«انقطاع سلاسل الإمداد العالمية»، واحد من الآثار الجانبية التى ظهرت مع تزايد معدلات الصراع فى العالم، وبدأت العديد من الدول فى وضع «خطط بديلة» للتجاوب مع المعطيات الجديدة التى فرضتها الصراعات والحروب، وهناك أيضا من بدأ فى البحث عن «طرق آمنة» يضمن من خلالها عدم انقطاع سلاسل الإمداد الخاصة به، هذا إلى جانب البحث عن فرص جيدة صالحة لـ«الاستثمار»، وهنا تصدرت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس المشهد كواحدة من أهم الفرص الاستراتيجية لمصر.
«اقتصادية قناة السويس»، بموقعها الفريد على ممر يمر عبره نحو ثلث التجارة العالمية، وبما تمتلكه من مناطق صناعية وموانئ ومقومات لوجستية، تبرز كمرشح رئيسى للتحول إلى حاضنة للصناعات التصديرية لدول إفريقيا والشرق الأوسط، ومركز إقليمى لإعادة التصدير والتوزيع، ومع تنامى الاستثمارات الصينية والهندية والروسية فى إطار تجمع البريكس، وتوقيع خطاب نوايا لمشروع إطارات صينى باستثمارات تقديرية 500 مليون دولار، يرى خبراء الاقتصاد أن المنطقة قد تكون الرابح الأكبر من هذا التكتل، إذا ما توافرت شروط الأمن والاستقرار وتطوير البنية التحتية والحوافز الجاذبة.

وفى هذا الإطار قال الدكتور السيد خضر، الخبير الاقتصادى، إن «المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تعد الرابح الأكبر من قمة البريكس»، مشيراً إلى إمكان تحويلها إلى سوق حاضن لقائمة طويلة من الصناعات التصديرية لدول القارة الإفريقية والشرق الأوسط، فى ظل الحروب والصراعات التى تقطع سلاسل الإمداد فى أماكن كثيرة.
وأوضح «خضر» أن «المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل الذراع التنفيذية لاستفادة مصر من عضوية البريكس، فبعضوية مصر فى التجمع، أصبحت المنطقة محورًا لشراكات اقتصادية ضخمة، إذ تمتلك شراكات قائمة مع دول المجموعة، خاصة الصين والهند، التى شكلت 45 فى المائة من إجمالى تعاقدات المنطقة، وتضم المنطقة أربع مناطق صناعية وستة موانئ بحرية تمثل بنية تحتية متكاملة، ما يجعلها مركزًا لوجستيًا يخدم 20 فى المائة من حركة نقل الحاويات عالميًا، وتتويجًا لهذه المكانة، استقطبت المنطقة استثمارات تراكمية تجاوزت 16 مليار دولار حتى أبريل 2026، منها 70 فى المائة استثمارات أجنبية من 28 دولة، وفى العام المالى 2025/2026 وحده، جذبت 117 مشروعًا جديدًا باستثمارات بلغت 7.3 مليار دولار».
وأكد «خضر» أن «الفترة الراهنة بالغة الصعوبة، خصوصاً بعد استيلاء جماعة الحوثى على نسبة كبيرة من باب المندب، وهو ما يؤثر على الأمن المائى فى البحر الأحمر، ويؤدى إلى انخفاض إيرادات قناة السويس، وتكبد مصر خسائر كبيرة، وشدد على أن ملف الأمن المائى فى البحر الأحمر يحتاج إلى وقفة جادة وإعادة نظر، وإلى مزيد من التأمين».
