لم تعد عضوية مصر فى تجمع «بريكس»، مجرد خطوة على خريطة التحالفات الاقتصادية الدولية، وإنما أصبحت فرصة للقاهرة لإعادة صياغة جزء من علاقاتها التجارية والاستثمارية والتمويلية مع مجموعة من الاقتصادات والأسواق الأكثر تأثيراً فى العالم، فالتكتل الذى يضم قوى اقتصادية كبرى يفتح أمام المنتج المصرى أسواقا أوسع، ويمنح مصر مساحة أكبر لجذب الاستثمارات، وتنويع مصادر التجارة والتمويل، والاستفادة من موقعها الاستراتيجى كمحور لحركة التجارة العالمية.
وفى الحوار التالى، يطرح الدكتور مصطفى أبو زيد، مدير مركز مصر للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، رؤيته لمسارات تعظيم استفادة مصر من «بريكس»، بدءا من زيادة الصادرات والاستثمارات، مروراً بتوطين التكنولوجيا وتعزيز الدور اللوجستى لمصر، وصولاً إلى إمكانية انعكاس هذه العضوية على تكلفة الاستيراد والإنتاج ومعدلات التضخم، كما يضع روشتة تنفيذية من خمسة محاور يمكن أن تساعد مصر على الانتقال من مرحلة العضوية إلى مرحلة جنى الثمار.. فإلى نص الحوار.
منذ عامين تقريبًا انضمت مصر إلى «تجمع بريكس».. برأيك ما الذى أضافته، والمنتظر أن تضيفه، هذه العضوية للاقتصاد المصري؟
انضمام مصر إلى «بريكس»، يفتح آفاقا أوسع أمام المنتجات المصرية للنفاذ إلى أسواق تضم نحو نصف سكان العالم وتمثل نحو 40 فى المائة، من الاقتصاد العالمى، بما يمنح المنتج المصرى فرصة أكبر للوصول إلى أسواق متنوعة، من بينها الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب إفريقيا والسعودية والإمارات، كما أن عضوية مصر فى التكتل تعزز كذلك فرص زيادة حجم التبادل التجارى مع دول «بريكس».
هل يمثل الموقع الجغرافى لمصر ميزة إضافية فى إطار عضويتها فى «بريكس»؟
بالتأكيد، الموقع الجغرافى لمصر يمثل عنصر قوة إضافيا داخل «بريكس»، خاصة من خلال قناة السويس والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التى يمكن أن تعزز مكانة مصر كمركز لوجستى وصناعى يخدم حركة التجارة بين دول التكتل والأسواق الإقليمية والدولية، كما أن وجود مناطق ومشروعات صناعية صينية وروسية داخل المنطقة الاقتصادية يمثل فرصة يمكن البناء عليها، من خلال جذب المزيد من الاستثمارات من دول «بريكس»، وتحويل مصر إلى قاعدة للإنتاج والتصدير إلى أسواق مختلفة.
ماذا عن بنك التنمية الجديد التابع لــ«بريكس»، وكيف يمكن لمصر الاستفادة منه؟
انضمام مصر إلى بنك التنمية الجديد التابع لتجمع «بريكس» يمثل فرصة مهمة للحصول على تمويلات ميسرة بتكلفة أقل مقارنة ببعض مصادر التمويل الأخرى، خاصة للمشروعات المرتبطة بالبنية التحتية والطاقة المتجددة، وهذا النوع من التمويل يمكن أن يدعم قدرة الاقتصاد المصرى على تنفيذ مشروعاته التنموية وتوفير التمويل اللازم لها، كما أن انخفاض تكلفة التمويل ينعكس على تكلفة تنفيذ المشروعات، وبالتالى يمكن أن يدعم النشاط الإنتاجى والاقتصادى بصورة أكبر.
ما مدى دقة ما أثير حول أن عضوية «بريكس» يمكن أن تساهم فى تقليل الاعتماد على الدولار؟
عضوية «بريكس»، تتيح مساحة أكبر للتعامل والتسوية التجارية بالعملات المحلية، وهو ما يمكن أن يساهم فى تقليل الاعتماد على الدولار فى جزء من المعاملات التجارية بين الدول الأعضاء، وتخفيف الطلب عليه، بما يعزز مرونة الاقتصاد المصرى فى مواجهة التقلبات والصدمات الخارجية، لكن المهم هو التوسع الفعلى فى استخدام هذه الآلية، بحيث لا تظل مجرد توجه، وإنما تتحول إلى معاملات تجارية حقيقية على نطاق أوسع.
ما أبرز القطاعات التى يمكن لمصر أن تستفيد منها فى زيادة صادراتها إلى الدول الأعضاء فى «بريكس»؟
أحد أهم المسارات المهمة للاستفادة من العضوية يتمثل فى زيادة الصادرات إلى أسواق دول التكتل، من خلال العمل على تسهيل حركة التجارة وخفض الحواجز والرسوم الجمركية، إلى جانب تحسين القدرة التنافسية للمنتج المصرى، بما يسمح بتحويل اتساع الأسواق التى أتاحتها عضوية «بريكس»، إلى زيادة فعلية فى الصادرات والإنتاج والاستثمار.
