ليس مهمة المدرسة تدريس المناهج فقط وإجراء الامتحانات والتقييمات، أو المتابعة للشكل الطلابيّ، والمفارقة أننا نتابع بالتحذير والعقاب «شبشب طالب» وخصلة شعر طالبة، بينما يكون الصمت أمام التغطية الكاملة لوجه المعلمات ؟!.
ومن المعروف أن هناك دورا تربويا وسلوكيا هاما للمدرسة لا يقل أهمية عن نسب الحضور، فهناك فى علم التربية والفكر ما يسمى بالمنهج الخفى أو المتضمن بالشكل والمظهر والأقوال، وحينما يرى الطفل والتلاميذ وفى حضور قيادات التعليم، أن تغطية وجه المرأة بالنقاب تحديدا وليس الرجل، مع أن الوجه فى كلا الصنفين أقصد صنف الإنسان واحد فى تكوين أعضائه، وبالتالى فإن تغطية وجه المرأة فقط رسالة واضحة للنشء بالأفضلية بالنقاب أو اختفِ أفضل .
لذلك يتم مواجهة الاختفاء الواعي -المتعمد -فى كافة المعاملات بالدولة، فصورتها بالوجه وجوبية وإجبارية بالبطاقة الشخصية وجواز السفر إلى رخصة القيادة إلى مختلف أنواع البطاقات، لذلك يشترط صورة وعلانية إلى الوجه بدون نقاب أو الاكتفاء بإظهار العين فقط، فكل ذلك ممنوع والعلانية وعدم النقاب فى الأوراق الرسمية للتعامل وهو أحد شروط الإجبارية إلى يلتزم بها المواطن، يتساوى فى ذلك الرجل والمرأة فلماذا إذن نتغاضى عنه للمرأة وداخل المدارس وقاعات التدريس أى أنها عملت بأجر وليس تبرعا؟! .
وفى علم التربية وكلياته تحديدا والذي تختص بنتائجه وزارة التعليم وتعين المدرسين منه خاصة بالمدارس الابتدائية وغيرها فى جميع المراحل، فإن الأدبيات العلمية التربوية تقول بأهمية وضرورة تعبيرات الوجه فهو أداة التعلم، والحوار يتم بالفم والوجه حتى نظرة العين مهمة فى مراحل التنشئة بل والأمان بين التلميذ أو التلميذة وبين مدرسته بالفصل، ولذلك سنجد أن نسبة المرأة فى كليات الطفولة والتربية هى الأكبر عددا، وبالتالى فإن السماح بإخفاء الوجه يعتبر خارج المعارف التربوية والتعليمية، وإلا كان من الأسهل أن نسلم لكل تلميذ عند دخوله المدرسة «جهاز يتكلم» ونوفر مبالغ ومرتبات المعلمين حتى لو بالحصة؟!، كما أن الصور وربما تعكس رسالة للتلاميذ والطلاب والمجتمع بالترحيب بهذه الازدواجية وغض البصر عنها، ففى البطاقة والأوراق الصور بدون نقاب وبموافقة من يتم تصويرها؟ بينما فى الواقع النقاب فى أماكن العمل بما يعنى مشروعية الازدواجية والتحايل .
والنقاب ليس من الدين من قريب أو بعيد، حتى نتساهل تربويا معه، وتذكرت أنه وقبل سنوات وربما عام 2009 كان الدكتور سيد طنطاوى شيخ جامع الأزهر وأثناء مروره على المدارس الأزهريّة بمناسبة العام الدراسى الجديد أيضا، وفوجئ حينما دخل فصلا للبنات بوجود طالبة الإعدادى وترتدى النقاب ويبدو أن المدرسة كانت كذلك، ولم يكتف بغضبه ولكنه علق على ذلك قائلا النقاب ليس من الدين ولكنه عادة، وقال ذلك علانية وبعلم وعقلانية، فهو عالم جليل حصل على درجة الدكتوراه فى التفسير والحديث وعمل أستاذا بجامعة الأزهر قبل أن يتولى منصب الإفتاء ثم مشيخة الأزهر أى أنه يتحدث عن علم وتخصص، وأعقبه صدور قرار بمنع النقاب فى المعاهد الأزهرية، واستند فى ذلك وكما كتبت وقتها لحكم المحكمة الدستورية عام 1996،1997 بعدم دستورية ارتداء الطالبات للنقاب بالمدارس، وكان قرارا وزاريا قد صدر بمنع النقاب وهو الحكم الذى صدر برئاسة د. عوض المر ولصالح قرار د. حسين كامل وزير التعليم قد أصدره عام 1994، وأذكر أنه بعد واقعة د. سيد طنطاوى كنت مصاحبة لجولة مع د. أحمد زكى بدر وزير التعليم وقتها، وكانت مدرسة الألعاب ترتدى النقاب؟! وتوقفنا عند ذلك الأمر وقال إنه شيء غريب وقرر دراسة مواجهته.
