التوجه والحضور العُماني في القارة الأفريقية ليس جديدًا على عُمان؛ فالعلاقة العُمانية مع أفريقيا تمتدُّ إلى قرون مضت، نشأت عبر التواصل البحري والتجاري والحضاري، وحملت معها رسائل للتبادل والتعارف والتفاهم، واليوم تعود عُمان إلى أفريقيا بأدوات العصر الحديث من خلال الدبلوماسية والاقتصاد والاستثمار والثقافة والشراكات التنموية، مستندة إلى ذلك الإرث التاريخي، ولكن برؤية تتطلع إلى المستقبل. الاستراتيجية العُمانية المستقبلية في القارة الأفريقية تتمحور، ليس فقط البحث عن فرص استثمارية أو توقيع مذكرات تفاهم، بل بدأت خلال السنوات الأخيرة تأخذ شكلًا أكثر تنوعًا، يمتد من الطاقة والتعدين إلى التمويل والغذاء والثروة السمكية والخدمات اللوجستية. وتكشف التحركات العُمانية في دول مثل بوتسوانا وأنجولا وتنزانيا عن مسارات مختلفة للحضور الاقتصادي؛ وخلف هذه الاستثمارات، يبرز جهاز الاستثمار العُماني بوصفه إحدى الأدوات الرئيسية لتوسيع الاستثمارات الخارجية وتنويعها جغرافيًا وقطاعيًا، إلى جانب شركات ومؤسسات عُمانية تعمل في الطاقة والتعدين والغذاء والتمويل والتصدير، بما يتوافق مع توجهات سلطنة عُمان لتنويع مصادر الدخل والاستثمار ودعم مستهدفات "رؤية عُمان 2040".
وتأتي القارة الأفريقية في تقاطع عدد من المصالح الاقتصادية العُمانية؛ فمن جهة، تبحث سلطنة عُمان عن تنويع جغرافي لاستثماراتها الخارجية، ومن جهة أخرى توفر أفريقيا فرصًا واسعة في قطاعات تحتاج إلى رؤوس الأموال والخبرات، خصوصًا الطاقة والبنية الأساسية والزراعة والتعدين والخدمات اللوجستية .
وكشفت نتائج زيارتَي "دولة" اللتين قام بهما السُّلطان هيثم بن طارق إلى جمهوريتَي بوتسوانا وأنجولا، عن انتقال التوجُّه العُماني نحو القارَّة الإفريقيَّة من استكشاف الفرص إلى تأسيس حضور اقتصادي واستثماري منظَّم، يستند إلى رؤية بعيدة المدى ومصالح متبادلة قابلة للنُّمو؛ فقد منحت الزيارتان العلاقات السياسيَّة زخمًا رفيع المستوى، ووفَّرتا للمؤسَّسات الوطنيَّة مساحةً أوسع للتحرُّك نحو شراكات ومشروعات فعليَّة، مستفيدةً من الإمكانات الطبيعيَّة والاقتصاديَّة التي تمتلكها الدولتان، ومن الخبرات العُمانيَّة المتراكمة في قِطاعات الطاقة والاستثمار وإدارة المشروعات الكبرى.

فجمهورية بوتسوانا تقدم أحد أوضح النماذج على انتقال التعاون الاقتصادي العُماني–الأفريقي من إطار التفاهمات إلى مشاريع بدأت تأخذ شكلًا تنفيذيًا. حيث وقّعت عُمان وبوتسوانا على 9 مذكرات اتفاق وتفاهم على هامش الزيارة، لتعزيز مجالات التّعاون والشّراكة بين البلدين وخدمة مصالحهما المُشتركة .
تتعلّق مذكّرات الاتفاق والتفاهم بعدد من المجالات وهي التّعاون العام، والمشاورات السياسيّة، وإلغاء متطلبات التأشيرة لحملة جوازات السفر الدبلوماسيّة والخاصّة، والخدمات الجويّة، وترويج الاستثمار، وإنشاء شراكة بين سلطنة عُمان وبوتسوانا في الأمن الدّوائي والتّعاون التّنظيمي والإمداد الصيدلاني والاستثمار، والتطوير المشترك لوثيقة الشروط الأساسية للتعاون في التّنقيب التّعديني، وأمن الطّاقة والتّنمية الإقليميّة للطّاقة، ومذكرة تفاهم بين غرفة تجارة وصناعة عُمان و"بزنس" بوتسوانا -والتي تمثل غرفة التجارة ومنظمة أصحاب العمل والجهة الممثلة للأعمال في بوتسوانا. وكانت سلطنة عُمان وبوتسوانا ، قد وضعت إطارًا موسعًا للتعاون في قطاع الطاقة، في نوفمبر 2025، يستهدف تطوير مشروعات تصل قدرتها الإجمالية إلى 3 جيجاواط، إضافة إلى إقامة منشأة لتخزين النفط الخام على الساحل في ميناء “والفيس باي” الناميبي، بما يضمن تأمين الإمدادات النفطية وتلبية الاحتياجات المحلية والإقليمية. إلى جانب ذلك، تضمنت التفاهمات بناء محطة تخزين داخلية في منطقة “تشيلي هيلز”، لتعزيز شبكة التوزيع الوطنية وضمان استقرار الإمدادات، فضلا عن وضع إطار للتعاون في استكشاف وتطوير المعادن.
