وفى هذا السياق، يأتى تحرك وزارة الصناعة لبحث التوسع فى هذه الصناعة بالتعاون مع إحدى الشركات الصينية ليفتح الملف من زاوية جديدة: «هل تستطيع مصر التحول من تصدير الكتان كمادة خام إلى بناء صناعة متكاملة تبدأ من المزرعة لتصل إلى المنتجات النهائية فى الأسواق العالمية؟ وهل يمثل الشريك الصينى بوابة لنقل التكنولوجيا الحديثة وزيادة الطاقات الإنتاجية؟، أم أن النجاح يظل مرهونًا بإعادة هيكلة العلاقة بين القطاع الزراعى والتصنيعى والتصديرى؟»
بداية، أكد المهندس أحمد حسن، أحد أصحاب مصانع الكتان بقرية شبرا ملس بمركز زفتى فى محافظة الغربية، أن صناعة الكتان تمر بعدد كبير من المراحل قبل أن تتحول إلى منتجات قابلة للتصنيع أو التصدير، فكل جزء تقريبًا من عود الكتان يمكن الاستفادة منه صناعيًا، بداية من البذور وحتى الألياف والمخلفات، وهو ما يجعل المحصول ثروة زراعية وصناعية متكاملة، وتبدأ رحلة التصنيع عقب وصول المحصول إلى المصنع بعملية «الهدير» التى يتم خلالها فصل البذور عن العيدان، كما أن بذور الكتان يتم توجيهها لإنتاج «الزيت الحار»، فضلًا عن استخلاص «القسب»، المستخدم فى أعلاف الماشية، حيث الإنتاج المحلى من بذور الكتان لا يغطى كامل احتياجات السوق المصرية من الزيت، ويتم استيراد نسبة تقدر بنحو 50فى المائة من الاحتياجات، بينما يوفر الإنتاج المحلى النسبة المتبقية.
وأوضح «حسن»، أن العيدان بعد فصل البذور تدخل واحدة من أهم مراحل تجهيز الكتان، وهى مرحلة «التعطين» التى تتم داخل أحواض مائية تعرف باسم «المعاطن»، وتختلف مساحاتها بحسب موقعها، حيث يتم وضع حزم الكتان داخل المياه الراكدة لمدة تتراوح عادة بين خمسة وثمانية أيام وفقًا لنوع وجودة المحصول، وخلال هذه الفترة تحدث عملية تخمر تساعد على تفكيك المواد التى تربط الألياف بالجزء الخشبى من العود بما يسهل فصل الألياف واستخراجها فى المراحل التالية، وتستغرق مرحلة التجفيف فى المتوسط نحو ثمانية إلى عشرة أيام، بحسب الظروف الجوية وحالة المحصول، والوصول إلى درجة الجفاف المناسبة يجعل العيدان أكثر قابلية للدخول إلى الماكينات التى تقوم بتكسير الجزء الخشبى وفصل الألياف عنه وتنظيفها وفرزها.
وأشار إلى أن الألياف القصيرة تمر بدورها بعمليات تنظيف وفرز إضافية باستخدام معدات متخصصة، ثم تستخدم فى الغزل وصناعة الدبارة وغيرها من المنتجات، وهذه الخامة تمثل بدورها منتجًا تصديريًا مهمًا، وتصل صادراتها وفق تقديرات سابقة إلى نحو 20 ألف طن سنويًا، بقيمة تتراوح بين 1700 و1800 دولار للطن بحسب الجودة والمواصفات، كما أن الألياف الطويلة تمثل الحلقة الأهم فى صناعة الكتان، إذ تدخل بصورة أساسية فى صناعة الغزول والأقمشة والعديد من المنتجات النسيجية، وسعر طن الألياف الطويلة المعدة للتصدير يصل إلى نحو 4 آلاف دولار، بينما يتم تصدير جانب كبير منها فى صورتها الخام إلى أسواق خارجية، من بينها الصين والهند، وتدخل بعد ذلك فى مراحل تصنيع أخرى وتحويلها إلى أقمشة ومنتجات نهائية.
ولفت «حسن»، إلى أن المشكلة الأساسية التى تواجه صناعة الكتان المصرية تتمثل فى عدم وجود طاقة كافية لغزل الألياف الطويلة محليًا، وهو ما يحرم الصناعة المصرية من جزء كبير من القيمة المضافة، فمصر تصدر الألياف الخام ثم تعود إلى استيراد الغزول المصنوعة منها بأسعار أعلى بكثير، وطن الغزل المستورد قد يتراوح بين 10 و15 ألف دولار بحسب نمرة الغزل وجودته، مقابل نحو 4 آلاف دولار تقريبًا للطن من الألياف الخام المصدرة، وهو ما يكشف حجم القيمة التى يمكن الاحتفاظ بها داخل الاقتصاد المصرى إذا تم استكمال مراحل التصنيع محليًا.
