لم يعد الأمر سرًا ولا مجرد حوادث فردية متباعدة، أقصد الجرائم التى تقع فى الدوائر القريبة أو ما يطلق عليه لدى علماء الاجتماع «الدوائر الآمنة، خاصة فى النطاق الأسرى، آخرها مقتل طفلة دمياط على يد والدها، وقيل إن الوالد فعل ذلك مكايدة فى طليقته؛ أمها، ولكن الشهود داخل الأسرة -جدتها تحديدًا- ذهبت إلى أن له محاولة سابقة فى قتل ابنته؛ جرائم من هذا النوع باتت متكررة، لا تزال جريمة محامية الإسكندرية التى خنقت والدتها، نهاية شهر يوليو، قيد التحقيق، ربما لا يمر أسبوع دون جريمة من هذا النوع، لا يقتصر الأمر على النطاق الأسرى فقط، لكنه وصل إلى دوائر أخرى، مثل الأصدقاء وزملاء العمر.. أما جرائم القتل بين الأزواج والزوجات فهى فى ازدياد.. صحيح أنه لا يمكننا القول إننا أمام ظاهرة عامة، لأنه لو وقعت جريمة أو أكثر يوميا، فهذا يعنى أننا يمكن أن نكون أمام عدة مئات من الجرائم، وربما ألف، وسط مجتمع به أكثر من 110 ملايين نسمة، فنحن لسنا بإزاء ظاهرة، لكننا أمام حالات تتزايد، ويجب أن نقلق منها، ولا أن ننتظر حتى تصير ظاهرة واسعة، تهدد السلام المجتمعى، لا قدر الله.
قديما، كانت الثقافة الشعبية تتعامل مع جرائم من هذا النوع بمقولة إنها «وَزة شيطان» أو «ساعة نحس»، والمعنى هنا أنها مسألة أو جريمة تخرج عن نطاق أو سيطرة من يرتكبها؛ إذ يكون واقعًا لحظتها تحت غواية أو سيطرة الشيطان، وهكذا كان يتم تفهم الأمر، والإدانة الجزئية للمجرم، وتمر الأمور على هذا النحو، الآن الأمور تختلف، ليس إنكارا لدور الشيطان ولا وجوده، ولكن محاولة لفهم أعمق، لما يدور داخل المجتمع، والعلاقات بين أفراده، خاصة فى الدوائر الأسرية والقرابات، ودوائر الأصدقاء والزملاء أو المجموعات «الشِلَلْ» الخاصة.
الأجيال السابقة كانت تعلل أو تفسر بعض الجرائم والأخطاء بأنها وَزة شيطان، فإن الكثيرين الآن باتوا يتجهون إلى الأسباب والعوامل النفسية التى يمكن أن تدفع بعض الأفراد إلى جرائم غريبة، الواقع أنه نفس التفسير تقريبا الذى يختلف، فقط هو المسمى والمرجعية التى يعتمد عليها التفسير، لكن فى الحالتين يحمل الأمر ميلاً إلى التسامح مع المجرم، ليس بإعفائه من الجرم وتبرئته أو نفى المسئولية تماما عنه، لكن تخفيف اللوم والإدانة، إن لم تكن الإدانة القانونية، على الأقل الإدانة الأخلاقية والمجتمعية.
وفى العادة يتصور البعض أن تغليظ العقوبة وإضافة مواد جديدة إلى قانون العقوبات يمكن أن يحدّ من ارتكاب الجرائم؛ فى جرائم القتل العمدى تصل العقوبة إلى الإعدام، وقد تابعنا أن الشاب محمد عادل الذى قتل زميلته نيرة أشرف على باب جامعة المنصورة، حُكم عليه بالإعدام ونُفذ الحكم، والقاضى السابق فى مجلس الدولة الذى قتل طليقته وأخفى جثتها بمساعدة آخر فى أرض زراعية، حُكم عليه بالإعدام ونُفذ الحكم بالفعل، والأمر المؤكد أن كل فرد يعلم جيدا عقوبة القتل، ومع ذلك لا تتوقف الجرائم.. والحق يُقال إن الجهات الأمنية ورجال القانون لا يتهاونون مع المجرمين من هذا النوع، الثقافة العامة تقوم على أن القاتل يُقتل.. ومن ثم لا مجال هنا للحديث عن تغليظ العقوبات؛ فليس بعد الإعدام تغليظ، ولا تتهاون جهات الأمن مع الجرائم؛ إذ يتم القبض سريعا على المجرم وتقديمه للعدالة.
