رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

رواية بريجيت جيرو.. ترويض الجنون لجعله مقبولاً


17-9-2026 | 23:52

.

طباعة
حوار: ستيفان ديشين ترجمة وتقديم: ابتهال الشايب

حازت رواية «العيش سريعًا» للكاتبة الفرنسية بريجيت جيرو على جائزة جونكور لعام 2022، وهي الرواية التي صدرت في العام نفسه عن دار نشر «فلاماريون». وُلدت جيرو في سيدي بلعباس بالجزائر، وتُعدّ من أهم الأصوات الأدبية البارزة في المشهد الثقافي الفرنسي الحالي. لها أعمال روائية أخرى مثل: رواية «يوم الشجاعة»، و«أتعلّم»، و«ذئب للإنسان»، و«عام غريب»، وغيرها من الأعمال.

يقول الكاتب الصحفي الفرنسي ستيفان ديشين عن الحوار التالي الذي أجراه معها، إنه أراد أن يبحث عن الظروف التي قادتها لكتابة هذه الرواية، خاصة أنه يرى أن هذه الرواية حِداد مستحيل، وجنون يغوي القارئ؛ حيث عادت جيرو بذاكرتها إلى حادث الدراجة النارية الذي أنهى حياة رفيقها «كلود» في يونيو 1999، وجاءت الرواية لترسم صورة رجل وحباً لن ينطفئ.

- كتبتِ لأول مرة عن حادث رفيقكِ «كلود» في رواية «في الوقت الحاضر» عام 2001، فلماذا عدتِ مرة أخرى للكتابة عنه في رواية «العيش سريعًا»؟ وما الفرق بين الكتابين؟

هما مختلفان تمامًا؛ تتناول رواية «في الوقت الحاضر» الصدمة والكارثة، تحديدًا منذ اللحظة التي علمتُ فيها بالحادث حتى لحظة دفنه، بعد ذلك شعرتُ أن هناك شيئًا ناقصًا لم أفعله، كان بداخلي شيء يقول: «ماذا عن كلود؟». لم أستطع تقبل أنه اختفى هكذا ببساطة دون أثر. بعد الموت يكرّم الناس المشاهير، وينسون الأشخاص العاديين، في الوقت نفسه، يُفرض علينا ألا نظهر حزننا بسبب الفقد والألم، وليس علينا سوى نسيان الأمر واستكمال الحياة، بمرور الوقت، شعرتُ أنه يجب أن أخبر العالم بأن هذا الرجل كان موجودًا، وأن هذه قصته، وأن أذكر أيضًا أنه على الرغم من أننا في نهاية القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين، ما زلنا نعاني من جنون الليبرالية، مثل الدراجة النارية التي لم تُخصص إلا للتصدير، ونعاني من ضغطها العنيف للغاية، فنحن لا نملك سلطة مطلقة على وجودنا. أردتُ تناول فكرة الحداد على شخص عادي. كذلك تتيح الكتابة لي خلق معانٍ للأشياء من اللامعنى، على سبيل المثال: «انزلقتُ على قشرة موز، فجعلتُ سرعة الدراجة النارية تزداد، وهي ليست ملكي، وربما لم يكن عليّ أن أستقلها»؛ هذا الأمر لا يمتلك معنى، لكن الكتابة تخلق المعنى منه.

- هل استدعى الحديث عن كلود وشخصيته داخل الرواية ضرورة الحديث عن الحادث؟

هذا سؤال ممتاز؛ لأنني استطعت أن أختار رسم صورة لذلك الرجل في طفولته، من خلال ما أعرفه عنه: فترة مراهقته، والحياة في الجزائر، واهتمامه بالموسيقى. لكن كانت هناك أمور لا أعرفها عن ظروف الحادث، مثل إرادة كلود ورغبته، بالإضافة إلى مساحة الغموض التي يحتفظ بها، وهذه هي الأشياء التي تهمني. أرى أنه من الرائع في العلاقات أن الطرف الآخر يحافظ دائمًا على ذلك الجزء غير المعروف عنه، والذي يجعلنا لا نستطيع أن نفهم لماذا يتصرف بتلك الطريقة؛ يظل هذا سؤالاً لم تتم الإجابة عنه، كان يوم الحادث يعد لغزًا بالنسبة لي، لكنني واجهته، وشعرت بالخوف من أن يكون من غير المناسب حقًا أن أجرؤ على الخوض فيه ومعرفة تفاصيله، كنتُ شاهدة على الجزء المتبقي منه بشكل موضوعي، فقد أخبرني بعض الأشخاص بكمّ كبير من الأدلة، بالإضافة إلى معرفة المواعيد وبعض الأشياء المنطقية، ثم يتبقى عنصر الغموض الذي ذكرته، وكان يجب محاولة معالجته.