وأضاف «حسن»، أن إنشاء مصنع أو أكثر متخصص فى غزل ألياف الكتان الطويلة يمكن أن يمثل نقلة مهمة للصناعة، ليس فقط لتوفير احتياجات السوق المحلية من الغزول، وإنما أيضًا لإتاحة كميات إضافية للتصدير فى صورة منتج أعلى قيمة.
ونوه «حسن»، إلى أن الكتان لا تتم زراعته داخل شبرا ملس وحدها وإنما يعتمد المصنعون على المحصول القادم من عدد من المحافظات، وفى مقدمتها الدقهلية والشرقية والبحيرة وكفر الشيخ، مشيرًا إلى أن المساحات التى يتم الاعتماد عليها فى زراعة الكتان تتراوح بين 40 و50 ألف فدان سنويًا، مع اختلاف مناطق الزراعة من موسم إلى آخر، والكتان لا يزرع بصورة متكررة فى الأرض نفسها وإنما تتم زراعته وفق دورة زراعية مناسبة، فارتفاع تكاليف إيجارات الأراضى يمثل أحد التحديات أمام التوسع فى زراعة المحصول، وإيجار الفدان قد يصل فى بعض المناطق إلى ما بين 40 و50 ألف جنيه، وهو ما ينعكس فى النهاية على تكلفة الإنتاج والعائد الذى يحصل عليه المزارع.
وأضاف «حسن»، أن متوسط إنتاج الفدان يتراوح، وفقًا لطبيعة الأرض والصنف والمعاملات الزراعية بين 500 و700 كيلو من الألياف، وهو ما يعنى أن زيادة المساحات وتحسين الإنتاجية وجودة الألياف يمكن أن يفتحا مجالاً أوسع أمام الصناعة والتصدير، وأشار إلى أن إنتاج نحو 50 ألف فدان يمكن أن يوفر كميات كبيرة من الألياف، إلا أن تحقيق الاستفادة الكاملة منها يتطلب استكمال حلقات التصنيع داخل مصر.
وشدد «حسن»، على أن المطلوب فى المرحلة المقبلة ليس فقط التوسع فى زراعة الكتان، وإنما بناء صناعة متكاملة تبدأ من الحقل ولا تتوقف عند تصدير الألياف الخام، من خلال إنشاء مصانع متخصصة لغزل ألياف الكتان، وتطوير مراحل التصنيع المختلفة، وتوفير التسهيلات اللازمة أمام المصانع القائمة للحصول على التراخيص والتوسع فى النشاط.
وطالب حسن الدولة بمساندة أصحاب المصانع فى تطوير هذه الصناعة التاريخية، من خلال تسهيل إجراءات التراخيص، وتشجيع إنشاء مصانع غزل ألياف الكتان الطويلة، وتوفير الأراضى الصناعية والتمويل المناسب للتوسع، مؤكدًا أن شبرا ملس تمتلك خبرة بشرية متراكمة وسوقاً تصديرية قائمة، وما تحتاجه هو استكمال حلقات الصناعة حتى تتحول هذه الخبرة إلى صناعة مصرية متكاملة تحقق عائد أكبر للاقتصاد والمزارع والمصنع والعامل.
ومن جانبه قال، المهندس جمعة محمد عطا، الخبير الزراعى واستشارى الإنتاج النباتي، إن زراعة الكتان تتركز بصورة أساسية فى محافظات الدلتا، وخاصة المناطق التى تتميز بأراضٍ طميية خصبة جيدة الصرف، ومن أبرز مناطق زراعته الدقهلية والغربية وكفر الشيخ والبحيرة والشرقية، حيث تتوافر الظروف المناخية والأرضية الملائمة للمحصول، حيث اختيار الأرض المناسبة واتباع المعاملات الزراعية السليمة يمثلان عاملين أساسيين فى الوصول إلى محصول يتمتع بجودة مرتفعة من حيث طول الألياف ونعومتها ونسبة الألياف إلى القش.