كذلك، تتمتع مصر بفرص فى عدد من القطاعات التى يمكنها النفاذ إلى أسواق «بريكس»، لكن الأمر يتطلب تحديد المنتجات التى تتمتع بميزة تنافسية، وزيادة الطاقة الإنتاجية، والاهتمام بالمواصفات والجودة، حتى نتمكن من تحويل اتساع الأسواق التى أتاحتها العضوية إلى زيادة فعلية فى الصادرات والإنتاج والاستثمار.
إلى أى مدى يمكن أن تحقق عضوية «بريكس» آثارا إيجابية على الاقتصاد المصرى خلال السنوات المقبلة؟
من المتوقع أن تحقق العضوية آثارًا إيجابية على الاقتصاد المصرى خلال السنوات المقبلة، خاصة مع استمرار نمو حجم التبادل التجارى بين مصر ودول التكتل، والذى بلغ نحو 36،7 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، حيث إنه من أبرز المكاسب المنتظرة لعضوية «بريكس»، زيادة تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة من دول مثل الصين والهند وروسيا، إلى جانب الاستفادة من هذه الاستثمارات فى نقل وتوطين التكنولوجيا داخل الاقتصاد المصرى.
هل يمكن أن تدعم «بريكس» خطط مصر للتحول إلى مركز إقليمى للخدمات اللوجستية؟
نعم، فالتعاون مع عضوية «بريكس»، يمكن أن يعزز مكانة مصر كمركز إقليمى للخدمات اللوجستية، مستفيدة من موقعها الجغرافى الذى يربط أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا، إلى جانب ما تتمتع به من بنية أساسية وممرات تجارية مهمة، حيث قناة السويس والمنطقة الاقتصادية تمثلان فى هذا السياق نقطة قوة مهمة يمكن استثمارها بصورة أكبر فى جذب الاستثمارات والصناعات المرتبطة بالتجارة والنقل والخدمات اللوجستية.
هل ستسفيد القطاعات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعى والطاقة النظيفة والصناعات الدوائية؟
التعاون مع دول التكتل يتيح لمصر فرصة لتنويع هيكل الاقتصاد من خلال التوسع فى مجالات وقطاعات جديدة، وفى مقدمتها الذكاء الاصطناعى والصناعات الدوائية والطاقة النظيفة، بما يدعم التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على مواجهة المتغيرات الاقتصادية العالمية، حيث إن تعظيم هذه المكاسب يتطلب تحويل فرص التعاون التى توفرها عضوية «بريكس»، إلى مشروعات واستثمارات فعلية، بما يضمن أن ينعكس نمو العلاقات الاقتصادية مع دول التكتل على الإنتاج والتشغيل ونقل التكنولوجيا وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد المصرى.
من واقع متابعتك.. ما الرؤية التى يجب أن تتحرك من خلالها مصر لتعظيم الاستفادة من عضويتها فى «بريكس»؟
مصر تمتلك رؤية طموحة للاستفادة من عضويتها فى «بريكس»، حيث ما أعلنه الرئيس عبدالفتاح السيسى بشأن تطلعات مصر خلال مشاركته فى قمة التجمع مطلع هذا الأسبوع، خاصة فى ضوء ما يمكن أن تطرحه القاهرة من أولويات حال توليها رئاسة «بريكس»، والتحرك المصرى يمكن أن يتركز على مسارين رئيسيين، أولهما استقطاب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات الأجنبية المباشرة من دول التكتل، خاصة فى ظل الإجراءات والتيسيرات التى اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لتحسين مناخ الاستثمار وزيادة جاذبية السوق المصرية، أما المسار الثانى فيتمثل فى الاستفادة من خفض الرسوم والحواجز الجمركية بين الدول الأعضاء، بما يسهم فى زيادة نفاذ المنتجات المصرية إلى أسواق «بريكس»، وتعزيز قدرتها التنافسية، ومن ثم زيادة الصادرات المصرية إلى هذه الأسواق.
هل سرعة التنفيذ هى العامل الحاسم فى تحديد حجم استفادة مصر من «بريكس»؟
بالتأكيد، سرعة الانتقال من مرحلة التنسيق إلى مرحلة تنفيذ مشروعات واتفاقات محددة ستظل العامل الحاسم فى تحديد حجم العائد الذى يمكن أن تحققه مصر من عضوية التجمع، خاصة أن اتساع الأسواق وحده لا يكفى ما لم يصاحبه تحرك منظم لزيادة الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتحويل الفرص المتاحة إلى مشروعات فعلية.
هل يمكن أن يشعر المواطن المصرى بشكل مباشر بمكاسب عضوية «بريكس»؟
عضوية مصر فى تجمع «بريكس»، يمكن أن تنعكس بصورة إيجابية على المواطن وأسعار السلع، إلا أن حجم هذا التأثير سيظل مرتبطا بمدى تفعيل الأدوات والآليات التى تتيحها العضوية، وتحويلها إلى معاملات ومشروعات فعلية، فعلى سبيل المثال، التوسع فى استخدام العملات المحلية فى تسوية المعاملات التجارية بين دول «بريكس»، يمكن أن يساهم فى خفض تكلفة الاستيراد وتقليل الضغط على الدولار، بما يتيح استيراد السلع والمنتجات بتكلفة أقل، وهو ما قد ينعكس تدريجياً على أسعارها فى السوق المصرية.
هل يقتصر الأمر على السلع النهائية التى يشتريها المواطن؟
لا، الاستفادة لا تقتصر على السلع النهائية، وإنما تمتد إلى مستلزمات الصناعة والإنتاج المستوردة من دول التكتل، حيث إن انخفاض تكلفة هذه المدخلات يمكن أن يؤدى إلى خفض تكلفة الإنتاج المحلى، وبالتالى إتاحة المنتجات للمستهلك بأسعار أكثر تنافسية، كما أن خفض تكلفة الاستيراد ومستلزمات الإنتاج يمكن أن يساهم كذلك فى الحد من الضغوط الناتجة عن التضخم المستورد، بما يدعم تراجع معدلات التضخم.
إذا أردنا وضع خطة عملية لمصر خلال السنوات الثلاث المقبلة.. ما أهم الخطوات التى تقترحها لتعظيم مكاسب «بريكس»؟
هناك خمسة محاور رئيسية يمكن التحرك من خلالها:
إطلاق برنامج صادرات مخصص لأسواق «بريكس».. حيث إنه من المهم إطلاق برنامج متخصص لزيادة الصادرات المصرية إلى دول التكتل، من خلال تحديد قائمة تضم 10 إلى 15 منتجا مصريا تتمتع بقدرة تنافسية فى هذه الأسواق، مع تقديم حوافز محددة للمصدرين، وربطها بنسبة مكون محلى واضحة، كما يجب دعم الشركات المصرية فى المشاركة بالمعارض الخارجية والتسويق لمنتجاتها، إلى جانب إنشاء مكاتب تجارية متخصصة تكون مهمتها متابعة عمليات التصدير، وتحقيق المستهدفات، والتدخل السريع لتذليل العقبات التى تواجه الشركات المصرية، وإعداد محفظة مشروعات جاهزة للتمويل.. حيث يجب إعداد محفظة من المشروعات القابلة للتمويل من بنك التنمية الجديد فى قطاعات الأمن الغذائى والطاقة المتجددة والنقل واللوجستيات والتصنيع المشترك، للاستفادة من التمويلات منخفضة التكلفة، بما يساعد على تقليل تكلفة تنفيذ المشروعات والإنتاج، ويدعم جهود خفض التضخم.
وماذا أيضاً؟
إلى جانب التوسع فى المناطق الصناعية المشتركة.. فمن المهم التوسع فى إنشاء مناطق صناعية بالتعاون مع دول «بريكس»، على غرار المناطق الصناعية الصينية والروسية فى مصر، مع التركيز على صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، وفى مقدمتها الصناعات الثقيلة والإلكترونيات والأدوية والسيارات، وهذه المناطق يمكن أن تسهم فى جذب تدفقات استثمارية وزيادة موارد النقد الأجنبي، إلى جانب خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وزيادة الطاقة الإنتاجية والصادرات المصرية، وكذا دمج الشركات المصرية فى سلاسل القيمة.. وهنا أقول إنه يجب العمل على ربط الشركات المصرية بمنصات التوريد وسلاسل الإنتاج فى دول «بريكس»، ودعم التحول الصناعى ورفع جودة المنتجات، مع مساعدة الشركات على الحصول على شهادات الجودة الدولية، وتنفيذ هذا المسار من خلال برنامج متكامل لدمج مصر فى سلاسل القيمة العالمية لدول «بريكس»، يمكن أن يعزز تنافسية المنتجات المصرية، ويفتح أمامها فرص أكبر للنفاذ إلى الأسواق الدولية.
وأيضاً التوسع فى التجارة بالعملات المحلية، حيث يجب التوسع فى تفعيل المعاملات التجارية بالعملات المحلية مع دول «بريكس»، خاصة الدول التى يميل الميزان التجارى معها لصالحها، مثل الصين والهند وروسيا، وزيادة الاعتماد على العملات المحلية فى تسوية جزء من المعاملات التجارية يمكن أن يساعد فى خفض تكلفة الواردات وتقليل الطلب على الدولار، بما يدعم استقرار سوق الصرف وتحسين قدرة الاقتصاد المصرى على مواجهة الضغوط الخارجية.