الدولة المصرية وقيادتها السياسية انتبهت مبكراً لهذه التحولات، ولتوسيع استخدام الجنيه مقابل اليوان والروبل فى معاملاتها التجارية والاستثمارية، فى الوقت التى استهدفت فيه كل من الصين وروسيا بناء آليات دفع بديلة وأكثر تنوعاً لتحقيق هدفها الاستراتيجى، وسعت القيادة السياسية بجرأة لعقد اتفاقيات تبادل العملات المحلية، إدراكاً منها لأهمية تنوع أدوات التمويل والمدفوعات الخارجية، دون اعتبارها بديلاً فورياً للدولار الأمريكى، وإنما اعتبارها مسارا تدريجياً يقلص مخاطر تقلبات أسعار الصرف ويعزز مرونة التجارة، فمبادلة العملات المحلية لا تقتصر على تسوية قيمة الواردات والصادرات، بل يمكن أن تمثل جسراً لتوطين الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وتوسيع الشراكات مع الأسواق الكبرى.
ومؤخرا تم تجديد اتفاقية التبادل التجارى بالعملات المحلية مع الصين لزيادتها إلى 30 مليار يوان بعد أن كانت 18 مليار يوان، ومدها ثلاث سنوات إضافية، وفى قمة تكتكل بريكس شهد لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسى والرئيس فلاديمير بوتين مناقشات لتسريع خطوات التسوية التجارية المبادلة بالجنيه والروبل.
أما لقاء الرئيس السيسى ونظيره الروسى فشهد صياغة آليات دفع بديلة والاعتماد على تبادل العملات المحلية فى التسويات التجارية، باعتباره التوجه الاستراتيجى الذى يدعمه تكتل «بريكس» وبنك التنمية الجديد لتقليل الاعتماد على الدولار وتخفيف مخاطر تقلبات الصرف.
فى هذا السياق، قال الدكتور خالد الشافعى، الخبير الاقتصادى، رئيس مركز العاصمة للأبحاث والدراسات الاقتصادية، إن «آلية مبادلة العملات المحلية والتوسع فى استخدامها بالتسويات التجارية تُعد خياراً استراتيجياً عملياً لتقليل الضغط على الموارد الأجنبية، وتهدئة الطلب المتزايد على الدولار فى السوق المصرية».
وحدد «الشافعى» أبعاد هذه الآلية وتأثيراتها الاقتصادية، بقوله:«تُسهم اتفاقيات تبادل العملات المحلية بشكل مباشر فى تقليل الشح الدولارى، حيث تتيح للبنك المركزى المصرى تمويل أجزاء مهمة من الفاتورة الاستيرادية باليوان الصينى والروبل الروسى دون الحاجة إلى المرور عبر الوسيط الدولارى، وهذا يوفر مليارات الدولارات سنوياً ويوجهها لخدمة الالتزامات الدولية والأقساط المستحقة، لاسيما عند النظر إلى قيمة اتفاقية المبادلة المجددة مع الصين البالغة 30 مليار يوان صينى (ما يعادل نحو 4.2 مليار دولار أمريكى)».
«د.خالد»، انتقل بعد ذلك للحديث عن الأثر الإيجابى لتطبيق هذه الآلية، موضحًا أنها «تعمل على خفض تكلفة الواردات من السلع الاستراتيجية، وتُجنب التاجر والمستورد المصرى رسوم فروق تحويل العملة المزدوجة (من الجنيه إلى الدولار ثم إلى الروبل أو اليوان) والعمولات المصرفية المعقدة، إضافة إلى الحماية من تقلبات سعر صرف الدولار».
كما أشار الخبير الاقتصادى، إلى أن «هذا يُترجم مباشرة على واردات القمح الروسى التى تتجاوز قيمتها 1.5 مليار دولار سنوياً، والمعدات والآلات الصينية التى تشكل جزءاً ضخماً من الواردات المصرية القادمة من الصين والتى تتجاوز قيمتها الإجمالية 12 إلى 13 مليار دولار سنوياً، مما يعكس استقراراً فى الأسعار المحلية للسلع الأساسية والمعدات الرأسمالية».
