عقود من الزمن مرت، والكل ينظر إليها كقرية شعبية ارتبط اسمها بالخيل والجِمال والبازارات، تقبع عند أقدام أبى الهول وظل أهرامات ملوك الدولة القديمة، واجهت خلالها اتهامات بالتنقيب خلسة وسرقة الآثار، واعتبرها البعض البوابة الشعبية للبيع غير المشروع، لكنها اليوم تقف على أعتاب فصل جديد، لتنفض العشوائية وتدافع عن نفسها وتغسل يدها من الاتهامات المجحفة، فرصة ذهبية تمنحها الدولة المصرية لمنطقة نزلة السمان لإحيائها وتحويلها إلى وجهة سياحية وثقافية عالمية تتكامل مع هضبة الأهرامات والمتحف المصرى الكبير، دون أن تفقد هويتها أو تستبعد مجتمعها وناسها من المشهد الحضارى الجديد.
فى قلب هضبة الجيزة الملكية، وعلى بعد أمتار معدودة من أبى الهول وأهرامات الدولة القديمة، ترقد منطقة نزلة السمان كظهير شرقى لأحد أقدم وأهم المواقع الأثرية فى العالم. ارتبط اسمها عبر التاريخ بطبيعة المكان القديم، فى الماضى، كانت مياه فيضان النيل تغمر المنطقة بأكملها حتى تصل إلى أقدام أبى الهول، ومع انحسار الفيضان، تتحول إلى أرض خصبة تتجمع فيها أسراب من طيور السمان المهاجرة بحثًا عن الغذاء، ومع بناء خزان أسوان وانحسار مياه الفيضان، تحولت أرض البركة القديمة إلى مكان استقر فيه البشر بعدما نزلوا من أعلى الهضبة، فحملت اسم «نزلة السمان»، لتصبح المنطقة التى يراها الزائر وكأنها راقدة عند أقدام أبى الهول، وتطل عليه من قريب بشكل غير عادى، وتصبح عبر تلك السنوات جزءًا من ذاكرة المكان التى شهدت كل التحولات التى طرأت عليها من بعدها.
اليوم، لم تعد مجرد حى شعبى تابع لمحافظة الجيزة، بل أصبحت امتدادًا عمرانيًا ووظيفيًا قديمًا للمقصد الأثرى الأهم فى مصر، بعدما ظلت لعقود تؤدى دور القرية الخدمية الشعبية التى توفر لزوار هضبة الأهرامات الخيل والجمال والبازارات والمطاعم والمقاهى، إلى جانب أبنائها من المرشدين الذين يتقنون لغات العالم بطلاقة، أى أن هذا الحى السكنى الصغير أصبح بمرور الوقت منطقة خدمية متكاملة ارتبطت منذ نشأتها بالحركة السياحية المترددة على منطقة أهرامات الجيزة بأكملها، وهو الموقع والدور الذى منحها خصوصية استثنائية، نظرًا للتماس غير العادى بينها وبين المنطقة الأثرية والمتحف المصرى الكبير.
خاصة أن أهمية نزلة السمان تمتد لما تختزنه الأرض نفسها من قيمة أثرية، فهى واحدة من أهم المناطق المرتبطة مباشرة بأهرامات الجيزة، وتقع فوق طبقات أثرية لا تزال غير مكتشفة بعد، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال وجود اكتشافات أثرية جديدة فى المستقبل القريب.
ولهذه الأسباب، تقف نزلة السمان أمام مرحلة جديدة من تاريخها، بعدما عانت المنطقة من نقص فى شبكات البنية الأساسية والخدمات، وظلت تواجه مخاطر الإزالة لسنوات طويلة، ووقف أهالى نزلة السمان ضد كل محاولات التطوير، متمسكين بموقعهم لأنه مصدر رزق رئيسى، وأصبح جزءًا من هويتهم وذاكرة لأجيال متعاقبة.
