نشر قصصه الأولى وهو فى سن صغيرة فى «صباح الخير» و«القصة»، قبل أن يلفت انتباه يوسف إدريس، الذى قدمه إلى قراء مجلة «الكاتب» بنشر قصته «استرجاع الأحلام» عام 1966. وفى عام 1967 صدرت أولى مجموعاته القصصية «الأحلام، الطيور، الكرنفال»، بالاشتراك مع أحمد هاشم الشريف ومحمود مؤنس، لتبدأ بذلك مسيرته الطويلة مع القصة القصيرة.
لم يكن الأدب فى حياة «الخميسى» منفصلًا عن الواقع السياسى والاجتماعى الذى عاشه جيله. فقد كان جيل الستينيات يعيش لحظة شديدة التعقيد؛ أحلامًا كبيرة وأسئلة عن العدالة والحرية، وصدمة سياسية ونفسية أعقبت هزيمة يونيو 1967.
وفى فبراير 1968 اعتُقل على خلفية مشاركته فى المظاهرات الطلابية، وقضى فترة فى المعتقلات المصرية. ولم يكن السجن حادثًا عابرًا فى تجربته، بل أصبح جزءًا من وعيه بالعالم والإنسان والسلطة والخوف والحرية. فهو لم يكن كاتبًا يراقب الحياة من خارجها، بل دخلها فى أشد لحظاتها قسوة، ودفع ثمنًا شخصيًا لاختيار الموقف؛ ولذلك يصعب فصل أدبه عن إحساس مبكر بأن الكلمة قد تتحول فى لحظة إلى موقف أخلاقي.
ولم يتوقف نشاطه عند الأدب؛ فقد كتب السيناريو والحوار السينمائي، وشارك فى كتابة حوار فيلم «عائلات محترمة» عام 1968، ثم «زهرة البنفسج» عام 1972.
فى العام نفسه، انتقل إلى الاتحاد السوفيتى لمواصلة دراسته، وهناك بدأت واحدة من أكثر مراحل حياته تأثيرًا فى تكوينه الثقافي. لم تكن موسكو مجرد مكان للدراسة، بل بوابة إلى الأدب والثقافة الروسية. درس اللغة والأدب الروسي، وحصل عام 1992 على الدكتوراه فى الأدب الروسى من جامعة موسكو.
وخلال إقامته هناك عايش السنوات الأخيرة من الاتحاد السوفيتى ثم مرحلة انهياره والتحولات الكبرى التى أعقبت ذلك؛ فكان يعيش داخل التاريخ، لا يقرؤه من الكتب فقط. وأتاحت له موسكو أن ينظر إلى مصر والعالم من مسافة مختلفة، وأن يقرأ التحولات السياسية والثقافية بعين الكاتب والمراقب والمترجم. وفى الوقت نفسه عمل مراسلًا لإذاعة أبو ظبى ولجريدة «الاتحاد» الإماراتية، جامعًا بين الدراسة والصحافة والكتابة.
وكانت الترجمة عن الروسية أحد أبرز وجوه تجربته؛ فلم تكن عنده نقلًا لغويًا فحسب، وإنما فعلًا ثقافيًا يفتح نافذة بين عالمين. نقل إلى العربية أعمالًا ونصوصًا روسية فى الأدب والنقد والمسرح وأدب الأطفال، واهتم بأسماء كبيرة، وفى مقدمتها تشيخوف وجوركي.
ولم يكن ذلك غريبًا على كاتب تشكل وعيه فى حضن القصة القصيرة؛ فالأدب الروسي، باهتمامه بالإنسان العادى والتفاصيل اليومية والمفارقة والألم الإنساني، يقترب فى جوانب كثيرة من حساسيته القصصية. ومن هنا تبدو الترجمة جزءًا من مشروعه الإبداعي؛ فالكاتب الذى يترجم أدبًا من ثقافة أخرى لا يعود من التجربة كما ذهب إليها، وإنما تتسع رؤيته وتتغير أدواته. وقد كرمه اتحاد الكتاب الروس، ومنحه عضويته الشرفية، تقديرًا لجهوده فى التعريف بالأدب الروسي.
امتدت كتابات «الخميسى» إلى مجالات فكرية وتوثيقية متعددة؛ فكتب عن روسيا وتجربته فيها، والتحولات السياسية والاجتماعية، والحرب فى الشيشان، ونساء الكرملين، والعلاقة بين الأقباط والمسلمين، إلى جانب اهتمامه بنجيب محفوظ والاستشراق الروسي.