وعلى صعيد الحركة السياحية، أشار «الشافعى» إلى أن «تفعيل قبول العملات الوطنية يمنح السائحين الروس والصينيين مرونة كبيرة فى الإنفاق داخل المقاصد السياحية المصرية باستخدام بطاقاتهم المحلية أو آليات الدفع المباشرة بالروبل واليوان، وفائدة ذلك تكمن فى تحفيز زيادة التدفقات السياحية من هذين السوقين اللذين يمثلان مصدراً رئيسياً لآلاف السائحين سنوياً.
لكن الأهمية الكبرى كما وصفها «د.خالد» تكون لهذه التدفقات فى إغلاق الدورة النقدية، إذ تُستخدم المقبوضات والنفقات الناتجة عن السياحة بالروبل واليوان لتمويل عمليات استيراد السلع والخدمات من روسيا والصين دون الحاجة لتحويل تلك المقبوضات إلى عملات أجنبية أخرى.
ولضمان النجاح العملى لنظام الدفع المتبادل، قال «الشافعى»: تتطلب العملية ترتيبات مصرفية وخطوات تنفيذية محددة تتضمن إنشاء حسابات مقاصة متبادلة (Vostro/Nostro) بين البنوك المركزية والبنوك التجارية المعتمدة فى البلدان الثلاثة، ووضع أطر وآليات محددة وتقييم متفق عليه لتحديد أسعار الصرف المباشرة بين الجنيه واليوان والروبل بشكل دورى بعيداً عن تقويمها عبر الدولار، بالإضافة إلى الربط الفنى لشبكات المقاصة والمدفوعات الإلكترونية بين البنوك وتحديد خطوط ائتمان متبادلة لضمان استمرار سيولة العملات.
ولفت «د. خالد» إلى أن «انضمام مصر لتكتل «بريكس» يُتيح فرصة اندماج مالية واقتصادية واسعة، خصوصاً عند ربط أنظمة المدفوعات المصرية والتكامل مع النظام الصينى للمدفوعات عبر الحدود (CIPS) والنظام الروسى للمدفوعات (MIR أو SPFS)، ويتيح هذا الربط تنفيذ المعاملات المباشرة وتفادى العقوبات والمخاطر السياسية المالية المتزايدة المتصلة بنظام «سويفت» العالمى، مما يضمن تدفقاً سلسا للمدفوعات التجارية والمالية عبر الحدود بأمان وثبات».
«الشافعى»، فى سياق حديثه لم يتجاهل إبراز دور بنك التنمية الجديد (NDB) كذراع تمويلية حيوية، وقال:يركز البنك على تقديم قروض تمويلية وتسهيلات ائتمانية للمشروعات التنموية والبنية التحتية فى مصر بالعملة المحلية (الجنيه) أو بعشرات المليارات من العملات الوطنية للدول الأعضاء، ويقلل هذا الأسلوب التمويلى من التزامات مصر من الديون بالعملات الأجنبية الصعبة ويحمى القروض الاستثمارية من مخاطر تراجع أسعار الصرف، مع توجيه هذه التمويلات لنشاطات استثمارية وإنتاجية قائمة داخل الدولة.
ورغم هذه المزايا والتسهيلات، تقف مشكلة الخلل الكبير فى الميزان التجارى كعقبة رئيسية، كما بيَّن الخبير الاقتصادى حيث تميل الكفة بشكل ملحوظ لصالح الصين وروسيا بحجم صادرات صينية وروسية ضخم إلى مصر مقابل صادرات مصرية محدودة للغاية نحو هذين السوقين.
هذا التباين بحسب «د. خالد» يؤدى إلى تراكم فائض كبير من الجنيه المصرى لدى البنوك المركزية فى روسيا والصين دون وجود منافذ كافية لإعادة إنفاقه أو شراء منتجات مصرية به، مما يستدعى توجيه هذه الفوائض نحو الاستثمار المباشر داخل مصر، مثل شراء الأصول، أو ضخ استثمارات صينية وروسية فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، أو تمويل عقود الخدمات والسياحة لتغطية الفارق التجارى.
