هذه لعبة شاعت فى عصرنا الحديث بعد الحرب العالمية الثانية التى تمخضت عن بزوغ قوتين عظميين فى العالم هما أمريكا والاتحاد السوفييتى، واختار الأمريكيون حصار القطب العالمى الثانى وإضعافه للتخلص منه فيما بعد، كما حدث فى بداية التسعينيات من القرن السابق حينما تم تقويض الاتحاد السوفييتى.
وقد رسم الأمريكيون خطتهم على استخدام الدين فى محاربة الاتحاد السوفييتى، واقتضى ذلك حشد أكبر عدد من الدول العربية والإسلامية ضد السوفييت دفاعًا، كما ادعوا، عن الإسلام المهدد من دولة «الكفر والإلحاد».. وعندما رفضت بعض الدول العربية والإسلامية مشاركة الأمريكيين فى محاربة السوفييت، كان فى طليعتها مصر، سعوا لإسقاط حكامها واستبدالهم بحكام آخرين مطيعين يقبلون بتنفيذ أوامر واشنطن.. وهكذا بدأت لعبة تغيير النظم السياسية من الخارج، والتى ازدهرت فى العقود التالية. وتم التنظير لها فى منطقتنا بفكرة الشرق الأوسط الكبير والجديد.
وفى البداية تصدت المخابرات الأمريكية التى أنشئت فى أواخر أربعينيات القرن الماضى لتنفيذ خطط لعبة تغيير الأنظمة السياسية من الخارج وتمويل المشاركين فى هذه اللعبة.
ولعل أول عمل كلفت به المخابرات المركزية الوليدة فى عام 1948 كان كاشفًا لدورها الذى قامت به بتوسع فيما بعد، فهى قد كلفت بالتدخل فى الانتخابات الإيطالية لدعم الحزب الديمقراطى المسيحى فيها وضمان فوزه بها، ومن أجل ذلك تعاونت تلك المخابرات مع المافيا الإيطالية، كما كشفت ذلك العديد من الكتب والأبحاث والدراسات الأمريكية ذاتها.
ولكن، بعد أن افتضح الأمر، أمر ما كانت تفعله المخابرات الأمريكية، لجأ الأمريكيون إلى استخدام المجتمع المدنى لتمويل ودعم مَن يشاركونها الرغبة فى تغيير بعض الأنظمة السياسية، ولا يمانعون فى تلقى دعم أمريكى، بل يرونه ضروريًا لتحقيق الديمقراطية، ولا يرون أنه نوع من التدخل فى شؤون بلادهم الداخلية، وذلك باعتبار أن الغاية تبرر الوسيلة!
وتحت لافتات تحقيق الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان نشطت بعض منظمات المجتمع المدنى فى تنفيذ لعبة تغيير الأنظمة السياسية من الخارج.. ولم يقتصر دورها فقط على توفير التمويل لجماعات فى الداخل تبغى إجراء تغيير سياسى فى بلادها، وإنما قامت بتدريب مجموعات من الشباب على مواجهة رجال
الشرطة، وعلى إهانة حكامهم لإضعافهم، وعلى تنظيم المظاهرات والاعتصامات الناجحة.
وهذا لا يعنى أن المخابرات الأمريكية وأجهزة المخابرات الغربية قد رفعت أيديها ولم تعد تشارك فى هذه اللعبة، وإنما هى سعت فقط للتخفى وراء ستار المجتمع المدنى.
أما دورها فى اللعبة فقد تزايد واتسع بعد أن صار تغيير الأنظمة السياسية من الخارج نهجًا للإدارة الأمريكية جاهرت به علنًا، كما حدث بعد انتفاضة يناير، فقد سارع الرئيس الأمريكى أوباما بالاتصال تليفونيًا بمبارك ليطالبه بترك الحكم فورًا، والذى أذاع ونشر ذلك هو الإعلام الأمريكى، وبالطبع كان النشر بموافقة الإدارة الأمريكية.
وهذا النهج مستمر وبشكل معلن من وقتها وحتى الآن ولم يتغير، رغم أن ترامب عندما عاد إلى البيت الأبيض قبل نحو عامين قال إنه ليس مهتمًا بأن تنشر أمريكا
الديمقراطية فى بلدان العالم المختلفة ولا بالدفاع عن حقوق الإنسان فيها، وإنما هو
مهتم بإعادة بناء أمريكا عظيمة!.. لكننا وجدناه يقوم بعملية عسكرية خاطفة فى فنزويلا لخطف رئيسها وتنصيب رئيسة جديدة لها، ويخوض حربًا بالاشتراك مع إسرائيل لم تنته بعد لإسقاط النظام الحاكم فى إيران، ولم ينجح حتى الآن، ويهدد بأن يفعل ذات الشىء فى كوبا بعد إيران!
وإذا كان الأمريكيون نهجوا سبيل إسقاط النظم من الخارج، خاصة فى منطقتنا، لتقويض الاتحاد السوفييتى، فهم استمروا فى هذا النهج بعد التخلص من الاتحاد السوفييتى لتدشين النظام الدولى أحادى القطبية الذى فرض على العالم منذ بداية التسعينيات من القرن الماضى، ولمقاومة نظام دولى جديد متعدد الأقطاب يتشكل فى العالم الآن بعد الصعود الاقتصادى بخطى متسارعة للصين وبعدها الهند، وبعد لجوء روسيا، القوة العسكرية، للمحافظة على مكانتها الدولية بعد تآكل الاتحاد السوفييتى.
وخلال هذه الفترة ركز الأمريكيون جهودهم على منطقتنا لتغيير الأنظمة السياسية من الخارج، ولم يقصروا جهودهم على الأدوات السياسية والمخابراتية والمالية فقط، إنما استخدموا الأدوات العسكرية أيضًا كما فعلوا فى العراق وأفغانستان بالغزو والتدخل العسكرى المباشر، أو بنشر قواعد عسكرية فى الخليج، وهى القواعد التى اكتشف أهل الخليج أنها لم تحمهم من صواريخ إيران وطائراتها المسيرة، وسعت فقط لحماية إسرائيل.
ونحن الآن فى مرحلة شديدة الاضطراب عالميًا..
مرحلة تغير النظام الدولى من النظام أحادى القطبية إلى نظام متعدد القطبية، ولذلك أيا كان الحزب الذى سيدير أمريكا فالمتوقع أن يتم التوسع فى لعبة تغيير النظم السياسية من الخارج فى المدى المنظور. وبالنسبة لنا فى مصر، فإن ترامب الذى أعلن جماعة الإخوان فى مصر جماعة إرهابية سيترك البيت الأبيض بعد نحو عامين، وإذا حل محله رئيس ديمقراطى فليس مستبعدًا أن يعود لدعم تولى الإخوان حكم مصر كما حدث فى عهد أوباما الذى أوفد كارتر لهم والتقى بالمرشد ونائبه بالمقطم ليخبرهم بدعم أمريكا لهم وثمن ذلك الذى يتعين أن يدفعوه.