رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

عفوا..... لقد نفد رصيدكم


18-9-2026 | 14:33

.

طباعة
بقلم: فاتن فريد

يلح على الكتابة في هذا الموضوع منذ فترة طويلة وكثيرا ما أرجأته حتى شعرت بأن الأمر زاد عن حده لدرجة الاستفزاز، فكلما تلفت حولي هنا أو هناك في أحد المجتمعات أجد أما أو أكثر في شجار مع طفلها حول أمر ما ويأخذني الفضول للمتابعة فلا أجد سوي طفل، وربما مراهق كبير، راغبا في شئ ومتشبثا برأيه وأما أو أبا منكسرا لا يقوي على الرفض ويرتفع الصوت في جدال بين طفل متعلق وأب أو أم غير قادرين، لم تكن حالة فردية ظهرت أمامي فجأة بل وجدت الأمر منتشرا بصورة كبيرة تكاد تقترب من الظاهرة؛ ظاهرة عدم الرضا خاصة بين الصغار، يطل علينا جيل كامل من الأطفال والشباب لا يعرفون الرضا والقناعة ولا تسيطر عليهم سوي شهوة الامتلاك والاستحقاقية لكل شئ دون دراسة أو مراعاة لظروف أو ترتيب أولويات. عايزة أو عايز هى الكلمة التي أصبحت تترد على ألسنة أولادنا، يريدون ما يتوافق مع امكانياتنا وما لا يتوافق، ما يتناسب مع أعمارهم وما لا يتناسب، يريدون طول الوقت ويتذمرون فقط ويشعرون أن ذلك واجبا على الأهل دائما أن تلبي مطالبهم دون قيد أو شرط، دون حتى أن يدفعوا مقابل ما أخذوا.

أذكر دائما أننا كنا نحصل على الهدايا المعقولة والمناسبة لظروفنا وسننا دون ضغط على آبائنا وكنا دائما ندفع في مقابلها، ندفع وعودا بالالتزام في صلاتنا أو انهاء واجباتنا المدرسية أو مساعدة أمهاتنا في شئون المنزل، وكنا دائما في الأغلب ما نفي بوعودنا ونتلقي مكافآت بسيطة وجميلة أو حتى كلمة شكر وامتنان من أهالينا راضيين هانئين برضاهم عنا بل كنا نكاد نطير فرحا عندما يعلو صوتهم بالدعاء لنا وكأننا امتلكنا ثروات وثروات، فأين ذهب ذلك الآن يا سادة؟ أين ذهب الرضا والقناعة بالمتاح؟ أين ذهب الاحساس بالأهل وتقدير جهودهم ومراعاة مشاعرهم فيما لا يستطيعون تقديمه؟!!! تربينا في زمن لم يكن أحدنا يجرؤ أن يرتفع صوته أو أن يظل جالسا عند دخول الكبير إلى المكان، ولو كان غريبا، لم نكن نطلب ما يقدم في وجباتنا إلا أحيانا في المناسبات، وكنا دائما نأكل ونلتهم المتاح في سعادة ورضا، والآن الأم تسأل كل فرد وتعد الأصناف الكثيرة والمتعددة لارضاء جميع الأذواق، ثم تقابل بالرفض وعدم الرضا، فذلك لا يبدو شهيا بما يكفي وذلك ليس كطعام المطاعم، ثم يبدأ الشجار لاحضار أكل جاهز ويرتفع الصوت وربما التهديد بالنوم بلا طعام لتنهزم الأم كالعادة في معركة الاستحقاقية.


قائمة طويلة من المغريات يا سادة تحيط بأولادنا، سفريات لأماكن مختلفة وجديدة، ملابس من ماركات محددة، طعام من مطاعم عالمية، أجهزة الكترونية، اكسسوارات، 
والنتيجة أسرة عائلها منسحق لتلبية طلبات الأبناء، التي لا هدف لها ولا أهمية ولا مبرر سوي عدم الرضا وانعدام التقدير، جيلا كاملا يمشي مختالا وقد حصل على الايفون البرتقالي، وهو يري أن ذلك أبسط حقوقه، دون أن يتوقف ليسأل كيف أحضره الأب؟ ما المقابل الذي دفعه من ضغط وعبء زائد وربما حرمان لنفسه من أمر ضروري، جيلا لا يعترف بالعطاء ولا يعرف معنا سوي الأخذ والامتلاك، دون اعتبار لحقوق الغير، حتى الأبوين، وقدراتهم وامكانياتهم.