وأوضح «الخبير الزراعي»، أن تطوير زراعة الكتان يجب أن يرتبط بخطة التصنيع والتصدير، بحيث يتم تحديد احتياجات المصانع أولًا من حيث الكميات والأصناف والمواصفات، ثم توجيه المزارعين إلى زراعة المحاصيل التى تلبى هذه الاحتياجات، فهذه المنظومة ستساعد على معالجة واحدة من أهم مشكلات القطاع، وهى الفجوة بين ما ينتجه المزارع وما يحتاجه المصنع، وتقلل الحاجة إلى البحث عن خامات مستوردة لتغطية احتياجات الصناعة، والدولة تستطيع زيادة العائد الاقتصادى من الكتان من خلال الاستفادة الكاملة من جميع مكونات النبات، وعدم قصر الاهتمام على الألياف فقط، حيث يمكن تعظيم الاستفادة من البذور فى إنتاج زيت الكتان، إلى جانب استغلال المخلفات فى صناعات أخرى، وهو ما يرفع العائد الاقتصادى للفدان ويجعل المحصول أكثر جاذبية للمزارع.
وشدد «الخبير الزراعى واستشارى الإنتاج النباتي»، على ضرورة إنشاء منظومة واضحة لربط المزارع بالمصنع تبدأ بتوفير التقاوى والإرشاد والتعاقد على المحصول مرورًا بعمليات الحصاد والتجميع والنقل، وصولًا إلى المصانع التى تقوم بعمليات التجهيز والتصنيع، فوجود مراكز متخصصة لتجميع وفرز الكتان بالقرب من مناطق الإنتاج يمكن أن يحافظ على جودة المحصول ويقلل الفاقد، كما يسهل على المصانع الحصول على خامة موحدة المواصفات.
ومن جانبه قال خالد سليمان، الخبير فى الصناعة والتجارة، إن دخول استثمارات صينية جديدة إلى صناعة الكتان يمكن أن يمثل فرصة مهمة لنقل التكنولوجيا والخبرات ورفع الطاقة الإنتاجية، خاصة إذا اتجهت هذه الاستثمارات إلى إقامة صناعة متكاملة وليس مجرد إنتاج مرحلة واحدة من مراحل التصنيع، فالشراكة مع المستثمرين الصينيين يمكن أن تفتح ايضًا قنوات جديدة أمام المنتج المصرى للوصول إلى الأسواق الخارجية، والاستفادة من خبرات الشركات الصينية فى الإنتاج واسع النطاق وسلاسل الإمداد والتسويق والتصدير.
وأكد «الخبير فى الصناعة والتجارة»، أن التوسع فى هذه الصناعة يمكن أن يخلق فرصًا جديدة فى المناطق الريفية والصناعية فى الوقت نفسه، وهو ما يجعلها نموذجًا جيدًا للربط بين التنمية الزراعية والتصنيع وخلق فرص العمل، كما أن زيادة صادرات المنتجات المصنعة من الكتان يمكن أن يكون لها تأثير مباشر على حصيلة النقد الأجنبي، لأن تصدير المنتج النهائى أو الأعلى تصنيع يحقق عائد أكبر من تصدير المادة الخام بنفس الكميات.
وبين أن الهدف يجب ألا يكون فقط زيادة حجم الصادرات، وإنما زيادة قيمة الصادرات من خلال رفع نسبة المنتجات ذات القيمة المضافة، بحيث يتحول الكتان من مجرد محصول يتم تصدير جزء منه إلى قاعدة لصناعة تصديرية قادرة على تحقيق إيرادات مستدامة من الأسواق الخارجية، فنجاح هذه المنظومة يتطلب إقامة حلقة اتصال واضحة بين المزارع والمصنع والمصدر، من خلال تشجيع التعاقدات المسبقة على المحصول، وتوفير تقاوٍ جيدة وإرشاد زراعى يضمن إنتاج كتان بالمواصفات التى تحتاجها الصناعة، مع وجود آليات عادلة لتسعير المحصول تضمن للمزارع عائداً مناسباً وتشجع على زيادة المساحات المزروعة.
واختتم بتأكيده أن المطلوب حاليًا هو تطوير مراكز لتجميع وفرز وتجهيز الكتان بالقرب من مناطق الزراعة وربطها بالمصانع، بما يقلل الفاقد وتكاليف النقل ويحافظ على جودة الألياف، فوجود منظومة متكاملة تربط المزارع بالمصنع ثم المصدر سيعطى الصناعة قدرة أكبر على التخطيط للإنتاج، ويضمن للمزارع سوقًا واضحة، ويوفر للمصنع خامة بالمواصفات المطلوبة، وفى النهاية يمنح المصدر منتجًا قادرًا على المنافسة فى الأسواق العالمية.