رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مصر و«البريكس» شراكات متوازنة ومنافع متبادلة


17-9-2026 | 21:15

.

طباعة
تقرير: محمد رجب

«بريكس» واحدة من أهم التجمعات والتحالفات الدولية التى برزت على الساحة العالمية خلال السنوات الأخيرة لتكتب فصلا جديدا فى مسيرة التنمية العالمية التى تتجه نحو ظهور نمور اقتصادية جديدة تواجه تحديات الأزمات العالمية التى خلفتها الحروب فى أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وتداعياتها التى طالت الجميع، ومن ثم وضعت دول التجمع إطارا محددا يعمل على رفع معدلات التعاون والتبادل التجارى بين الدول الأعضاء ما يسمح بمواجهة هيمنة الدولار من خلال تفعيل اتفاقيات التبادل بالعملات المحلية وفق سياسات ومعايير تعمل على صالح شعوب التجمع.

 

جاءت مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى القمة الثامنة عشرة لتجمع بريكس، التى استضافتها نيودلهى مطلع الأسبوع الجارى فى توقيت يشهد فيه الاقتصاد العالمى العديد من التحديات، بداية من تصاعد الخلافات التجارية والعقوبات الاقتصادية، مرورًا باضطرابات أسواق الطاقة، وصولًا إلى الضغوط التى تواجه سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، ويرى الخبراء أن أهمية المشاركة المصرية من الجانب السياسى تأتى فى ظل اتساع نطاق تجمع بريكس وامتلاكه ثقلًا اقتصاديًا وسكانيًا كبيرًا، وهو ما يمنح القاهرة فرصة لتطوير علاقاتها التجارية والاستثمارية والمالية مع عدد من الاقتصادات الكبرى والصاعدة.

فى السياق، أكد الدكتور أحمد سيد أحمد، خبير العلاقات الدولية، أن «مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى القمة الثامنة عشرة لتجمع بريكس بالعاصمة الهندية نيودلهى تمثل خطوة استراتيجية بالغة الأهمية من حيث التوقيت والدلالات والمخرجات، فضلا عن أن انضمام مصر لهذا التكتل العملاق يعزز مسار دبلوماسية التنمية ويدعم التعافى الاقتصادى الوطنى عبر تنويع الشراكات الدولية والانفتاح على القوى الاقتصادية الصاعدة دون استبدال تحالف بآخر».

«د.أحمد»، أوضح أن «القمة عقدت فى توقيت بالغ الدقة يشهد فيه العالم توترات جيوسياسية متصاعدة وأزمات اقتصادية متراكمة بدأت بتداعيات جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، والعدوان على قطاع غزة، وصولًا إلى تهديدات الملاحة فى البحر الأحمر وإغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة والقمح وسلاسل الإمداد، ووسط هذا كله تعاملت مصر بمرونة وقدرة لافتة على إدارة هذه التحديات والحد من خسائرها مع استمرار معدلات النمو والمشروعات التنموية فى الداخل رغم تراجع العديد من اقتصادات المنطقة».

وأشار خبير العلاقات الدولية إلى أن تجمع بريكس يمثل أحد أكبر التكتلات المؤثرة فى المشهد الدولى حيث، يضم فى عضويته قوى كبرى مثل الصين (ثانى أكبر اقتصاد عالمي) والهند (رابع أكبر اقتصاد) وروسيا، ويستحوذ على أكثر من 40 فى المائة من حجم التجارة العالمية، ونحو نصف سكان الأرض، وما يقارب 60 فى المائة من الناتج الإجمالى العالمى، وهذه الأرقام تعكس الثقل التفاوضى للتجمع وقدرته على إعادة التوازن للنظام الاقتصادى العالمى وتوفير بدائل عملية لحماية مصالح الدول النامية.

كما لفت إلى أن تجمع بريكس يوفر عبر مؤسساته، وفى مقدمتها بنك التنمية، فرصًا تمويلية ميسرة وشروطًا أكثر عدالة لدعم خطط التنمية الوطنية، بعيدًا عن القيود والشروط المجحفة التى تفرضها المؤسسات المالية التقليدية كصندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية التى باتت بحاجة ملحة للإصلاح، مؤكدا أن حرص القيادة السياسية على توسيع شبكة العلاقات الدولية يهدف إلى تعظيم المزايا النسبية لمصر وجذب رءوس الأموال الأجنبية، بما ينعكس مباشرة على تحسين مستوى معيشة المواطن المصرى، كما أن الشراكة مع دول البريكس تفتح آفاقًا رحبة أمام نفاذ الصادرات والسلع المصرية إلى أسواق آسيوية ضخمة، وتمكن القطاع الخاص من الاستفادة من تجارب دول التكتل الرائدة فى مجالات التحول الرقمى، والذكاء الاصطناعى، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الأخضر، والأمن الغذائى، والنقل، ومبدأ مصر الدبلوماسى الراسخ يقوم على الشراكات المتوازنة القائمة على المنافع المتبادلة دون الانخراط فى استقطابات دولية.