ولفت الخبير الاقتصادى، إلى أن «قمة البريكس قد تعيد الأمل مرة أخرى فى تطوير المنطقة الاقتصادية، وعودة الاستثمارات، لاسيما مع زيارة الصين الأخيرة التى قد يكون لها دور مهم فى جذب مزيد من الاستثمارات الصينية خلال الفترة المقبلة»، مشيرًا إلى أن «المنطقة تعمل على توطين صناعات متكاملة تستهدف التصدير، مدعومة بحوافز استثمارية تشمل الإعفاءات الضريبية والجمركية وخدمات الشباك الواحد، ومن أبرز المجالات: صناعة السيارات كمحطة قناة السويس لتداول السيارات (SCAT) فى شرق بورسعيد مصممة لتصبح منصة إنتاج وتصدير للسيارات، وبوابة استراتيجية لإفريقيا، والصناعات الصينية مثل منطقة «تيدا مصر» الصناعية التى تضم 160 شركة باستثمارات 2 مليار دولار، مع خطط لتوسيع التعاون لتشمل 200 شركة باستثمارات تصل إلى 4 مليارات دولار، والصناعات الروسية: المنطقة الصناعية الروسية داخل SCZONE تمثل محورًا لتعزيز التواجد الصناعى الروسى فى مصر، وصناعات نوعية جديدة كمشروعات مثل إنتاج البطاطين الكهربائية والمنسوجات البوليستر، وهو الأول من نوعه فى مصر والشرق الأوسط وإفريقيا».
وأضاف أن «مبادرة الحزام والطريق ستكون مهمة جداً فى دعم المنطقة الاقتصادية وعودة قناة السويس، باعتبار أن مصر وقناة السويس جزءاً مهماً من هذا الطريق الذى يعزز التجارة الدولية، كما أن المنطقة الاقتصادية تعد ركيزة من ركائز دعم الاقتصاد القومى، خاصة مع بدء مصر فى تطوير منظومة النقل واللوجستيات والموانئ، وتوسيع القاعدة الصناعية»، مشيرًا إلى أن «تحويل المنطقة الاقتصادية إلى حاضنة لصناعات تصديرية كبرى يتطلب تأمين البحر الأحمر، واستعادة الاستقرار، وتطوير البنية التحتية والموانئ، وتقديم حوافز جاذبة، وتعزيز الشراكات مع دول البريكس، وعلى رأسها الصين، ويأتى خطاب النوايا مع «ZC Rubber» ليشكل نموذجاً عملياً على هذا المسار».
واختتم «خضر» حديثه بقوله: رغم التحديات التى فرضتها الحروب والصراعات على حركة الملاحة فى البحر الأحمر، والتى أدت إلى انخفاض إيرادات قناة السويس بنسبة 54.1 فى المائة فى الفترة من يوليو 2024 إلى مارس 2025، إلا أن المنطقة الاقتصادية أثبتت مرونتها، وتجلى ذلك فى تنويع مصادر الدخل حيث ركزت المنطقة على التصنيع والتصدير بدلًا من الاعتماد على رسوم العبور فقط، وجذب استثمارات جديدة؛ حيث استمر تدفق الاستثمارات إذ بلغت 5.1 مليار دولار فى النصف الأول من 2025/2026 مقابل 4.6 مليار دولار فى الفترة المماثلة 2024، وتعزيز البنية اللوجستية من خلال افتتاح محطات بحرية جديدة فى شرق بورسعيد، التى أصبحت أكبر ميناء حاويات فى إفريقيا والثالث عالميًا ضمن نطاق المنطقة.
وفى تطور حديث يعزز هذا التوجه، كان قد شهد الدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، ومصطفى شيخون، رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بمقر وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، مراسم توقيع خطاب نوايا بين الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومجموعة تشونغتسه للمطاط (Zhongce Rubber Group Co., Ltd. – ZC Rubber)، بشأن بحث إمكانية إنشاء مجمع صناعى متكامل لتصنيع الإطارات داخل منطقة السخنة الصناعية، باستثمارات تقديرية تبلغ نحو 500 مليون دولار، وعلى مساحة تُقدَّر مبدئيًا بنحو 600 ألف متر مربع، مع استهداف توجيه نحو 95 فى المائة من الإنتاج للتصدير، ويستهدف المشروع المقترح إقامة مجمع متكامل يضم خطوطًا لتصنيع الإطارات والأنشطة الصناعية والخدمية واللوجستية المرتبطة بها، على أن يتم تنفيذ المشروع على ثلاث مراحل، بما يدعم التوسع فى الإنتاج وخدمة الأسواق الإقليمية والدولية.
