وتأتى هذه التوجيهات فى ظل انتشار واسع لاستخدام الإنترنت بين الأطفال والشباب، وتشير بيانات اليونيسف إلى أن «الأطفال يمثلون نحو ثلث مستخدمى الإنترنت فى العالم، وفى مصر وصل عدد مستخدمى الألعاب الإلكترونية إلى نحو 40 مليون مستخدم فى 2025»، وتكشف دراسات حديثة أن متوسط تعرض الطفل للمحتوى غير المرغوب فيه يبدأ فى سن مبكرة وأن قضاء أكثر من ثلاث ساعات يوميا أمام الشاشات يرتبط باضطرابات النوم والقلق وضعف التركيز، كما أصبحت الألعاب الإلكترونية بوابة لعمليات احتيال وابتزاز إلكترونى، وهو ما يجعل التدخل التشريعى والتوعوى ضرورة لا تحتمل التأجيل.
وقال المهندس محمد إبراهيم، النائب التنفيذى والمتحدث الرسمى باسم الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، إن «الجهاز يعمل بالتعاون مع الجهات المعنية على ترجمة توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى بشأن حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع من خلال مسارين متكاملين؛ الأول يتعلق بتوفير أدوات حماية مباشرة للأسر، والثانى بإلزام المنصات الرقمية نفسها بتطبيق ضوابط أكثر صرامة لحماية الأطفال، ومن أبرز الإجراءات التى اتخذها الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات إطلاق خدمتى «اطمّن» و«اطمّن على الآخر» واللتين تتيحان لأولياء الأمور حماية أبنائهم من المحتوى الضار وغير الملائم، مع إتاحة مستوى إضافى من الحماية من خلال منع الوصول إلى تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعى، وفق اختيار الأسرة».
وأضاف «إبراهيم»، أن «الإجراءات الجديدة تمتد أيضًا إلى داخل منصات التواصل الاجتماعى نفسها من خلال القرار الصادر عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، والذى يلزم المنصات بتطبيق مستويات حماية تتناسب مع عمر المستخدم، بحيث لا تتم إتاحة حسابات شخصية مستقلة للأطفال دون سن 13 عامًا مع تطبيق نمط الاستخدام الآمن بصورة تلقائية وإلزامية على المستخدمين من سن 13 إلى أقل من 15 عامًا، إلى جانب اتخاذ وسائل فعالة للتحقق من العمر والحد من التحايل».
ووجّه «إبراهيم» رسالة إلى أولياء الأمور بضرورة الاستفادة من أدوات الحماية المتاحة ومتابعة استخدام الأبناء للإنترنت والتطبيقات الرقمية، مؤكدًا أن «حماية الأطفال مسئولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمنصات الرقمية، وأن التكنولوجيا تظل أداة مهمة للتعلم والتواصل وتنمية المهارات، لكن الاستفادة الحقيقية منها تتطلب استخدامًا آمنًا ومسئولاً يتناسب مع أعمار الأطفال».
من جهتها، أكدت الدكتورة منى الحديدى، عضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أن «نداء وتوجيهات رئيس الجمهورية الصادرة فى يناير 2026 تمثل تكليفًا مباشرًا لكافة المؤسسات المعنية وفى مقدمتها الجهات التشريعية لسن القوانين والتشريعات المنظمة لعلاقة الأطفال والنشء بمستحدثات العصر»، موضحة أن «هذه التوجيهات تأتى لمواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة مثل منصات التواصل الاجتماعى والهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية وتطبيقات الذكاء الاصطناعى بهدف إعلاء فوائدها للنشء وتقليل مخاطرها اتساقًا مع التوجهات العالمية فى دول متقدمة مثل السويد واليابان وفرنسا، كما أن هذا التوجه السياسى يتكامل مع المبادرة التى أطلقها أعضاء لجنة الإعلام والنشء بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فى 25 سبتمبر 2025».
وأضافت أن «نشر الوعى بالاستخدام المرشّد لهذه التقنيات هو مسئولية جماعية مشتركة تضم الأسرة ومؤسسات التنشئة والتعليم وسائل الإعلام والخطاب الديني»، مشددة فى الوقت ذاته على أهمية دور الخطاب الدينى والتوصيات الأخيرة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فى مواجهة الظواهر السلبية مثل المراهنات الرياضية المنتشرة عبر بعض المواقع والقنوات لما لها من تأثير خطير على الأطفال، ومؤكدة أن «الهدف الأساسى هو بناء شخصية الأجيال الجديدة وتنمية «ثقافة التعامل مع الإنترنت» بحيث تكون التكنولوجيا وسيلة مساعدة للطفل وداعمة لتفكيره وإبداعه الذاتى وليست بديلاً عنهما».
بدوره، تحدث المهندس محمد عزام، خبير التحول الرقمى، عن أن «الفئة العمرية من 7 إلى 17 عامًا تمثل الحلقة الأضعف، لأن الشخصية لا تزال فى طور التكوين والمدارك لم تنضج بصورة كاملة، وهناك ثلاثة حلول تكنولوجية يجرى الاعتماد عليها حاليًا وتتمثل فى (الشرائح الآمنة، التحقق من العمر، وبرامج الحماية الأبوية)، فـ«الشريحة الآمنة» يمكنها منع الوصول إلى محتوى غير ملائم، لكنها تفقد جزءًا كبيرًا من فاعليتها بمجرد انتقال الطفل إلى شبكة واى فاي. أما تقنية «التحقق من العمر»، فما زالت تواجه تحديات تتعلق بالتحايل عليها، وأرى أن برامج الحماية الأبوية يجب النظر إليها باعتبارها أدوات للحماية وليس السيطرة، لا سيما أن المنع وحده قد يدفع الأطفال إلى البحث عن طرق بديلة للوصول إلى المحتوى خصوصًا مع معرفتهم الكبيرة بالأدوات الرقمية واستخدام تقنيات مثل VPN».