بدورها، أوضحت الدكتورة نجوى سمك، أستاذة العلوم السياسية، أن «انعقاد قمة تجمع بريكس يكتسب أهمية استراتيجية بالغة فى توقيت يعانى فيه العالم من اضطرابات متصاعدة وفوضى واضحة فى إدارة النظام الدولى»، مضيفة أن «المنظومة الدولية تفتقر حالياً إلى القيادة الرشيدة والعقلانية الكفيلة بحفظ السلم والأمن، وتجمع بريكس يسعى لملء هذا الفراغ عبر فرض صيغة متوازنة للحوكمة العالمية الشاملة وتحقيق مفهوم الأمن التنموى العادل لكافة الشعوب».

«د.نجوى»، أكدت أن «السياسة الخارجية المصرية منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى عام 2014، رسخت مبدأين متكاملين، الأول هو التوازن الاستراتيجى عبر الانفتاح الدبلوماسى شرقاً وغرباً وبناء شراكات وثيقة مع القوى الكبرى ودول الجنوب دون الانخراط فى سياسة الاستقطاب، أما الثانى فهو الاتزان الاستراتيجى الذى يمثل منهجاً حكيماً يرفض الانجرار وراء الاستفزازات أو الدخول فى صراعات وحروب إقليمية، مع التمسك بالحلول الدبلوماسية كمسار وحيد لتحقيق الاستقرار، والقوى الكبرى فى التكتل مثل الصين والهند وروسيا تدرك جيداً الثقل المحورى لمصر بحكم موقعها الجغرافى الفريد الذى يربط قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، إلى جانب شريان قناة السويس الحيوى الذى يمنحها أفضلية استثنائية فى ظل ما يشهده العالم من تنافس على الممرات الملاحية والتجارية».

كما شددت على أن «نجاح الدولة المصرية فى تشييد بنية تحتية عملاقة ضمن مسيرة الجمهورية الجديدة عزز من جاهزيتها لاستقبال الاستثمارات العالمية الكبرى وتوطين سلاسل الإمداد».

من جانبه قال الدكتور محمود السعيد الخبير الاقتصادى، إن «الأرقام والإحصاءات تعكس بوضوح حجم الفرص الهائلة التى يتيحها التجمع لمصر، خاصة بعد موجة التوسع الأخيرة التى رفعت إجمالى الناتج المحلى لدول المجموعة من نحو 25.8 تريليون دولار إلى نحو 28.3 تريليون دولار، بزيادة تقدر بنحو 2.5 تريليون دولار، وهو ما يؤكد ضخامة الأسواق والقدرات الاقتصادية التى أصبحت مصر جزءاً فاعلاً من إطارها التعاونى».

وتابع أن «التوجه الأكثر واقعية، والذى تجسده مناقشات قمة 2026، يتمثل فى بناء بنية مالية متعددة العملات وربط أنظمة المدفوعات بين الدول الأعضاء، بدلاً من انتظار إنشاء عملة موحدة، وهو المسار الذى يحقق عوائد عملية سريعة ومباشرة للاقتصاد المصرى، حيث تمثل التجارة الخارجية ركيزة أساسية أخرى لتعظيم الاستفادة المصرية من التجمع، حيث بلغ حجم التبادل التجارى بين مصر ودول «بريكس» نحو 47.8 مليار دولار خلال عام 2022، وهو رقم ضخم يثبت أن العلاقات الاقتصادية لم تكن تبدأ من نقطة الصفر، بل كانت قائمة وبقوة حتى قبل الإعلان الرسمى عن العضوية».

وأضاف أن «المكسب الحقيقى لمصر من التواجد داخل «بريكس» لن يُقاس بمجرد الانضمام الشكلى لتجمع دولى كبير، بل يقاس بقدرة الدولة والقطاعين الحكومى والخاص على تحويل هذه الشراكة الاستراتيجية إلى أرقام حقيقية وملموسة على أرض الواقع فى حجم الصادرات، وتدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر، ومعدلات الإنتاج الصناعي»، مؤكداً أن «وجود قاعدة تجارية ضخمة لتعاملات بعشرات المليارات من الدولارات تمنح مصر نقطة انطلاق قوية ومثالية لتحقيق أقصى استفادة ممكنة تدعم مسيرة التنمية الاقتصادية الشاملة».

من جهته، قال الدكتور أيمن غنيم، الخبير الاقتصادى، إن «انضمام مصر لتجمع «بريكس» يمثل خطوة استراتيجية هامة ستنعكس إيجاباً على الاقتصاد المصرى، والتجمع فى شكله الجديد أصبح يمثل قوة اقتصادية عالمية كبرى، خاصة أن البيان الختامى حذر من التداعيات الخطيرة للتوترات الجيوسياسية الحالية على أسعار الطاقة والغذاء العالمية».