وأشار رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى أن «توجه الهيئة يرتكز على جذب الاستثمارات الصناعية النوعية، وتعميق التصنيع المحلى، وتوطين الصناعات ذات القيمة المضافة، والاستفادة من المقومات التنافسية التى تتمتع بها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، خاصة منطقة السخنة الصناعية».
وأضاف «شيخون» أن «التعاون مع مجموعة «ZC Rubber» يعكس ما تتمتع به المنطقة الاقتصادية لقناة السويس من قدرة على استقطاب الشركات الصناعية الكبرى، خاصة فى ضوء تنامى الاستثمارات الصينية بالمنطقة، مؤكدًا حرص الهيئة على دعم المستثمرين خلال مراحل دراسة المشروعات واستيفاء متطلباتها الفنية والاستثمارية، بما يسهم فى تهيئة البيئة المناسبة لتنفيذ المشروعات الصناعية وفقًا للقوانين والإجراءات المنظمة».
وأوضح أن «اختيار منطقة السخنة الصناعية لدراسة إقامة هذا المشروع يأتى فى ضوء ما تتمتع به من مقومات متكاملة تخدم الصناعات الكبرى، وتوفر اتصالًا مباشرًا بالأسواق ومراكز التجارة العالمية، بما يدعم فرص نجاح المشروعات الصناعية وتوسعها مستقبلًا».

وفى قراءة تحليلية مكملة، أكد الأستاذ الدكتور حسين سالم، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن «المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تعد أحد أهم روافد التنمية والنهوض الاقتصادى فى مصر، ومحوراً استثمارياً عالمياً بموقع فريد ومتميز بجوار ممر قناة السويس الذى يمر عبره نحو ثلث التجارة العالمية، وتبلغ مساحتها نحو 500 كيلومتر مربع على ضفاف القناة، وتقوم على محاور تنموية صناعية ولوجستية وخدمية تخدم الممر البحرى، إضافة إلى كونها منطقة لوجستية مركزية، وتتكون من أربع مناطق صناعية كبرى وستة موانئ بحرية، من بينها ميناء شرق بورسعيد الذى يُعد العاشر عالمياً».
وأشار «سالم» إلى أن «الدولة أولت هذه المنطقة اهتماماً كبيراً، وأهلتها تجهيزياً وترفيقياً وتنموياً، وربطتها بباقى أنحاء مصر عبر شبكة طرق حديثة ومتطورة، والقطار الكهربائى، وقد جذبت المنطقة حتى الآن استثمارات تقدر بنحو 20 مليار دولار، وتوفر نحو 150 ألف فرصة عمل، وتم إنشاء منطقة صناعية صينية (تيدا)، ويجرى الاتفاق عبر قمة البريكس على إقامة منطقة صناعية هندية أيضاً، ويوجد حالياً 75 مصنعاً هندياً و200 مصنع صينى فى المنطقة الاقتصادية»، موضحًا أن «دول البريكس الكبرى، وعلى رأسها الصين والهند، كان لها النصيب الأكبر فى المنطقة الاقتصادية، إذ بلغت الاستثمارات الصينية المباشرة نحو 10 مليارات دولار، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 20 مليار دولار خلال خمس سنوات، بحلول عام 2030، وإلى جانب المصانع الصينية فى المنطقة، هناك نحو 4000 شركة صينية فى مصر تعمل فى مجالات إطارات السيارات، والبطاريات، وهياكل السيارات، والسيارات الكهربائية، وصناعة السيارات عموماً، والطاقة الجديدة والمتجددة، وتحلية المياه، والصناعات الدوائية، والتحول الرقمى وغيرها، كما يوجد فى السوق المصرى 15 علامة صينية للسيارات، وتضم المنطقة الاقتصادية المنطقة الصينية المعروفة بـ«تيدا»، وتم الاتفاق على توسعتها خلال لقاءات قمة البريكس من أجل تعميق وتوطين الصناعة على أرض مصر بالتكنولوجيا الصينية».