 أكاد أنفجر غيظا عندما أسمع أن احدي الأمهات الصديقات قد دخلت جمعية فقط لكي تستطيع أن تدبر لابنتها فستان حفل تخرجها بالاضافة إلى نفقات الكوافير والميكب أرتيست، وإنه لرقم لو تعلمون عظيم. أذكر أنه كانت الأم توفر القرش ربما لظروف مرضية طارئة أو لجهاز عروسة أو تغيير شئ من أثاث المنزل للضرورة.


أي جيل ذلك يا سيادة الذي يرحب بسماحة نفس أن يحصل على أحدث ماركات التليفونات والتيشيرتات على أنقاض روح وأعصاب الأب والأم؟ أي تربية تلك التي ننشئ عليها أولادنا ونقتل فيهم الاحساس بالآخر والعمل من أجل الحصول على  امتياز ما بل والاحساس بنا نحن شخصيا، لم نعد نسمع إلا مقارنات بين ما يملكونه وما يملكه الآخرون.


نحن أمام كارثة حقيقية نصنعها بأيدينا دون أن ندري، أصبح أكثرنا عبيدا لأبنائهم متصورين أن ذلك هو واجبهم بالفعل، لم نعد نسأل هل أديت فروضك كاملة؟ هل اجتهدت في دراستك اليوم؟ هل ساعدت والدتك أو أخيك الصغير في أمر ما؟ هل زرت أجدادك لإيناسهم ومراعاة طلباتهم؟ لم نعد نجلس لنتحدث معهم عن فرق الطبقات وسنة الله وحكمته في ذلك؟ نسينا أن نلقنهم، كما لقنا، مفاهيم الرضا بما قسمه الله وأن كل ابن آدم مبتلي، وأقل الابتلاء هو في رزق المال، ولا يسعنا إلا العمل والسعي في هدوء واحتساب وصبر وأنه لا يحصل الانسان على شئ دون مقابل، فالحياة لا تعطي الكسالي ولا المتواكلين، فإذا رغب في الحصول على منحة أو امتياز ما، فيجب عليه العمل وبذل الجهد، وأن خليفة المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب قد عاب على جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن اشتري لحما اشتهاه قائلا "أو كلما اشتهيت اشتريت" فى إشارة إلى أن الانسان لم يخلق أبدا ليطلق لرغباته العنان في كل شئ. 


أين قيم الزهد وعدم الاسراف؟ أين عدم التطلع لما في غير أيادينا وأن الرضا بالمقسوم عبادة قلبية يثاب عليها ابن آدم؟ أين القبلة التي كنا نطبعها على أيدي أهالينا في فخر واعتراف بالجميل؟
أكاد أجزم أنه لم يعد أحدنا يسمع مقولة "القناعة كنز لا يفني" والتي لم نكن نلتفت حولنا إلا ونجدها على جدران مدارسنا أو أغلفة كراساتنا أو واجهات المحلات. اختفت هذه القيمة وحل محلها قائمة طلبات لا تنتهي وأهالي تدور في حلقة لا تنتهي لاشباع رغبات استهلاكية تتوحش يوما بعد يوم.


لماذا نندهش الآن عندما نري أولادنا وقد ارتفعت أصواتهم علينا مطالبين بما لا نطيقه؟ نحن من جنينا عليهم وبخسناهم حقهم في تربية سليمة وصحية قبل حقهم في البضائع الاستهلاكية، لماذا نحزن عندما نسمع أن أولادا قد ألقوا بأحد آبائهم في دار للمسنين دون رعاية أو اهتمام أو حتى سؤال، عفوا لقد نفد رصيدكم، توقفت الماكينة عن العطاء.

    كلمات البحث
  • نفذ
  • رصيدكم
  • شجار
  • طفل
  • جدال
  • المصور

أخبار الساعة

الاكثر قراءة