ثم بعد ثورة 30 يونيو أو ربما قبلها بقليل، فقد قمت بزيارة مدرسة دولية فئة 5 نجوم تديرها أو تمتلكها عائلة خيرت الشاطر الكادر الإخوانى الشهير ومرشح لمنصب رئاسة الجمهورية قبل أن يرفض طلبه، دخلت المدرسة الدولية التى بها حمام سباحة فاخر وبدون حتى أن أرتدى غطاء للرأس، وهناك وجدت مدرسات منتقبات بل وهناك أجنبيات كذلك، وكانت مغامرة صحفية وفكرية مثمرة، لذلك فقرار الزى المدرسى واضح ومحصن بحكم محكمة دستورية، ولذلك أعتقد أن الوزارة سارعت بنفى زى النقاب بمدارس الصعيد حينما ظهر قبل أيام قليلة .
بل الأكثر من ذلك وأخبر وزارة التعليم به، أن هناك حكما ونهائيا وباتا صدر من المحكمة الإدارية العليا منذ سنوات قليلة فقط يحصن قرارا بمنع النقاب لأساتذة الجامعة وصدر لصالح جامعة القاهرة ود. جابر نصار رئيس الجامعة وقتها، وبالتالى هذا الحكم والقرار يمكن تطبيقه بالمدارس على المدرسات - إذا أردنا - بل إن المستشارة بالمحكمة الدستورية تهانى الجبالى رحمها الله أطلعتنا على حكم دستوري ضد ارتداء النقاب فى بعض المصالح والمستشفيات، وقالت إن هذا الحكم يمكن أن يطبق على كافة المؤسسات، وبالتالي فإن عدم مواجهة ارتداء النقاب بالمدارس -وليس غطاء الرأس -أراه عملا لا يفيد العملية التربوية، بجانب توصيفى له بأنه عمل غير قانونى وتحايل حتى على الأوراق الرسمية للدولة، وليس به من الحرية الشخصية؛ لأن حدود الحرية الشخصية تقف عند عدم التأثير على العمل وتربية النشء والحوار معهم؛ وإلا كما قلت نستبدله بجهاز يتكلم .
والمفارقة أننى وجدت أنه وقبل الزيارة للمدارس وبدء الدراسة بيومين فقط خبرا إذا لم تخوننى الذاكرة بجريدة الدستور التى يرأس تحريرها د. محمد الباز، وكان حاضرا للقاء الإعلاميين مع الوزير، ويفيد الخبر ويقول الوزير إن أهم مادة للطلاب هى التربية الدينية، فهل هناك علاقة بين قوله وبين ما شاهدناه عبر صور زيارته من تواجد كبير للنقاب وعدم الالتفات إلى مواجهة ذلك بإجراءات مثلما فى قرارات أخرى كثيرة، ولا أعلم هل يعكس قوله ذلك وبأنه نصيحة فقط أم غير ذلك؟! وإذا ربطنا ذلك بقوله وطلبه أن يتم وضع حصص الدين فى بداية اليوم الدراسى لأهمية مادة الدين القصوى، وأن لها الأولوية كما قال سابقا، والسؤال وماذا عن بقية المواد الرياضيات مثلا أو الفيزياء أو العلوم، فهل أصبحت مواد ليس مكانها الحصص الأولى أو أنها مواد ليست ذات أهمية، ولماذا المقارنة أصلا وأراها قياسا ليس فى محله لأن كل شىء فى حياة الإنسان مهم، مع العلم والتنبيه أن التربية الدينية، وهى المادة الدراسية التى يتحدث عنها الوزير، والتى غيرت بقانون التعليم لتصبح نسبة النجاح بها 70 فى المائة، وتلك أعجب نسبة نجاح مقارنة بالمواد الأخرى؟! ويبدو أن الخلط بينها وبين الدين، ولذلك أطلق عليها علماء التربية والفكر مسمى التربية الدينية، وإضافة التربية قبل كلمة الدينية تعنى أنها مادة دراسية وتربية وليست الدين نفسه؛ لأنها اشتملت على قصص وأخلاقيات وغيره، الفارق بينهما كبير بين التربية وبين الدين نفسه فى المغزى والتطبيق .
لذلك حينما أضع كل الصور والأحداث والكلمات والرسائل بجوار بعضها البعض، فربما أرى أننا أمام مظاهر عدة أطلقت عليها توصيف «الدروشة»، وهى أن نلبس غطاء المدرسة والتعليم بمسحة تدين شكلى، وهى قضية يجب أن نتحدث عنها بشفافية والاستماع لكل الآراء والتحفظات، ولا أحتاج أن أذكّر بأن تيارات الإسلام السياسي فى بدايتها ومنذ الخمسينات كانت تتخذ من المرأة وغطاء الرأس قضيتها المركزية؛ حتى أصبح غطاء الرأس أو الحجاب هو الزى المدرسى وللأغلبية، بل إن مديرة مدرسة ظهرت فى فيديو مؤخرا تنذر الطالبات ومنْ لا ترتدي الحجاب والإسدال الصحيح لا تأتى للمدرسة؟!
وهكذا خلقت التيارات وليست فقط المتأسلمة بل والسلفية حالة «دروشة» عامة فى المجتمع، نقطته المركزية هى المرأة وملابسها ووجهها عورة، ومظاهر أخرى للتدين الشكلى .
المدهش أننى حاولت أن أبحث عن صور لمعلمات بالمدارس الخاصة والدولية بالنقاب بالمدارس فلم أجد؟!