وتابع: أما الهند، فلها 75 مصنعاً فى المنطقة الاقتصادية تعمل فى الصناعات الكيماوية والبتروكيماوية والبلاستيكية والمستلزمات الصناعية والغذائية والأدوية واللقاحات والمنتجات الغذائية، ويستهدف توطين الصناعة فى المنطقة الاقتصادية وتعزيز الخدمات اللوجستية على ضفافها ليس التصدير إلى إفريقيا فقط، بل إلى العالم العربى وأوروبا وكافة أنحاء العالم، كمنتجات مصرية بتكنولوجيات صينية وهندية تُصنع على أرض مصر ثم تُصدَّر.
ولفت «سالم»، إلى أنه «أمام مصر فرصة ذهبية للانتفاع الكبير بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فى ظل التوترات الراهنة فى المنطقة الناتجة عن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران والرد الإيرانى على المصالح الأمريكية، فقد أصبح هناك ضرر كبير على ميناء دبى، الذى كان يستقبل التجارة القادمة من شرق آسيا كنقطة ارتكاز، ثم يعيد توزيعها إلى دول الشرق الأوسط، ومع التوترات والصراعات وإغلاق مضيق هرمز، أصبح ميناء دبى ميناءً منفراً أو شبه محاصر، ما يحدث خللاً فى الإمداد والتموين، ومن ثم تبحث الشركات العالمية فى شرق آسيا عن بديل، والبديل هو مصر بما تمتلكه من مقومات وموانئ متعددة، مثل شرق بورسعيد والأدبية والعين السخنة والعريش ودمياط والإسكندرية، إضافة إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس».
كما شدد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى، على أن «مصر مؤهلة بقوة لتكون لاعباً محورياً فى الشرق الأوسط ومنطقة ارتكاز لاستقبال حجم التجارة القادمة من دول شرق آسيا مثل الصين والهند وسنغافورة وتايوان والفلبين وماليزيا وإندونيسيا واليابان وكوريا، ففى السابق كانت هذه الدول ترسى بضائعها فى ميناء دبى ثم توزعها على دول الشرق الأوسط، أما الآن ففى ظل التوترات وإغلاق مضيق هرمز والصراعات، أصبح ميناء دبى منفراً، والبديل هو مصر والمنطقة الاقتصادية وقناة السويس والموانئ المصرية والبنية التحتية المصرية».
كذلك، أشار إلى إمكان إقامة مشروعات مجاورة للمنطقة الاقتصادية، مثل مشروعات تحلية المياه، وتخزين الحبوب، لتكون مركزاً لوجستياً عالمياً لتخزين وتداول الحبوب مثل القمح، ومشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة والهيدروجين الأخضر، ويستنتج من ذلك كله أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس منطقة واعدة، وأن دول البريكس، وأهمها الصين والهند، استثمرت بالفعل استثمارات كبيرة فيها، ومن المتوقع ضخ مزيد من الاستثمارات لتكون منطقة توطين صناعة، وخدمات ولوجستيات، ومركزاً لتداول وتخزين الحبوب، ونقطة انطلاق للبضائع المصنعة والواردة إلى أوروبا وإفريقيا والعالم العربى وكافة بلدان العالم.
وأكد أن «المنطقة الاقتصادية تمتلك بالفعل مقومات كبيرة، إذ جذبت نحو 20 مليار دولار من الاستثمارات، وتضم مناطق صناعية صينية وهندية، وتستفيد من تنامى الاستثمارات الصينية والهندية والروسية، مع إمكان استقطاب استثمارات عالمية أخرى، كما أن التوترات الإقليمية، وإغلاق مضيق هرمز، تجعل من مصر والمنطقة الاقتصادية بديلاً مهما لميناء دبى كمركز لتجارة شرق آسيا وإعادة توزيعها فى الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا».
وخلص الدكتور حسين ياسر سالم إلى أن «المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كانت الرابح الأكبر من تكتل البريكس، إذ جذبت استثمارات من أهم دوله، مثل الصين والهند وروسيا، وبذلك ستكون منطقة واعدة، ليس فقط لدول البريكس فى توطين صناعاتها واستقطاب تكنولوجياتها الصينية والهندية والروسية، ولكن أيضاً لاستقبال استثمارات عالمية أخرى من ألمانيا وفرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة وكندا، بما يجعلها منطقة استثمارية عالمية ويساعد كثيراً فى النهوض الاقتصادى لمصر».