اليوم، تغيرت النظرة الرسمية لمنطقة نزلة السمان ككل، وباتت فكرة الإزالة مستبعدة، ولعل التحول الأكبر جاء بعد رغبة الدولة فى إعادة إحيائها وتطويرها باعتبارها جزءًا من منظومة سياحية وثقافية متكاملة حول الأهرامات والمتحف المصرى الكبير، خاصة أن الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، قام بزيارتها أكثر من مرة، والتقى خلالها بأهالى المنطقة وناقش معهم الرؤية الجديدة، حيث أعلنت الحكومة بشكل رسمى عن المخطط السياحى المتكامل الذى يستهدف تحويل المنطقة المحيطة بالأهرامات ونزلة السمان إلى قرية سياحية عالمية المستوى، لتصبح مقصدًا فريدًا يتناغم مع المتحف المصرى الكبير.
مشروع التنمية المنتظر سيحقق المعادلة الصعبة بين حماية التراث، والتنمية السياحية، والاستقرار الاجتماعى، وذلك عن طريق إعادة صياغة العلاقة بين الموقع الأثرى والمجتمع القائم، ليكون أبناؤه شركاء أساسيين فى تغيير ملامح المنطقة بأكملها بشكل غير مسبوق، من خلال ترميم وإعادة إحياء المبانى التاريخية، والحفاظ على الهوية البصرية والطابع الأثرى للمنطقة، إلى جانب توفير خدمات سياحية وفندقية بمعايير دولية تمزج بين التراث الأصيل والتطبيقات التكنولوجية الحديثة، وتحديث البنية التحتية والمحاور المرورية بما يضمن تجربة آمنة واستثنائية للزائرين.
المميز فى المشروع أن أهالى نزلة السمان باتوا جزءًا من الحل وليسوا عقبة أمام عمليات التطوير، حيث شدد مجلس الوزراء على أهمية تنفيذ خطة التطوير بالتنسيق الكامل مع الأهالى، على اعتبار أنهم شريك أساسى فى التنمية، بشكل يحقق التوازن بين حماية الأثر، والتنمية السياحية، والاستقرار الاجتماعي.
«بعد جديد لتجربة السائح وإضافة قوية للسياحة المصرية بوجه عام، وللسياحة الثقافية على وجه الخصوص»، هكذا وصف حسام الشاعر، رئيس مجلس إدارة الاتحاد المصرى للغرف السياحية، مشروع إعادة إحياء نزلة السمان، مؤكدًا أنه أحد أهم المشروعات القومية الجارى تنفيذها لصالح صناعة السياحة المصرية والعاملين بها، ويمثل نقلة نوعية فى التعامل مع المجتمع المحلى وإشراكه فى جهود التنمية والتطوير السياحى، وتحويل الفولكلور والثقافة المصرية إلى جزء أصيل من المنتج السياحى، بما يزيد من ثراء وتنوع هذا المنتج.
يرى رئيس اتحاد الغرف السياحية أن تطوير نزلة السمان لن يقتصر أثره على تحسين الصورة البصرية والخدمات فى المنطقة، وإنما سيمتد إلى دعم الحركة السياحية نفسها، حيث يأتى فى إطار رؤية حكومية شاملة للارتقاء بالخدمات السياحية والفندقية، وتوفير بنية تحتية عصرية تليق بمكانة مصر التاريخية، بما يسهم فى تعظيم الاستفادة من المقومات الفريدة للمنطقة وجذب المزيد من حركة السياحة العالمية والمحلية، وذلك من خلال زيادة عدد الليالى السياحية فى القاهرة بشكل عام، ومنطقة الأهرامات على وجه الخصوص، كما أن المشروع يساهم فى زيادة عدد الغرف القائمة بالفعل، إلى جانب الطاقة الفندقية الحالية، بما يلبى حاجة صناعة السياحة إلى طاقة فندقية جديدة فى مناطق ذات أهمية كبيرة لجذب السائحين. يمثل المشروع تحولًا كبيرًا فى فلسفة التطوير، حيث ينطلق من رؤية المجتمع المحلى باعتباره عنصرًا أساسيًا فى المشهد السياحى، وشريكًا فى التجربة التى يسعى السائح إلى اكتشافها، حيث يتضمن الإطار التخطيطى إقامة منظومة متكاملة للنقل والحركة، وأنشطة للضيافة، وأسواقًا ومطاعم، وساحات للزوار، ومناطق للسكن، وحرفًا وأنشطة محلية وثقافية، إلى جانب الخدمات المجتمعية والمدارس والمراكز الصحية.