ويتوقف البعض عندما يطلقون عليه ضعف الوازع الدينى، ولا أظن أن هناك مَن يجهل أن كافة الأديان، خاصة الأديان التوحيدية أو السماوية تحرم القتل، حتى أن الإسلام اعتبر قتل نفس واحدة أو فرد واحد يساوى فى بشاعته قتل الناس جميعا؛ الكل يعرف ذلك جيدا، حتى لو كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، فالثقافة الشفاهية تحفظ ذلك جيدا وتتناقله مسامع الناس، ولم يقصر علماء الدين فى أن يؤكدوا ذلك بكافة الطرق.. ومع ذلك فإننا وجدنا «بلوجر دينى»، رجل ناشط على السوشيال يقدم دروسًا دينية، ثم يدبر مذبحة لزوجته وابنته وكافة أفراد الأسرة، قتل أربعة منهم واعترف أنه كان يخطط لقتل الجميع، وقبل عامين فوجئنا داخل أحد الأديرة بمقتل رئيس الدير، وتبين أن قاتله راهب داخل الدير، وأخفى أدوات القتل فى أرض الدير.
ومن المؤكد أن الروح الدينية الصحيحة تضفى على الفرد قدرًا من التسامح والحب للناس جميعا والميل نحو فعل الخير وتجنب الشرور والآثام، لكن البعض منذ القدم أخذوا التدين نحو التعصب والتزمت والقتل، فكانت العمليات الإرهابية التى عايشناها جميعا، اعتداء على أفراد آمنين وعلى ممتلكات ومنشآت خاصة أو عامة، حدث هذا فى مصر وفى خارجها، وقع من بعض المسلمين كما وقع من غير المسلمين أيضا، أى أنه ليس وقفًا على أبناء ديانة بعينها، وعرف التاريخ حروبًا دينية ومذهبية أودت بحياة عشرات الآلاف فى أوروبا، وفى منطقتنا يكفى أن نتذكر الحروب الصليبية، التى بدأتها أوروبا نحو بلادنا بغطاء شعارات دينية.
ويتوقف بعضنا أمام العامل الاقتصادى، وقد قضينا عقودًا عدة نفسر كل جريمة أو ظاهرة بالأزمة الاقتصادية، باعتبار أن الفقر يقف وراء كل جرم، وكأن الفقير مكتوب عليه أن يكون مجرما ومخطئا بالضرورة، والغنى بحكم غناه لا يمكن أن يخطئ ولا أن يقع فى جريمة، والوقائع والأحداث تكشف خطأ هذا التفسير الأيديولوجى، راجع –مثلا– جرائم رجال الأعمال، بعض الجرائم لا يرتكبها فى الغالب سوى الأثرياء، على سبيل المثال تهريب الآثار، صفقات الفساد الكبرى يقدم عليها الأثرياء جدا.. جدا، بعض الجرائم الأخلاقية لا يمكن أن يقدم عليها سوى الغنى أو صاحب المقدرة المالية العالية، جرائم «إبستين» مثلًا فى الولايات المتحدة وأوروبا، لاحظ الأسماء التى ورد ذكرها فى دائرة إبستين، سوف تجد أنهم من أصحاب الشركات الكبرى، عابرة القارات، أو الوجهاء من رجال الأحزاب والسياسة، فضلاً عن بعض الشخصيات العامة والمشاهير.
وإذا كنا نتحدث عن الجرائم التى تزايدت فى مجتمعنا مؤخرا، فإننا نجد بعضها صدرت عن أفراد يصنفون داخل دائرة الأثرياء وليسوا من الفقراء ولا حتى من الطبقة المتوسطة، لا يتسع المقام هنا إلى الوقوف تفضلاً أمام بعض الجرائم، سواء فى الفترة الحالية، السنوات الأخيرة، أو فى فترات سابقة.. هناك صراعات كبرى تنشأ حول الإمبراطوريات المالية أو حول النفوذ والجاه، هذه النوعية من المعارك والجرائم التى ترتكب خلالها؛ الفقر والفقراء أبرياء منها.
من المهم أن نتذكر ذلك لأن أحد الآباء فى محافظة الدقهلية قتل ابنيه الطفلين صبيحة عيد الأضحى المبارك سنة 2019، ولما أُلقى القبض عليه، صاحت ابنة عمه لعدد من المواقع الإخبارية بأن ابن عمها ورث «خمسة ملايين جنيه، فلماذا يقتل؟»، ومن أسف صدقها البعض وراحوا يطلقون تفسيرات وشائعات تبرئ أو تعفى القاتل من جريمة اعترف هو بارتكابها تفصيلاً، وقام بتمثيل الجريمة أمام رجال النيابة العمومية.
