تتجه الأنظار إلى اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزى المصرى المقرر عقده مساء الخميس 24 سبتمبر الجارى لحسم موقف أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض، التى تبلغ حاليًا 19 فى المائة للإيداع و20 فى المائة للإقراض لليلة واحدة، وذلك فى ضوء آخر تطورات معدلات التضخم، خاصة مع رفع المركزى الأوربى أسعار الفائدة للمرة الثانية هذا العام خلال الأسبوع الماضى ومع توقعات برفع الاحتياطى الفيدرالى لأسعار الفائدة 25 نقطة الأسبوع المقبل.
ويمثل اجتماع لجنة السياسات النقدية اختبارًا جديدًا لمسار السياسة النقدية خاصة بعد تراجع معدل التضخم السنوى لإجمالى الجمهورية إلى 12.7 فى المائة خلال أغسطس مقابل 13 فى المائة فى يوليو، فى الوقت الذى استقر فيه معدل التغير الشهرى دون تغير يُذكر. ومن ثم، ستكون بيانات التضخم الأخيرة، إلى جانب توقعات الأسعار خلال الفترة المقبلة، من أبرز العوامل التى قد تحسم اتجاه «المركزي» بين الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير أو التمهيد لخفضها فى الاجتماعات المقبلة.
رغم انخفاض التضخم توقعت مؤسسة «فيتش سوليوشنز» العالمية أن يبقى البنك المركزى أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام الجارى على أن يخفضها 400 نقطة أساس فى 2027، وبحسب جدول الاجتماعات الدورية للجنة السياسة النقدية المعلن منذ بداية العام، فإن اجتماع سبتمبر هو سادس اجتماعات البنك المركزى خلال 2026 فيما ترجح التوقعات استمرار تثبيت أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية لحين التأكد من استدامة تراجع التضخم وعدم تعرضه لموجات ارتفاع جديدة.
ولا يقتصر تأثير قرار «المركزى» على تكلفة الاقتراض والتمويل، بل يمتد أيضًا إلى عوائد الأوعية الادخارية بالبنوك وعلى رأسها شهادات الادخار ذات العائد المتغير التى ترتبط تحركات عوائدها بتغيرات أسعار الفائدة الأساسية.
وأظهرت بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء تراجع معدل التضخم السنوى لإجمالى الجمهورية إلى 12.7 فى المائة خلال أغسطس 2026، مقابل 13 فى المائة فى يوليو بالتزامن مع استقرار الرقم القياسى العام لأسعار المستهلكين عند 289.8 نقطة دون تغير يُذكر على أساس شهرى.
يأتى هذا التراجع فى وقت يواصل فيه البنك المركزى الإبقاء على معدلات العائد الأساسية عند مستويات مرتفعة فى انتظار التأكد من استدامة المسار النزولى للتضخم وعدم ارتباط التحسن الأخير بعوامل مؤقتة أو تأثره بصدمات جديدة قد تعيد الضغوط السعرية إلى الواجهة.
وبحسب بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، جاء استقرار الرقم القياسى العام خلال أغسطس نتيجة تحركات متباينة فى أسعار السلع والخدمات حيث تراجعت أسعار مجموعة الخضراوات بنسبة 7 فى المائة، واللحوم والدواجن بنسبة 1.5 فى المائة، بينما ارتفعت أسعار الكهرباء والغاز ومواد الوقود الأخرى بنسبة 4.3 فى المائة، إلى جانب زيادة أسعار الإيجار الفعلى للمسكن بنسبة 0.8 فى المائة وشراء المركبات بنسبة 0.9 فى المائة.
وعلى أساس سنوى، سجل قسم الطعام والمشروبات ارتفاعًا بنسبة 6.5 فى المائة، بينما ارتفعت أسعار مجموعة المسكن والمياه والكهرباء والغاز بنسبة 33 فى المائة، والنقل والمواصلات بنسبة 21.7 فى المائة، والتعليم بنسبة 20 فى المائة، والمطاعم والفنادق بنسبة 13.4 فى المائة.
وفى هذا السياق، قالت راندا حامد، الخبير الاقتصادى، إن «تراجع معدل التضخم العام يمثل تطورًا إيجابيًا، إلا أن قراءة الرقم السنوى تحتاج إلى النظر بالتوازى مع حركة الأسعار على أساس شهرى، وجزء من التراجع فى المعدل السنوى يرتبط بأثر قاعدة المقارنة المرتفعة فى العام السابق، والصورة الأدق تظهر عند متابعة التغير الشهرى، خاصة أن الرقم القياسى العام للأسعار استقر عند 289.8 نقطة خلال أغسطس دون تغير يُذكر عن يوليو».