وأوضح أن «تجمع «بريكس»، الذى كان يضم البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب إفريقيا اكتسب زخماً غير مسبوق بانضمام 6 دول جديدة هى: مصر، الإمارات، السعودية، إيران، إندونيسيا، وإثيوبيا»، مشيرا إلى أن «هذا التوسع جعل التجمع يمثل نصف سكان العالم تقريباً، ويستحوذ على 40 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى العالمى فضلاً عن سيطرته على ربع حجم التجارة العالمية».

من جانبه، أوضح الدكتور محمود عنبر، أستاذ الاقتصاد، أن التوجه المتنامى لتكتل بريكس نحو الاعتماد على العملات المحلية وأنظمة الدفع المستقلة يعكس التطور الطبيعى لمسار التكامل الاقتصادى الدولى، وصولاً إلى كسر قيود البترودولار وتخفيف الأعباء المالية وضغوط أسعار الصرف عن كاهل الدول الأعضاء.

وأضاف أن التحولات الجيوسياسية تؤكد انتهاء نظام القطب الواحد المهيمن منذ عام 1989، ليتجه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب، مشيرا الى أن تجمع بريكس يعد التكتل الأقوى واقعياً بضمه نحو نصف سكان العالم، واستحواذه على 40 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى العالمي، و25 فى المائة من التجارة الدولية، فضلاً عن تصدره لإمدادات الطاقة عالمياً، مشيدا بالرؤية الاستراتيجية للقمة فى مواجهة اضطرابات المضايق البحرية، وتدشين بورصات سلعية مشتركة لتداول الحبوب والمواد الأساسية لتحييد استخدام الغذاء والطاقة كأسلحة فى الصراعات، إلى جانب المطالبة بإصلاحات هيكلية فى مجلس الأمن والمؤسسات المالية الدولية.

من جانبه قال الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادى، إن «انضمام مصر إلى تجمع «بريكس»، يمثل نقطة تحول مهمة فى مسار الاقتصاد المصرى، وبشكل عام انضمام مصر إلى أى تكتل اقتصادى دولى يحقق مردودا إيجابيا على الأوضاع الاقتصادية، سواء من خلال تعزيز فرص الاستثمار أو دعم العلاقات والتعاون السياسى والاقتصادى مع الدول الأعضاء، حيث إن الاستفادة من عضوية «بريكس»، تتحقق على أكثر من مسار بالتوازى، فمؤشرات التعاون الاقتصادى بين مصر ودول التكتل تعكس تنامى هذه الاستفادة، خاصة مع الزيادة المستمرة فى حجم التبادل التجارى، الذى يسجل نموا سنويا يتراوح بين 19 و 15 ‎ فى المائة‎ تقريباً».

وأضاف «د. مصطفى»، أن «تحقيق أقصى استفادة من عضوية مصر فى تجمع «بريكس»، يتطلب تعاونا حقيقيا وفعالا مع مختلف دول التكتل، من خلال بناء تفاهمات اقتصادية وسياسية واضحة تستهدف تحقيق الأهداف التى تأسس عليها التجمع، حيث إن من أبرز الملفات التى ينبغى التركيز عليها التوسع فى التعاملات التجارية بالعملات المحلية بين الدول الأعضاء، وزيادة حجم التبادل التجارى والتجارة البينية، فضلًا عن تعزيز الاستفادة من المشروعات والاستثمارات المشتركة، كما أن إزالة العقبات التى تواجه حركة التجارة بين دول التكتل تمثل إحدى المحاور المهمة، خاصة ما يتعلق بالرسوم الجمركية والمالية والضرائب وغيرها من الإجراءات التى قد تعوق انسياب السلع والخدمات والاستثمارات».

«د.مصطفى»، شدد على أن «مصر لديها بالفعل آليات لمتابعة تنفيذ القرارات والاتفاقيات الخاصة بالتكتلات الاقتصادية التى تشارك فيها، ومن بينها تجمع «بريكس»، والأمر لا يتطلب بالضرورة إنشاء آلية جديدة، وإنما تعزيز آليات التنفيذ والمتابعة القائمة»، مشيرًا إلى أهمية العمل خلال الفترة المقبلة على زيادة التفاهمات بين دول «بريكس»، بشأن تسهيل وتيسير استخدام العملات المحلية المتبادلة فى المعاملات التجارية، باعتبار ذلك أحد الملفات المهمة لتعزيز التعاون الاقتصادى بين الدول الأعضاء، حيث إن مصر بدأت بالفعل فى استخدام آليات التعامل بالعملات المتبادلة، إلا أن حجم التعاملات ما زال محدودا، مؤكداً ضرورة العمل على توسيع نطاق استخدامها وزيادة حجم المعاملات، بما يحقق استفادة أكبر للاقتصاد المصرى من عضوية تجمع «بريكس».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة