«درويش».. إنه صاحب أدوار «أنا هويت وانتهيت، وضيعت مستقبل حياتى، وأنا عشقت، وزورونى كل سنة مرة، والحلوة دى قامت تعجن فى الفجرية» وغيرها، وهو صانع شخصية مصر الموسيقية، ورائد التعبير، بعد ثلاثى التطريب: (محمد المسلوب، وعبده الحامولى، ومحمد عثمان).
وصف بديع خيرى ألحانه بأنها مصرية صميمة، وفيها قوة وفحولة ورجولة، وقال إنه الوحيد الذى أعلى من كرامة الفنان، وقال بيرم التونسى إنه عرفه قبل أن يراه، وسعى إليه مشيًا على الأقدام أربعة كيلومترات فى ليلة ممطرة باردة ليسمعه يغنى فى فرح حتى الفجر، ولاحقًا استضاف الشيخ سيد فى بيته بيرم لعامين وضع خلالهما أزجال مسرحية (شهرزاد) التى لحنها درويش.
هذا الموهوب، حظر معهد الموسيقى الملكى ألحانه، ومنع الملك فؤاد طبع أسطواناته إلا بعد رحيله، ولم يُنشر نعيه إلا بعد أيام من موته، انتقامًا منه لأنه غنى لكل طوائف الشعب المصرى، ووقف ضد المحتل الإنجليزى!.. فى هذا الوقت لزم «عبدالوهاب» الصمت أمام حظر ألحان درويش وأغانيه فترة الملكية، وعرض به بيرم التونسى، وفى الستينيات قلل عبد الوهاب من جهده، وسايره عبدالحليم، فتعرضا لحملة صحفية قاسية جدا حتى اضطر عبد الوهاب للقول: «أنا درويشى حتى العظم».
قال المسرحى الكبير زكى طليمات إنه سأله بعد أن جعل الجمهور يهتف بحماس وعداء ضد الإنجليز عن مشاعره، فأجاب: «كأنى قتلت ألف إنجليزى يا زكي»، أما العقاد فوصف سيد درويش بأنه إمام الملحنين ونابغة الموسيقى، وهو مَن أطلق طائر الغناء من سجنه، وحرره من التطريب وناسب بين الألفاظ والمعانى والألحان والحالات النفسية.
فى 15 سبتمبر سنة 1923م رحل مجدد الموسيقى الشرقية ورائدها عن ثلاثين عامًا، وضمت الإسكندرية التى شهدت مولده فى 17 مارس سنة 1892م استقرار جثمانه فى ترابها، 103 أعوام مرت على رحيل هذا النابغة الذى أحدث ثورة فى الموسيقى العربية، فقد نقلها من التطريب إلى التعبير، ومن القصور إلى الشعب فى الشوارع والمقاهى، ومن (أمان يا للى)، إلى الغناء للسقائين والشيايلين والنجارين والبنائين والعربجية، وكانت أغانيه وقود ثورة 1919، وكان يتقدم الجماهير الحاشدة ينشد أغانيه الحماسية والألوف تردد من خلفه، وكان فضله على المسرح الغنائى كبيرًا، فلحّن أول أوبريت مصرى صميم، حاربته الملكية وحظرت ألحانه، وبعد ثورة 23 يوليو ردت مصر إليه اعتباره، وأطلقت عليه لقب «فنان الشعب».
تزوج وعمره 16 سنة، وأنجب ولده الأكبر «محمد البحر»، وسافر للشام مع فرقة «عطا الله»، وعاد للقاهرة، وقدمه الشيخ سلامة حجازى مقتنعا بموهبته، واشترك مع جورج أبيض فى تلحين مسرحياته، حتى تعرف على الثنائى «نجيب الريحانى وبديع خيرى»، فعثر على روحه وبوصلته فى الغناء التعبيرى والموسيقى الشعبية والمسرحية، كان ذلك سنة 1917. وخلال خمس سنوات فقط حقق درويش أعظم إنجازاته الموسيقية، وفرض نفسه على الساحة كأهم موسيقى مصرى، وفى غمرة انفجار الغضب الشعبى مع ثورة المصريين بزعامة سعد زغلول سنة 1919م انفجرت ألحان درويش الوطنية.
جدد فى الموسيقى، ونقلها من البشارف التركية و(أمان ياللى)، إلى (قوم يا مصرى) و(بلادى بلادى) وألحان (السقايين والعربجية) وغيرها، وكان ذلك إيذانًا بأفول الغناء فى القصور والسرايات الذى برع فيه (عبده الحامولى) وزوجته (ألمظ)، ومن بعدهما (محمد المسلوب ومحمد عثمان)، إلى الغناء للناس، كما برع فى تلحين المسرحيات والأوبريت، وازدهر المسرح الغنائى على يديه، وانعقدت عليه آمال الأمة، وكان هو دائم التعلم والتجديد، ولكنه سقط وهو فى قمة عنفوانه، ولليوم تثور حول وفاته شبهات قتله عن عمد.
كان بارًّا بأسرته وخاصة أمه، وحكى بديع خيرى فى مذكراته، أنه بمجرد أن يقبض عربون لحن أو نوتات موسيقية إلا ويشترى لأمه وأسرته كل لوازمهم من كسوة وطعام وشراب، ويجلس تحت قدميها.
كان الشيخ سلامة حجازى علمًا من أعلام الغناء، يوم كان سيد درويش يطرق أبواب الفن، ويعمل فى مقهى صغير فى الإسكندرية، وسمعه أحد أعوان الشيخ سلامة فأُعجب به، وحكى عنه للشيخ سلامة، فطلبه لزيارته، فامتنع درويش، وقال للرجل: «أنا لا أنتقل من مكانى، وإذا أراد الشيخ سلامة أن يسمعنى فليتفضل بالحضور إلى هذا المقهى الحقير، وإلا فلن أذهب إليه»، ولما ألحّ الرجل، قال له: «اسمع: الفن له كرامة، وأنا شاب على أبواب الحياة، ولكن كرامتى فى الذروة»، ولما بلغ رده للشيخ سلامة لم يغضب، بل أكبر فيه اعتزازه بنفسه، وذهب إليه واستمع إليه، وضمه لفرقته.
يحكى بديع خيرى: لم يكن معنا إلا أقل من عشرة قروش، فاقترحت على الشيخ سيد أن نعكف، أنا على التأليف، وهو على التلحين، ثم نذهب إلى (الخواجة ميشيان) فنبيع له ما أنتجنا، وجلسنا ليلة كاملة وضعت فيها اثنى عشر دورا لحنها الشيخ سيد، وذهبنا إليه، فاختار ثمانية أدوار بمبلغ عشرة جنيهات، فاستبد الغضب بسيد، وقال: (إيه ده يا خواجة؟ ثمانية أدوار تأليف وتلحين بعشرة جنيهات، هو إحنا بنبيع ترمس؟)، ورفع الرجل الثمن إلى 12 جنيها، فجمع سيد النوت كلها ومزقها وألقى بها على الأرض، وخرجنا أشد جوعًا)، فعاتبته، فقال لى: (اسمع يا بديع، الجوع مش عيب، إنما خدش الكرامة هو العيب، لازم نحافظ على كرامة الفن، ناكل تراب، نسف رمل، ناكل من صفايح الزبالة، لكن يجب أن تكون لنا كرامة، الدور بجنيه وربع؟ تأليف وتلحين وغناء؟ دى بلد يجوع فيها العباقرة أمثالنا؟).
ولا يمكن أن أنسى صورته وهو واقف فى إحدى عربات الحنطور فى ميدان الأزهر إبان ثورة 1919 ينشد أناشيده الوطنية فى حماس مشتعل وخلفه ألوف الناس يرددون اللحن معه، ويعرضون صدورهم لرصاص الإنجليز.
كان يسير فى شوارع القاهرة صفر اليدين من المال، بينما كانت مسارح القاهرة تتغنى بألحانه، من الأزبكية إلى عماد الدين وروض الفرج، يومها رفع سيد درويش وجهه إلى السماء، وسالت دموعه.
وعن أحلامه المستقبلية: كان يتمنى أن يضع موسيقى أوبرا عالمية تخلد جهاد الزعيم أحمد عرابى، وكان يتمنى أن يسافر إلى إيطاليا ليدرس الموسيقى على أيدى أساتذتها، ولكنه توفى.