما يخص كل الاقتصادات حول العالم، فأمريكا صاحبة العملة ذات العرش المتوج، وهو الدولار الذى تدور حوله الدوائر المغلقة، وهى التجارة والتمويل والديون العالمية.
وهنا نقطة ومن أول السطر، لأن المعادلة الاقتصادية تقول: عندما تتغير تكلفة الدولار يبدأ المستثمرون والحكومات حول العالم يعيدون حساباتهم مرة أخرى.
الدول التى تقترض تبدأ عندها الأسئلة حول تكلفة الاقتراض، المستثمرين أو أصحاب الأموال الساخنة يخرجون سريعًا من الأسواق الناشئة إذا أصبحت الأصول الأمريكية تقدم عائدًا أعلى،
لذلك اتجاه وارش إلى بداية التشديد النقدى يجعل الاقتصادات أمام منعطف واختبار أشد قسوة، لا هناك عملية إعادة تسعير أو عمليات إعادة تمويل الالتزامات بصورة جديدة ومستمرة.
ولكن الخطر القادم للأسواق الناشئة هو توقعات المحللين وبيوت الخبرة المالية برفعات أخرى للفائدة.
وهنا نقول إن الأسواق لا تسعر الأخبار الماضية، وإنما تحاول قراءة المستقبل والسلوك السعرى المستقبلى للأسواق واتجاه السياسة النقدية، وهكذا تنقل أمريكا أزمة السيولة والسياسة النقدية والمالية من أمريكا إلى العالم كله عبر حركة رؤوس الأموال، والفيدرالى لا يستطيع الانتظار أو التراجع، وبالتالى الرهان على الأموال أو التمويل الأقل تكلفة أصبح أكثر خطورة.
وتظل الدوائر المغلقة للاقتصاد العالمى هى المعضلة الكبرى، وبدأت الأسواق ترسل تحذيرات: هل هناك دورة تسديد نقدى جديدة أمام ملف الاقتصاد العالمى الذى ينتظر ابتسامة المضائق المائية، مفاتيح وبوابة العالم، وإلى حديث آخر.