وقد أمدنا كتابه «الإلمام بالإعلام فيما جرت به الأحكام والأمور المقضية فى وقعة الإسكندرية» بتفاصيل فريدة من نوعها إزاء هذه الحادثة المروعة التى هزت الإسكندرية وامتدت أسبوعًا كاملاً، نهب فيها الغزاة كل ما طالته أيديهم من ذهب وحرير وتوابل وحديد، فضلاً عن أعمال القتل التى لم يفلت منها الأطفال والشيوخ والنساء، ولكننا رغم ذلك لا نستطيع أن نعتبر النويرى مؤرخًا محترفًا، وذلك لأنه مال فى معظم كتاباته التاريخية وخاصة فى كتاب الإلمام إلى تناول الأحداث بأسلوب الرواة والقصاصين الذى يركز على الناحية الدرامية واستخدام القصص والأساطير المنتحلة التى تبتعد كل البعد عن الواقع، وبالتالى فإنه يهيئ لنا أنه كتب كتابه من أجل تسلية وإمتاع قرائه لا أكثر، وهو أمر لا غبار عليه بحد ذاته. ومن الراجح أن النويرى الإسكندرانى قد اعتمد فى نقل وجمع مادة كتابه على بعض المؤلفات العربية والإسلامية المتقدمة التى ربما تكون مفقودة الآن، كما أنه اتكأ فى منهجه على مؤلفى الموسوعات الكبار ممن اطلع على مؤلفاتهم من أمثال شهاب الدين أحمد النويرى صاحب كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب»، وفضل الله العمرى صاحب كتاب «الأبصار فى ممالك الأمصار» الذى أفرد فيه فصولا مهمة عن الإسكندرية ومناوشات القبرصيين لشواطئ مصر وعلاقتهم بالمماليك آنذاك، والصفدى صاحب كتاب «نكت الهميان» الذى وضع موسوعته «الوافى بالوفيات» فى ثلاثين جزءا، فضلا عن مؤرخين آخرين تقاطع مع كتاباتهم بشكل ما مثل الذهبى وابن الفرات وابن خلدون.
وعنوان كتاب النويرى “الإلمام” هو عنوان حملته كتب تراثية كثيرة جدا نذكر منها: “الإلمام بأحاديث الأحكام” لابن دقيق العيد، و“الإلمام بأخبار من أرض الحبشة من ملوك الإسلام” للمقريزى، و“الإلمام ببعض عمدة الأحكام” لإسماعيل الأنصارى”.. ومعنى العنوان يدل على أنه عبارة عن تجميع لمعلومات وقصص وأحداث ونوادر وأحاجى وضعها جامعها جنبًا إلى جنب، فكلمة «إلمام» تعنى نتفًا وشذرات، وهذه النتف وتلك الشذرات هى بالفعل المادة التى قام عليها الكتاب الذى هدف صاحبه إلى حشد عدد كبير من الشذرات داخل النص من دون تنظيم دقيق أو خطة علمية محكمة، وهو ما جعل أسلوبه غير مترابط فى مواضع ليست بقليلة من الكتاب، وهذا بدوره الذى سيجعل القارئ المتعرض لهذا الكتاب تائهًا فلن يعرف من أين يبدأ ولا عند ماذا سينتهى.
وإذا عرفنا أن مهنة النويرى الأساسية كانت نسخ المخطوطات التاريخية والدينية لتجار الإسكندرية الأثرياء، وذلك على مدار أربعة عقود، وهى فترة كما نرى طويلة جدا استطاع النويرى خلالها نسخ عدد كبير جدا من تلك المخطوطات التى لم يعرف أحد عنها شيئا فى ذلك الوقت، وربما لم تصل إليها يد فى العصور اللاحقة؛ لأنه يرجح أنها فقدت، وبذلك يمكن أن نستنتج أن النويرى الإسكندرانى استغل هذه الثروة الضخمة من المخطوطات النادرة وراح يفرزها ثم أخذ زبدتها وضمنها فى كتابه الموسوعى الضخم الذى يصل ربما إلى ستة أجزاء وله طبعة تقع فى 4 أجزاء عن قصور الثقافة نعتقد أنها تختلف عن الطبعة الأصلية، حيث الغلاف لا يحمل شيئا عن وقعة الإسكندرية، وإنما يحمل عنوان «مرآة العجائب».