«عزام»، أوضح أن «الحل الأكثر استدامة هو الجمع بين التكنولوجيا والوعى وبناء التفكير النقدى لدى الطفل وإيجاد لغة مشتركة بين الأهل والأبناء والاستعانة بالأخ الأكبر فى الأسرة كوسيط للحوار، فالهدف ليس الدخول فى معركة تقنية مع الطفل، وإنما تعليمه كيف يتعامل مع العالم الرقمى، ولماذا يجب أن يبتعد عن بعض محتوياته مع توفير بدائل حقيقية وآمنة.
وأضاف أن «الاعتماد على التكنولوجيا وحدها لن يحقق الحماية الكاملة، فالطفل اليوم أكثر قدرة على تجاوز القيود الرقمية من الأجيال السابقة، لذلك يجب أن تتحول الأسرة من دور الرقيب إلى دور الشريك فى الاستخدام، وذلك عبر الحوار المستمر وتعليم الطفل كيفية التمييز بين المحتوى المفيد والضار، وتشجيعه على الإبلاغ عن أى محتوى يسبب له القلق أو الخوف».
فى حين تحدث المهندس زياد عبدالتواب، الأمين العام المساعد لنظم المعلومات والتحول الرقمى بمجلس الوزراء، عن «التجربة الأسترالية»، موضحًا أن «نموذج القانون الأسترالى هو الأول من نوعه فى العالم للتنبه إلى ضرورة حجب مواقع التواصل الاجتماعى بالكامل للأطفال، وهو الذى دخل حيز التنفيذ فى العاشر من ديسمبر من العام الماضى، وتبعه عدد كبير من الدول التى سنّت قوانين مماثلة أو أصدرت أوامر تنفيذية بالمضمون نفسه، والنموذج الأسترالى يعتمد على عقد اتفاقات ثنائية بين الحكومة الأسترالية، وبين الشركات الكبرى المالكة لتطبيقات التواصل الاجتماعى؛ عددها 10 تطبيقات فى التجربة الأسترالية لتقوم تلك الشركات بالامتثال إلى بنود القانون وحظر الاستخدام للاطفال مع عدم وجود قواعد وتقنيات التحقق من السن وحذف المخالفين».
«عبدالتواب»، أكد أن «التجربة الأسترالية تتحدث عن منصات التواصل الاجتماعى وهى منصات غير موجودة فى أستراليا، بل أغلبها فى الولايات المتحدة الأمريكية، وكذا الحال بالنسبة لمصر، حيث يجب أن يتم التنسيق مع الشركات العالمية، أما فى حالة وجود أى شركة فى مصر تقدم خدمة إلكترونية للأطفال، فإن التنسيق لأخذ تراخيص تسجيل التطبيق، وكذا أيضا بقية التراخيص اللازمة لإنشاء الشركة والاستضافة والبث، يجب أن تخضع لكافة القوانين المصرية، ومنها قانون الطفل، وقانون حماية البيانات الشخصية، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وقانون الإعلام، وغيرها».
أما الدكتور وليد هندى، استشارى الصحة النفسية، فقد حذر من ارتفاع معدلات استخدام الأطفال والشباب للإنترنت ووسائل التواصل والألعاب الإلكترونية، وما يصاحب ذلك من مخاطر مثل الابتزاز والتنمر وتشوه صورة الجسم والقلق والانشغال العقلى المستمر والتراجع الدراسى، لافتًا إلى أن «الاستخدام غير المنظم قد يؤثر فى مهارات التواصل الاجتماعى، خصوصًا عندما يصبح العالم الافتراضى بديلاً عن العلاقات الواقعية والتفاعل الأسري».
«هندى»، لفت كذلك إلى أهمية الانتباه لبعض الظواهر المرتبطة بتداخل العالم الافتراضى مع الواقع، ومنها ما يصفه بـ«التوحد مع الأفاتار»، حيث قد يواجه بعض المستخدمين صعوبة فى الفصل بين التجربة الافتراضية والعالم الحقيقى، خاصة عندما تكون التجربة شديدة الواقعية، أو مصحوبة بمحتوى عنيف أو جنسى أو صادم.
كما أكد أن «العلاج لا يتمثل فى المنع المطلق وإنما فى «التنظيم الرقمي»، بمعنى أن تكون هناك قواعد واضحة ومتفق عليها داخل الأسرة، مثل تحديد أوقات لا يُستخدم فيها الإنترنت وعدم اصطحاب الهاتف إلى مائدة الطعام واحترام اللقاءات العائلية، مع توفير بدائل حقيقية للطفل من الرياضة والكشافة والشطرنج والألعاب التى تعتمد على التفكير إلى زيارة المتاحف والخروج والتنزه، وبشكل عام يمكن القول بأن الدفء الاجتماعى والعلاقات الأسرية الحقيقية يمكن أن يكونا خط دفاع أساسيًا أمام الإفراط فى استخدام الإنترنت».
وشدد «هندى» على أن «العلاج يبدأ من ممارسات الوالدين، فلابد أن يكون الأب والأم قدوة لأبنائهما فى الاستخدام الرشيد للإنترنت، لأن الطفل يتعلم بالمحاكاة والمشاهدة».