وتعتمد الدولة فى تحقيق هذه المستهدفات على توسيع قاعدة الموردين المحليين ودعم الصناعات المغذية التى تشمل المكونات الميكانيكية والكهربائية والزجاج والفرش وغيرها، إلى جانب نقل التكنولوجيا الحديثة وتأهيل الشركات المحلية لتتوافق منتجاتها مع المواصفات والمعايير الدولية، وتتزامن جهود تعميق التصنيع المحلى مع حزمة من الحوافز الحكومية تشمل التيسيرات الضريبية والجمركية المرتبطة بنسب المكون المحلى والقيمة المضافة، فضلا عن توفير الأراضى المرفقة وتيسير الإجراءات أمام الاستثمارات الجديدة بما يستهدف جذب كبرى الشركات العالمية وتعزيز قدرات الإنتاج المحلى، ولا يقتصر مردود هذه الخطوات على تلبية احتياجات السوق المحلية فحسب بل أيضا خفض فاتورة استيراد مكونات السيارات، وفتح الباب أمام زيادة الصادرات من السيارات والمكونات المصنعة محليا، وتعزيز حضور الصناعة المصرية فى الأسواق الإفريقية والإقليمية.
وفى هذا الإطار، قال المستشار أسامة أبو المجد، رئيس رابطة تجار السيارات، ونائب رئيس شعبة السيارات بالغرفة التجارية، إن هناك خلطا شائعا بين نسبة المكون المحلى وبين القيمة المضافة لتصنيع السيارات فى مصر، فالقيمة المضافة والتى هى مفهوم أشمل يتضمن القطع والمكونات الخام التى تنتجها الصناعات المغذية المحلية بشكل مباشر والعمالة المصرية وحجم العمليات الفنية داخل المصانع تشمل 40 فى المائة، والنسبة قابلة للزيادة فى ظل الهدف الاستراتيجى للوصول إلى 60 فى المائة من القيمة المضافة، وتحقيق نسبة 60 فى المائة من القيمة المضافة تمنح السيارة المصرية رسمياً شهادة منشأ ناتجة عن تصنيع حقيقى، وليس مجرد تجميع، وهو ما يعطى المنتج المصرى ميزة تنافسية كبرى وقدرة على التصدير بامتيازات تفضيلية بشكل مماثل للتجربة المغربية فى تصنيع السيارات.
وعن المكونات التى يتم تصنيعها داخل مصر بكفاءة، أكد «أبو المجد»، أن «مصر تمتلك خبرة تراكمية تمتد لسنوات طويلة فى تصنيع العديد من المكونات والأجزاء المغذية، والوصول بها إلى نسبة تفوق 20 فى المائة كمكونات صلبة وتتجاوز 40 فى المائة كقيمة مضافة إجمالية بإضافة العمالة والتجميع وبعض الأنظمة الكهربائية والأجزاء الهيكلية، وأهم المكونات الحاكمة هما المحرك «الموتور» وناقل الحركة (الجيربوكس/ الفتيس)، فهما السبيل الوحيد لكسر هذا الحاجز، وطالما لم نقم بتصنيع «الموتور» و«الفتيس» محلياً ستظل النسبة دون 60 فى المائة، لكن المشكلة تتمثل فى نقل المعرفة والتكنولوجيا عبر شراكات دولية من أجل نقل الجانب التكنولوجى لتصنيع الأجزاء المعقدة، ولا بد أن يتم زيادة حجم الإنتاج من أجل خفض تكلفة القطعة الواحدة مقارنة بالمستورد، وكلما زاد حجم الإنتاج الكلى للسيارات انخفضت التكلفة التنافسية للمكون المحلى».
وأوضح «أبو المجد» أن «الحكومة قدمت عددا من الحوافز لكن لتحقيق قفزة حقيقية يحتاج القطاع حزمة تشريعات تشمل زيادة الإعفاءات الضريبية للمستثمرين فى القطاع، وإعفاءات جمركية كاملة وشاملة لقطع الغيار ومكونات الإنتاج لتهيئة بيئة جاذبة للمستثمر الأجنبى لضخ رؤوس أموال ضخمة، وهناك فرصة كبيرة أمام مصر للتحول إلى مركز إقليمى لتصنيع وتصدير مكونات السيارات، تكمن هذه الفرصة فى أن الصين فقدت حصص صادرات ضخمة فى السوق الأمريكى تصل لمئات المليارات وتبحث عن أسواق ومراكز بديلة ومراكز تصنيعية بالشرق الأوسط، وتعد مصر الخيار الأول لها، لكن هذه الفرصة تتطلب أن تلتزم مصر باستقطاب شركات عالمية ونقل المعرفة والتكنولوجيا وتقديم بيئة تشريعية وجمركية جاذبة وزيادة الطاقة الإنتاجية للمصانع وتقليل تكلفة القطعة والتنافس مع الأسواق المجاورة كالسوق التركية والمغربية».