كما يشمل مسارات للمشاة والدراجات، وفنادق وبيوت ضيافة محلية، وتجارب سياحية مجتمعية تسمح للزائر بالاقتراب من نمط الحياة المحلى بدلًا من المرور بالمنطقة مرورًا عابرًا، إلى جانب تخصيص ساحات عامة مفتوحة للاحتفالات والعروض الفنية، ومجمع حرفى يضم ورشًا للإنتاج وقاعات للتدريب ومنافذ للبيع، بما يتيح للزائر معايشة أسلوب حياة المجتمع المحلى والتعرف على حرف المنطقة وثقافتها وفولكلورها.
ولا يغفل المخطط البعد البيئى والاستدامة، على اعتبار أنهما عنصران أساسيان فى أى مشروع سياحى حديث، حيث تشمل مشروعات البيئة والاستدامة إدارة النفايات وإعادة التدوير المجتمعى، وبرنامجًا للتشجير وإنشاء الممرات الخضراء، إلى جانب توظيف الطاقة الشمسية فى تشغيل المرافق.
كما أن جهود التنفيذ تتم من خلال تنسيق وشراكة متكاملة بين وزارات الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، والسياحة والآثار، ومحافظة الجيزة، والوزارات والجهات المعنية، إلى جانب أهالى المنطقة والجمعيات الأهلية والقطاع الخاص والجهات الأكاديمية والاستشارية.
ربما يكون أهم ما فى مشروع إعادة إحياء نزلة السمان أنه يعيد تعريف العلاقة بين المكان والأثر والإنسان، فالمكان الذى ظل لسنوات طويلة معروفًا بوصفه منطقة شعبية ملاصقة للأهرامات، ومصدرًا للخيل والجمال والمرشدين والبازارات، يمكن أن يتحول إلى عنصر مستقل داخل التجربة السياحية نفسها.
ويحمل التحول فرصة لإعادة توظيف تراث الخيالة والرماية، والحرف المحلية، والفنون والعروض الشعبية، والأنشطة المجتمعية، والأهم هو القدرة على تحويلها إلى منتجات سياحية وثقافية ذات قيمة، يمكن لها أن تطيل مدة إقامة السائح وتضيف إلى زيارته للأهرامات والمتحف المصرى الكبير أبعادًا إنسانية مختلفة عن التحول وسط المناطق الأثرية فقط. وبالتالى، من المنتظر أن تنتقل منطقة نزلة السمان تدريجيًا من خانة «العشوائية الواجب إزالتها» إلى مفهوم «إعادة الإحياء والتنمية والمشاركة المجتمعية»، حتى يأتى اليوم الذى نراها فيه قرية سياحية ثقافية عالمية المستوى، يقع المجتمع المحلى فى قلب المشهد بدلًا من أن يكون خارجه.
كما يكمن التحدى الحقيقى فى الحفاظ على روح المكان أثناء تطويره، فالقيمة التى تمتلكها نزلة السمان تكمن بين أفراد مجتمعها، وفى مهن وحرف وفنون وعادات تشكلت عبر أجيال.
ومن المأمول أن يتحول مشروع إعادة إحياء نزلة السمان إلى نموذج يمكن اتباعه بشكل أكثر اتساعًا، يضع معايير التعامل مع المناطق الواقعة فى محيط المواقع التراثية الكبرى، عن طريق تحويل التراث إلى موارد للتنمية، والاعتماد على المجتمع كشريك، من أجل توفير تجربة سياحية وثقافية أكثر ثراءً واستدامة داخل مختلف المواقع الأثرية فى مصر.