وفضلاً عن القصص الخرافية والأساطير الواهية الواردة فى كتاب الإلمام؛ لا سيما المرتبطة بالفتح العربى لمصر والتى اعتمد فيها إلى حد بعيد على مؤلفات أبى عبدالله الواقدى، حيث وجدناه وقد استطرد بصورة مبالغ فيها فى الحديث عن موقع مصر وجغرافيتها وصحاريها وحدائقها وفضائلها كافة، كذلك فإنه حشد عددًا هائلاً من الأحاديث النبوية فى كتابه دون أن يختبرها، فجاء معظمها موضوعا أو غير صحيح، كما أنه استخدم كثيرًا من العبارات الدارجة الركيكة والتى لم تكن مناسبة لمادة الكتاب، ووقع كذلك فى بعض الأخطاء النحوية والإملائية؛ لكننا نرجح أنها ترجع إلى مدونى الكتاب ومحققيه.
فمن القصص المنتحلة التى تعامل معها النويرى على أساس أنها حقائق تاريخية مسلّم بها، تلك القصة التى تتعلق بمدينة “تنيس” عاصمة مصر القديمة فى عهد الأسرتين الحادية والعشرين والثانية والعشرين والتى كان يحكمها عربى نصرانى يدعى أبا ثور.. ولقد قرر المعتنقون للدين الجديد وهو الإسلام إرسال وفد تبشيرى إلى أبى ثور هذا لكى يدخل هو وجماعته فى الإسلام الحنيف، وكان يتزعم هذا الوفد واحد اسمه «شطا بن هاموك» الذى كثيرا ما كانت تأتيه الرؤى الغرائبية منها أنه رأى فى السماء جنود العرب فى زى أخضر قشيب تتقدمهم فتاة قمة فى الحسن والجمال، وكانت تدعو الناس إلى الإسلام، ومنها أيضا رؤيته للفردوس الإسلامى الذى بنى عليه النويرى كثيرًا من القصص الخيالية، حيث وصفه من خلالها وصفًا حيًا، حتى ليهيئ لنا أنه حقيقة لا تقبل التفكير أو النقاش، المهم انتهت مأمورية شطا بالفشل الذريع بعد أن ذبحه أبو ثور وطارد حلفاءه حتى أبواب مدينة دمياط، لكن المسلمين استطاعوا الانتصار عليه فى نهاية المطاف، وأما شطا فقد دُفن فى المكان نفسه الذى قُتل فيه، واعتُبرت مقبرته من أقدس الأضرحة فى الإسلام، لدرجة أن الناس كانوا يحجون إليها من كل المدن حتى وقت قريب، ومن الجدير بالملاحظة أن شخصية شطا هذه كان نجيب محفوظ قد استخدم شخصية بالاسم نفسه فى ملحمته الرائعة «الحرافيش».
من هنا نلحظ أن محمد بن النويرى كان يعتمد فى كتابته للتاريخ على القصص المنتحلة أو الخرافية، وهو اعتماد بالقطع خاطئ؛ لأن التاريخ يحتاج إلى وثائق علمية ومعلومات حقيقية من مصادر دقيقة وموثوق بها، ربما كان اهتمام النويرى بالقصص راجعا بالأساس إلى كونه أديبا وشاعرا، ولكنه كان يجب عليه أن يفرق بين هذا وكونه مؤرخا يلزمه تحرى الدقة فى نقل أحداث عصره التى لا يجب أن تقرأها الأجيال اللاحقة مغلوطة أو منقوصة أو مشوهة.
فى النهاية.. ليس بوسعنا إخفاء إعجابنا ودهشتنا بالنسبة إلى الموضوعات المتنوعة والثرية لكتاب الإلمام، رغم أن النويرى كان قد جمعها بمحض المصادفة وربما من دون تخطيط مسبق، ولكن تظهر لنا ثمرات جهوده الشاقة فى جمع مادة كتابه، وسرده لكل أحداث عصره كشاهد عيان على هذه الواقعة، وهو الأمر الذى يجعله واحدا من أهم مصنفى الموسوعات السكندريين فى القرن الثامن الهجرى.