من جانبه، أكد علاء السبع، رئيس شعبة السيارات باتحاد الغرف التجارية، على ضرورة التفرقة بين نسبتين مختلفتين فنسبة الـ20 فى المائة تعبر عن المكونات المحلية المستخدمة فى تصنيع السيارة بينما تشير نسبة الـ40 فى المائة إلى القيمة المضافة، والتى لا تقتصر على المكونات المحلية فقط وإنما تشمل أيضا عمليات التصنيع والعمالة وغيرها من الأنشطة المرتبطة بإنتاج السيارات، والأهم خلال المرحلة المقبلة أن يتم زيادة قاعدة المكونات المحلية عبر رفع الطاقة الإنتاجية للصناعات المغذية، وزيادة حجم العمالة من الأيدى العاملة المصرية على أن يتوازى معها تقديم حوافز حقيقة للمصنعين، مع عقد اتفاقات مع شراكات سيارات عالمية، ليتم نقل التكنولوجيا والخبرات إلى سوق تصنيع السيارات فى مصر من أجل توطين هذه الصناعة، والوصول إلى النسب المستهدفة السابقة، سواء المكون المحلى أو القيمة المضافة يتطلب إنشاء استثمارات جديدة وتوسيع القدرة الإنتاجية فى المصانع الحالية، والأهم هو توطين التكنولوجيا الحديثة فى تصنيع السيارات وجذب استثمارات أجنبية.
وأشار إلى أن «مصر لديها قاعدة جيدة فى عدد من الصناعات المغذية للسيارات يمكنها زيادة الاعتماد عليها وتوسيع طاقاتها الإنتاجية، خاصة فى مكونات الهيكل والصاج والزجاج والإطارات والبطاريات والضفائر الكهربائية وبعض الأجزاء البلاستيكية والمطاطية والمقاعد وبعض المكونات الداخلية، والتحدى أمام توطين صناعة السيارات يكمن فى الوصول إلى جودة ومواصفات وأسعار تنافسية عالمياً تسمح باستخدامها فى السيارات المنتجة محلياً والتوسع فى الأسواق التصديرية، وهناك مكونات ذات تكنولوجيا مرتفعة تحتاج إلى استثمارات كبيرة وخبرات متخصصة وشراكات مع شركات عالمية فى مقدمتها مكونات منظومة المحرك وناقل الحركة «الفيتس» والإلكترونيات ووحدات التحكم وأشباه الموصلات وأنظمة السلامة المتقدمة والمكونات المرتبطة بالسيارات الكهربائية».
ولفت «السبع» إلى أن «امتلاك تكنولوجيا هذه المكونات يأتى عن طريق الاتفاقات مع الشركات العالمية، فليس الغرض جذب مصنع لتجميع أجزاء السيارات وإنما شراكات تنقل التكنولوجيا والمعرفة والتدريب إلى السوق المصرية، كما أن حجم السوق ومعدلات الإنتاج من العناصر الهامة والفارقة جداً، فكلما زاد حجم الإنتاج المحلى انخفضت تكلفة المكون وتحسنت قدرته على المنافسة، لهذا نحتاج لزيادة حجم الطلب على المنتج المحلى، وتوفير تمويل واستثمارات وتدريب عمالة وتحديث تكنولوجيا وربط المصانع المحلية بشركات السيارات العالمية، على أن يتم النظر إلى المكون المحلى باعتباره هدفا فى حد ذاته بل ويجب أن يكون مكوناً قادراً على المنافسة والتصدير.
وطالب «السبع» بالانتقال من مرحلة الحوافز العامة إلى الحوافز المرتبطة بنتائج فعلية فى التوطين والقيمة المضافة والتصدير، فالحوافز الحكومية تمثل خطوة مهمة ووجود إطار واضح لصناعة السيارت أمر إيجابى، لكن توطين صناعة السيارات يتطلب حوافز حقيقية ومستقرة لسنوات عدة تتمثل فى تسهيلات الأراضى والتمويل والإجراءات وسرعة إصدار التراخيص وسياسات جمركية وضريبية واضحة ومستقرة، والمؤشر الحقيقى لتوطين صناعة السيارات ونمو الصناعات المغذية والقيمة المضافة لها هو قدرة الصناعة على المنافسة عالمياً، وتصدير مكونات وسيارات إلى الأسواق الخارجية، وهنا يمكننا القول إن استراتيجية التوطين حققت نجاحاً حقيقياً.