وأضافت أن «استمرار هذا الاستقرار الشهرى لعدة أشهر متتالية سيكون عاملاً مهمًا فى منح البنك المركزى الثقة اللازمة لإعادة تقييم مستويات أسعار الفائدة»، موضحة أن «التحسن فى قراءة شهر واحد لا يكفى بمفرده لاتخاذ قرار بشأن خفض العائد»، ومؤكدة أن بيانات التضخم الشهرية والسنوية تمثل أحد أهم المؤشرات التى تستند إليها لجنة السياسة النقدية عند اتخاذ قراراتها، إلى جانب توقعات التضخم خلال الفترة المقبلة، ومسار سعر الصرف والأوضاع التمويلية الخارجية.
وأشارت «راندا»، إلى أن «العلاقة بين انخفاض التضخم وأسعار الفائدة ليست آلية أو فورية؛ إذ لا يستجيب البنك المركزى لرقم شهرى منفرد، وإنما ينظر إلى استمرارية الاتجاه التراجعى للتضخم على مدار عدة أشهر ومدى اقترابه من المستويات المستهدفة»، لافتة إلى أن «لجنة السياسة النقدية أبقت فى اجتماعيها الأخيرين على أسعار العائد الأساسية دون تغيير عند 19 فى المائة للإيداع لليلة واحدة و20 فى المائة للإقراض لليلة واحدة، و19.50 فى المائة لسعر العملية الرئيسية»، وموضحة أن «استمرار مستويات الفائدة الحالية يعكس توجه البنك المركزى نحو التثبيت والتأكد من رسوخ الاتجاه التراجعى للتضخم قبل اتخاذ أى خطوة جديدة».
كما أوضحت أن «مستوى الفائدة المناسب فى المرحلة الحالية هو الذى يحافظ على فائدة حقيقية موجبة بما يكفى لدعم الجنيه وجذب الاستثمارات، دون الاستمرار فى كبح النشاط الاقتصادى بصورة أكبر من اللازم»، مشيرة إلى أن «استمرار الفائدة عند مستوياتها المرتفعة يسهم فى كبح الطلب الكلى والحد من نمو السيولة، وهو ما يدعم استمرار المسار النزولى للتضخم على المدى المتوسط بشرط عدم ظهور صدمات خارجية جديدة خاصة المتعلقة بأسعار الطاقة أو سعر الصرف».
وحول اتجاه السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، توقعت «راندا» أن يظل سيناريو تثبيت أسعار الفائدة هو الأقرب فى الاجتماع المقبل، مع استمرار البنك المركزى فى مراقبة بيانات التضخم خلال الأشهر المقبلة، موضحة أن «قرار اجتماع المركزى، سيتأثر بمدى استمرار الاتجاه النزولى للتضخم وتطورات الأوضاع الجيوسياسية وأسعار الطاقة، والسيناريو الأقرب هو استمرار التثبيت فى المدى القريب».
واختتمت بقولها: مسار التضخم خلال الأشهر المقبلة سيكون العامل الحاسم فى تحديد توقيت أى تحرك للفائدة خاصة مع احتمالية تعرض معدلات التضخم لبعض التذبذبات المؤقتة قبل استئناف اتجاهها النزولى، وهو ما يجعل التريث فى خفض العائد هو السيناريو الأكثر ترجيحًا فى الوقت الحالى.
وفى المقابل، توقعت مؤسسة S&P Global Market Intelligence أن يؤجل البنك المركزى المصرى استئناف دورة خفض أسعار الفائدة إلى الربع الرابع من 2026، فى ظل استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة وتجاوزه مستهدفات البنك المركزى، إلى جانب احتمال استمرار تأثر معدلات التضخم بضغوط أسعار الطاقة وتداعيات التطورات الجيوسياسية الإقليمية.
وقال جميل نعيم، المدير المساعد لاقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن «تراجع التضخم رغم إيجابيته، لا يزال بحاجة إلى مزيد من الاستمرارية حتى يصبح خفض الفائدة خيارًا أكثر وضوحًا أمام البنك المركزى، خاصة مع استمرار المخاطر المرتبطة بالطاقة وسعر الصرف والتطورات الإقليمية».
أما المركزى الأوروبى فهو يواجه ضغوطًا مرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة والنفط على خلفية التوترات الجيوسياسية، وكان البنك المركزى الأوروبى رفع أسعار الفائدة للمرة الثانية خلال عام 2026، بواقع 25 نقطة أساس إضافية لتصل الفائدة الرئيسية إلى 2.65 فى المائة، فيما تبلغ الفائدة على الإيداع 2.5 فى المائة.
ويأتى القرار فى ظل تصاعد الضغوط التضخمية مع ارتفاع أسعار الطاقة والنفط على خلفية التوترات فى الشرق الأوسط ما يزيد مخاطر انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات، ويعكس رفع الفائدة توجه البنك المركزى الأوروبى إلى مواصلة تشديد السياسة النقدية لاحتواء التضخم وإعادته إلى مستهدفه البالغ 2 فى المائة على المدى المتوسط، رغم المخاوف من تأثير ارتفاع تكاليف الاقتراض على النمو الاقتصادى.