ومن كتبه فى هذا السياق «موسكو تعرف الدموع»، و«رحلة إلى الشيشان»، و«نساء الكرملين»، و«نجيب محفوظ فى مرايا الاستشراق الروسي»، و«الباب المغلق بين الأقباط والمسلمين». وتكشف هذه الأعمال عن مثقف لا يرى الأدب جزيرة معزولة، بل جزء من أسئلة المجتمع والتاريخ والسياسة والثقافة.
وعندما عاد إلى مصر فى أواخر التسعينيات، واصل الكتابة والعمل الصحفي، وظل حاضرًا فى المجال الثقافي، كما انخرط فى النشاط العام والنقابي، ودافع عن قضايا الأدباء والصحفيين وحرية التعبير واستقلال المؤسسات الثقافية.
ومع كل هذه التحولات، ظلت القصة القصيرة البيت الأدبى الأهم لأحمد الخميسي. توالت مجموعاته، ومنها «قطعة ليل»، و«كناري»، و«رأس الديك الأحمر»، و«أنا وأنت»، و«ليل بلا قمر»، و»ورد الجليد».
وفى «قطعة ليل»، الصادرة عام 2004، بدا أكثر استقرارًا فى عالمه القصصي، مقتربًا من الشخصيات المهمشة والمنكسرة، ومن التفاصيل الصغيرة التى تحمل وجعًا إنسانيًا كبيرًا. ثم جاءت «كناري»، التى حصل عنها على جائزة ساويرس لأفضل مجموعة قصصية لكبار الأدباء عام 2011، وبعدها «أنا وأنت»، التى حازت الجائزة نفسها فى دورة 2016، التى أُعلنت نتائجها فى يناير 2017.
وإذا أردنا البحث عن السمة الأبرز فى عالمه القصصي، فلعلنا نجدها فى انحيازه إلى الإنسان. فهو لا يبحث عن أبطال خارقين، وإنما يقترب من الإنسان العادي؛ من وحدته وخوفه وحبه وفقده وأحلامه الصغيرة. وقد تكون غرفة، أو امرأة، أو رجلًا وحيدًا، أو لقاءً عابرًا، لكن وراء التفاصيل اليومية يختبئ السؤال الأكبر: ماذا يفعل الإنسان حين تضيق به الحياة؟
لذلك يميل «الخميسى» إلى الاقتصاد فى التعبير والتقاط اللحظة، وجعل التفاصيل الصغيرة حاملة لمعنى أكبر منها. والحزن فى قصصه ليس مجرد مزاج، بل وسيلة لمعرفة الإنسان ومنحه، ولو للحظة، شيئًا من الضوء.
ومن الجوانب اللافتة فى تجربته علاقته الأدبية بتراث أبيه عبد الرحمن الخميسي. فلم يكتفِ بأن يكون ابن شاعر معروف، وإنما عاد إلى هذا الإرث من موقع الكاتب الذى يعيد اكتشافه. وفى كتاب «الأجيال الثلاثة»، جمع قصصًا لعبد الرحمن الخميسى وأحمد الخميسى وحفيدته آنا الخميسي، ليصبح الكتاب وثيقة أدبية عن انتقال الحكاية من جيل إلى جيل.
ويطرح العمل سؤال الإرث الأدبى نفسه: هل يرث الكاتب أباه؟ ربما يرث اللغة الأولى والذاكرة الأولى والدهشة الأولى أمام الكتاب والفن، لكنه لا يرث صوته الأدبي. وهذا ما فعله أحمد الخميسي: أخذ من أبيه شغف الكلمة، ثم ذهب ليبحث عن صوته الخاص.
لا يمكن قراءة تجربة أحمد الخميسى بوصفها تجربة أديب فقط؛ ففى مسيرته حضور واضح للمثقف الذى يريد أن يكون طرفًا فى مجتمعه، لا مجرد مراقب له. الشاب الذى دخل السجن، والكاتب الذى عاش سنوات فى موسكو، والصحفى الذى تابع الأحداث من هناك، والأديب الذى عاد إلى القاهرة؛ كلها وجوه لشخصية واحدة ظلت الحرية حاضرة فى تجربتها، وإن تغيرت صورها.
مرة كانت حرية سياسية، ومرة حرية الكاتب، ومرة حرية الإنسان فى أن يعيش بكرامة، ومرة حرية الثقافة فى أن تكون مستقلة عن التوظيف والوصاية. ومن هنا تتصل تجربته بجيل من الكتاب الذين لم يروا الفصل بين الثقافة والحياة أمرًا ممكنًا.