وفي منتصف أبريل 2026، اتسع نطاق التعاون خلال زيارة رئيس بوتسوانا إلى سلطنة عُمان، التي وقع أثنائها مجموعة من الاتفاقيات شملت استكشاف المعادن، وتطوير وتشغيل مرافق لتخزين المنتجات النفطية، وتطوير وإنشاء وتمويل محطة للطاقة الشمسية. وبعد ثلاثة أيام فقط من التوقيع، أقيمت في مدينة ماون مراسم وضع حجر الأساس لمشروع محطة طاقة شمسية كهروضوئية باستطاعة 500 ميجاواط، مدعومة بنظام لتخزين الطاقة بالبطاريات بقدرة مماثلة. ويُنفذ المشروع عبر شركة “أو-جرين”، التابعة لجهاز الاستثمار العُماني، بالتعاون مع مؤسسة بوتسوانا للطاقة، ويستهدف مضاعفة القدرة التوليدية الحالية لبوتسوانا .

ولعلَّ أبرز ما يميِّز نتائج الزيارتين هو اعتماد الطاقة منصَّةً متكاملةً لبناء الشراكة، عوضًا عن التعامل معها من خلال فرص منفصلة أو استثمارات محدودة الأثر؛ فمجالات التعاون المطروحة مع أنجولا تمتدُّ من الاستكشاف والإنتاج والغاز الطبيعي المسال إلى التكرير والبتروكيماويَّات والأسمدة والمتاجرة بالمنتجات النفطيَّة، بما يغطِّي مختلف مراحل سلسلة القِيمة.
ويتيح هذا التكامل توظيف الإمكانات التي تمتلكها أنجولا مع الخبرات الفنيَّة والتنفيذيَّة والتجاريَّة لمجموعة أوكيو، وتحويل الموارد إلى صناعات ومنتجات ذات قِيمة مضافة أعلى. كما تفتح دراسة الاستفادة من الغاز الطبيعي في إنتاج الأمونيا والمواد البتروكيماويَّة مجالًا لبناء قاعدة صناعيَّة مشتركة، تجعل التعاون أكثر قدرةً على توليد العوائد، ونقل المعرفة، وبناء القدرات، وخلق فرص العملض .
إنَّ مشروع تطوير الطاقة المُتجدِّدة في أنجولا بقدرة إجماليَّة تصل إلى نحو (500) ميجاواط، مصحوبًا بنظام لتخزين الطاقة بالبطاريَّات، ومذكرة التعاون التي وقَّعتها شركة «أو جرين» في مجال أمن الطاقة في بوتسوانا، يعكسان بُعدًا أكثر تقدُّمًا في الحضور العُماني بإفريقيا؛ فالاستثمارات المقترحة تجمع بين تلبية الاحتياجات المتزايدة للكهرباء ودعم التحوُّل نحو الطاقة النظيفة، وتمنح الخبرة العُمانيَّة دَوْرًا مباشرًا في معالجة تحدِّيات تنمويَّة حقيقيَّة. كما أنَّ تمرير الطاقة المنتجة من مشروعات بوتسوانا إلى الدول المحيطة بها يوسِّع نطاق التأثير من السوق المحليَّة إلى الإقليم، ويمنح الاستثمار بُعدًا استراتيجيًّا يتصل بتكامل أسواق الطاقة في جنوب القارَّة، ويفتح أمام الشركات والمؤسَّسات العُمانيَّة شبكةً أوسع من الشراكات والفرص.
إنَّ القِيمة الحقيقيَّة لهذه النتائج ستتحدَّد بقدرة الأطراف على تحويل مذكرات التعاون إلى مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ، من خلال دراسات جدوى دقيقة، ونماذج استثمار واضحة، وجداول زمنيَّة مُحدَّدة، وآليَّات فاعلة لمتابعة الإنجاز. ويتطلب ذلك تنسيقًا متواصلًا بين المؤسَّسات الحكوميَّة والاستثماريَّة، وإشراك الشركات العُمانيَّة في أعمال الهندسة والتوريد والتشغيل والخدمات المساندة، حتى ينعكسَ التَّوسُّع الخارجي على الاقتصاد الوطني وسلاسل القِيمة المحليَّة .