- توجد في الرواية فكرة شرح الأشياء غير القابلة للتفسير، فهل هذا ضروري، خاصة أن الكثير من الأحداث تشبه أحجار الدومينو، وتدور في الوقت نفسه؟

نعم، جميعنا يعلم أنه عندما لا يحدث أي شيء كارثي، لا أحد يفكر أو يتساءل، ونستمر في الحياة هكذا دون معرفة شيء. أعتقد أن العقل البشري يعيش دون أن يفهم مكانه في الكون، ومن أين جاء. ثم يأتي سؤال المعنى المرتبط بسؤال المنطق، وعند غياب المنطق، يرتبط سؤال المعنى بالجنون. الكتابة هي وسيلة لوضع إطار لاحتواء هذا العقل الذي يمتلك بعض الوساوس، ولا يستطيع التوقف عن التساؤل، ويبحث دائمًا عن أجوبة؛ وبالنسبة لي كنت أبحث عن سبب الحادث. كان من الممكن أن تكون رواية «العيش سريعًا» مكونة من 3000 صفحة، وكان بإمكاني أن أستمر في كتابتها حتى آخر يوم في حياتي. هذه الرواية هي تنظيم للجنون لجعله مقبولاً، بالإضافة إلى قصص استحضار اللحظات الصعبة التي عشتها أثناء فترة الحادث، ليصبح الأمر أشبه بهذيان تام. اختيار الكلمات وجمعها معًا، يجعل وجود الأشياء مختلفًا.

- في أسلوبكِ أشياء تشبه أسلوب هيتشكوك، مثل فكرة العد التنازلي، ونظرية القنبلة أسفل المنضدة، والفرق بين المفاجأة والتشويق؟

بالضبط، في رواية «يوم الشجاعة» على سبيل المثال، نعلم منذ الصفحة الأولى أن الشاب المراهق قد اختفى، وسيحاول الكتاب أن يخبر القارئ بذلك من خلال السياق. في رواية «العيش سريعًا»، للأسف كان من غير الجيد استخدام هذا التشويق بتلك الطريقة؛ فقد اعتمدتُ على شيء حدث في حياتي، وكتبتُه بعد مرور 20 عامًا من حدوثه. وبشكل أدق، أهتم أكثر بالتساؤل حول ترابط الأحداث الواقعية. إنه كتاب عن الوقت، خاصة مرور الوقت أثناء قيادة الدراجة والتحكم في السرعة.

- الدراجة النارية هي حقًا السهم الزمني الذي أوشك على أن ينكسر... بالضبط، ومن أجل هذا، كان مهمًا بالنسبة لي شرح تصميم تلك الدراجة النارية، والساعات الثماني الخاصة بسباق سوزوكا (وهو سباق لرياضة المحركات الآلية، يُقام في مدينة سوزوكا في اليابان)، والمحرك، والمهندس العبقري الذي صممه، وأمر السرعة، ومنع ذلك الطراز في اليابان حيث يُعتبر خطرًا على الحياة بينما يُصرَّح بتصديره؛ كل هذا مذهل. إنه لأمر غريب أن نعيش في مكان تتراوح فيه حدود السرعة من 30 إلى 140 كم/ساعة، ونقود سيارات تصل سرعتها إلى 200 كم/ساعة.

- في حوار سابق لكِ، مع صدور رواية «ذئب للإنسان» والتي تتناول حياة والدك أثناء حرب الجزائر، قلتِ: «أصبحتُ كاتبة من أجل كتابة هذا العمل». ومن الممكن أن ينطبق ذلك على رواية «العيش سريعًا» خاصة أنها تعبر عن شيء آخر؟

نعم، لكن رواية «ذئب للإنسان» تناولت طفولتي المبكرة وحياة والدي، وكان يجب عليّ أن أكتبها وهو على قيد الحياة. ثم حدثت كارثة موت كلود، وكنت قد نشرتُ كتابين قبل وقوعها. استطاع الحادث أن يعيد توزيع كل قضايا وتحديات الكتابة بالنسبة لي، حتى ولو لم يكن في نظري أساسًا لعمل روائي.

المصدر: www.petit-bulletin.fr

 
    كلمات البحث
  • رواية
  • بريجيت
  • ترويض
  • الجنون
  • جائزة

أخبار الساعة

الاكثر قراءة