واختتم حديثه قائلاً : يؤثر التذبذب المستمر فى أسعار صرف الجنيه والروبل أمام العملات الرئيسية على التقييم العادل والمستقر لاتفاقيات المبادلة، وهو ما يمكن استيعابه من خلال وضع بند للتحوط وتعديل التقييم الدورى ضمن بنود الاتفاقيات، واستخدام سلة عملات أو وحدات تقويم استثمارية خاصة، وفيما يتعلق بالضغوط والعقوبات الدولية، فإن استخدام المـنـظـومات المصرفية المستقلة (مثل CIPS وSPFS) والاعتماد على التسويات الثنائية بالعملات الوطنية يحمى التعاملات المصرية الروسية الصينية من مخاطر التجميد أو الانقطاع الناجم عن العقوبات على نظام سويفت، مما يؤمن التجارة الخارجية المصرية ويضمن استدامتها».
الدكتور محمد أنيس، الخبير الاقتصادى، أوضح أن «الاتجاه نحو توسيع اتفاقيات تبادل العملات المحلية يمثل أداة لتيسير الحركة التجارية الثنائية بين الدول، لكن هذا التبادل يتطلب فهماً دقيقاً بالطبيعة الاقتصادية والاتفاقيات بين الدول التى تربط بشكل مباشر بمدى التوازن فى الميزان التجارى بين أطرافها»، لافتًا إلى أن «اتفاقيات تبادل العملات لها أبعاد عدة منها هدف اقتصادى وأخرى استراتيجى، لأنه فى حالة اختلال الميزان التجارى، وعدم وجود توازن تجارى ضخم بين الدولتين فى عملية تبادل العملات، فإن الطرف المصدّر لا يستفيد مباشرة من العملة المحلية للطرف المستورد لعدم حاجته إليها فى معاملاته الأخرى، ولكنه يسعى لتحقيق هدف استراتيجى».
وعن اتفاقية مبادلة العملة بين مصر والصين والذى تم تجديدها وزيادة قيمتها إلى 30 مليار يوان صيني، لمدة 3 سنوات إضافية قال الخبير الاقتصادى: تقوم الاتفاقية على توفير مبالغ بالعملة المحلية للطرفين لمدد زمنية، فى الاتفاق الجديد 3 سنوات، بما ينعكس على الجانب المصرى فى القدرة على تمويل وارداتها الحيوية من الشريك التجارى دون الحاجة للسيولة الدولارية، وهو ما يخفف الضغظ على النقد الأجنبى.
كما أشار إلى أن «استبدال التعامل الدولار باليوان الصيني، لا يلغى حقيقة أن اليوان عملة أجنبية تتطلب من الاقتصاد المصرى تنمية موارده الذاتية، وهنا تكون الاستفادة مقصورة على النطاق الإجرائى وتوفير أداة تجارية بديلة».
«د. محمد»، استبعد فكرة إصدار عملة موحدة لتكتل «بريكس»، مؤكدًا أن «مبادلة العملات المحلية أكثر واقعية منها ويمكن تحقيقها على أرض الواقع، والدليل اتفاقية مصر والصين ومد الاتفاقية مرة ثانية لثلاث سنوات»، وأرجع استبعاده لعملة لتكتل بريكس إلى أن إصدار عملة يتطلب توحيداً وتنسيقاً للسياسات النقدية والمالية، ووجود بنك مركزى موحد، وهياكل اقتصادية وسياسية، بل وثقافية متجانسة بين الدول الأعضاء، وهو ما تفتقده التكتلات المتباعدة جغرافياً وسياسياً، مضيفًا أن «البديل المتاح أمام الدول الأعضاء هو المسار العملى مثل التشاور المصرى الروسى والصينى على تشجيع استخدام العملات المحلية فى تسوية التبادل التجارى الثنائى فقط، فذكاء القيادة السياسية فى عقد هذه الاتفاقات والاستفادة منها قدر الإمكان والتوسع فى هذه المبادلات للعملات المحلية بين دول التكتل لتحقيق الاستفادة الأكبر».