وعندما يقترن الزخم السياسي بكفاءة التنفيذ والانضباط التجاري، تصبح زيارتا بوتسوانا وأنجولا نقطة تأسيس لحضور عُماني مستدام في إفريقيا، قادر على تحقيق العائد الاقتصادي، ودعم أمن الطاقة، وبناء شراكات تضع اسم سلطنة عُمان وخبراتها في قلب التحوُّلات التنمويَّة التي تشهدها القارَّة.
ولعلَّ القِيمة الاستراتيجيَّة الأبرز لهذه الشَّراكة تكمن في عناصر التَّكامل التي تجمع الاقتصادَيْنِ العُماني والأنجولي؛ فأنجولا تمتلك موارد واسعة في النِّفط والغاز والمعادن والزِّراعة ومصايد الأسماك، فيما تمتلك سلطنة عُمان خبرات متراكمة في تطوير الموانئ والمناطق الاقتصاديَّة والصِّناعات التَّحويليَّة والخدمات اللوجستيَّة والاستثمار وإدارة المشروعات الكبرى .
ومن شأن الجمع بين الموارد الأنجوليَّة والإمكانات العُمانيَّة أنْ ينقلَ التَّعاون من نطاق تصدير المواد واستيراد المنتجات إلى تأسيس سلاسل إنتاج مشتركة ترفع الِقيمة المضافة، وتدعم توطين الصِّناعات، وتفتح فرصًا أمام الشَّركات الوطنيَّة، وتُسهمُ في توفير الوظائف وبناء القدرات. وتنسجم تلك المعادلة مع توجُّه البلدَيْنِ نحو تنويع مصادر الدَّخل وتقليل الاعتماد على القِطاعات التقليديَّة، بما يجعل الشَّراكة أداةً لخدمة أهداف التَّنمية الوطنيَّة لدى الجانبيْنِ.
فضلاً عن أن افتتاح "البنك الإفريقي العُماني" في لواندا، ودخول الشَّركات العُمانيَّة في استثمارات مناجم المعادن بأنجولا، يُمثِّلان خطواتٍ تنفيذيَّة تحمل دلالة تتجاوز حدود المشروعات القائمة؛ إذ يمهِّدان لبناء حضور اقتصادي عُماني أوسع في القارَّة الإفريقيَّة. فأنجولا بما تمتلكه من موارد وموقع جغرافي وإمكانات واعدة تستطيع أنْ تُشكِّلَ منصَّةً للاستثمارات العُمانيَّة في غرب القارَّة وجنوبها، فيما تمنح الموانئ العُمانيَّة وشبكاتها البحريَّة واللوجستيَّة المنتجات والموارد الإفريقيَّة بوَّابةً فاعلة إلى أسواق الخليج وآسيا .
ومن هنا تبرز أهميَّة تطوير الرَّبط البحري والجوِّي، وتسهيل حركة رؤوس الأموال ورجال الأعمال، وتحفيز القِطاع الخاصِّ على تأسيس مشروعات مشتركة، حتى تتحولَ العلاقة الثنائيَّة إلى ممرٍّ اقتصادي يصل بين الأسواق الإفريقيَّة والموقع العُماني المتقدِّم على طُرق التِّجارة الدّوليَّة.
إنَّ نجاح هذه الانطلاقة يرتبط بقدرة المؤسَّسات المعنيَّة في البلدَيْنِ على تحويل الاتفاقيَّات إلى برامج تنفيذيَّة مُحدَّدة، ترتبط بجداول زمنيَّة وآليَّات متابعة ومؤشِّرات تقيس حجم الاستثمار والتِّجارة، وفرص العمل، والقِيمة المحليَّة المضافة، خصوصًا أنَّ التَّبادل التِّجاري القائم لا يعكس حتى الآن عُمق الشَّراكة ولا حجم الإمكانات المتاحة. كما يُضيف برنامج التَّعاون الفنِّي بُعدًا معرفيًّا وإنسانيًّا مُهمًّا، من خلال تبادُل الخبرات وبناء القدرات وتوسيع الرَّوابط بين الشَّعبين. وقد وضعتِ الزِّيارة الأساسَ السياسي والاقتصادي اللازم، لِتنتقلَ المسؤوليَّة إلى الجهات التنفيذيَّة ومؤسَّسات القِطاع الخاصِّ كي تبنيَ فوقه مشروعات مستدامة، وتجعل من الشَّراكة العُمانيَّة الأنجوليَّة نموذجًا للتَّعاون الدّولي القائم على المصالح المتوازنة والمنافع الملموسة والتَّنمية المشتركة. .