التعلل بالوضع الاقتصادى يجب أن يتراجع ولا تكون له أولوية، لا يعنى ذلك أننا ننكر وجود أزمة اقتصادية يمر بها المجتمع، ولكن الأزمة لا تجعل من الأفراد المأزومين مجرمين أو قتلة، وإلا صار القتل شائعًا فى المجتمع.
الفقر يدفع أصحابه –غالبا- إلى الكفاح والعمل الجاد لمواجهة الحياة والتحمل والتحلى بالأمل والطموح، كى يتجاوزوا حالتهم، ويغيروا واقعهم ومستقبل أبنائهم نحو الأفضل.
وإذا كان هناك مَن بالغ فى اتهام الفقر والفقراء، واعتبروه مرجعية لتفسير كل جريمة تقع؛ فلا يجب أن نبالغ فى الاتجاه المضاد، ونتصور أن الجريمة مرتبطة بالثراء فقط.
الجريمة فعل إنسانى، فردى، يرتبط بصاحبه فى لحظة معينة، قد يكون غنيًا وقد يكون فقيرًا، متعلمًا أو جاهلًا.. ريفيًا أو حضريًا، كل مهنة لها جرائمها وكل فئة أيضًا؛ السرقات العلمية سوف تجدها فى الوسط الجامعى، جرائم نقل وسرقة الأعضاء يتورط فيها طبيب أو أكثر.. جريمة حرق المزروعات وتسميم المواشى يمكن أن يقوم بها الأمىّ، لكن لن يقوم بسرقة بحث علمي.. لذا وجدنا فى قضايا الفساد هناك تمييزًا بين ما يسمى «الفساد الصغير» و«الفساد الكبير»، كل منهما له أطرافه وظروفه.
أحد رجال القانون يمتلك خبرة أربعين عاما فى القضايا الجنائية، قال لى إنه لاحظ أن الدافع الرئيسى فى كثير من الجرائم هو الرغبة فى «الثأر» والميل نحو الانتقام، مثلًا الزوج الذى يطلق زوجته أو العكس، تسيطر على أحد الطرفين رغبة فى الانتقام من الطرف الآخر، فيكون الامتناع عن دفع النفقة، أو الإيذاء النفسى بالاعتداء على الأبناء، أو الانتقام البائس بالفعل، وهكذا فى كثير من القضايا، خاصة ما يتعلق منها بالميراث أو الأحوال الشخصية.
ذهب رجل القانون أن المعيار العلمى، مثل الحصول على الدكتوراه أو التميز الوظيفى، مثل أن تشغل موقعًا مرموقًا، كل هذا يسقط أحيانا أمام الرغبة فى الثأر والانتقام أو إيذاء طرف آخر، فى أى تعامل أو الموقف الذى أدى إلى الأزمة والمشكلة.
وهذا يقودنا إلى جانب يتعلق بالتربية الثقافية والفكرية، ذلك أن الإنسان يجب أن يكون واضحًا تمامًا لديه تعدد البدائل والحلول، هناك تعددية فى الحياة، الأزمة أى أزمة، مهما كبرت أو صغرت، ليست نهاية العالم، وهناك دائما أكثر من طريق وأكثر من حل، تقع الأزمة أو المأساة حين يشعر الإنسان أنه وصل إلى طريق مغلق، لا يمكن الخروج منه، فيكون اللجوء إلى العنف أو ما يشبه الانتحار، ولنلاحظ ارتفاع حالات الانتحار، جريمة القتل هى أقصى درجات العنف والإيذاء تجاه الغير أو الآخر، أما الانتحار فهو نفس الدرجة من الغضب والعنف والإيذاء، لكن نحو الذات، الفرد يمارس العنف مع نفسه، بحق ذاته هو.. البناء الفكرى والنفسى متشابه فى الحالين، وهو الاعتقاء بافتقاد البدائل وانعدام الحلول، أظن أن التربية الثقافية والفكرية يجب أن تسير فى هذا الاتجاه؛ التعدد والتنوع، الحياة هى فن الممكن والمتاح، أما الدخول فى دائرة المستحيل والعدم فإنه يقود إلى العديد من الأخطاء، وربما المآسى والجرائم.
وهنا يأتى دور الإيمان العميق والثقة بالله؛ ثقة تقوم على أن بعد العسر يسرًا ومع الضيق يأتى الفرج، وأن هناك العدل الإلهى يتحقق بطرق قد لا نفهمها، لكنه يتحقق فى النهاية، هنا يلعب الإيمان والضمير الأخلاقى دورًا كبيرًا فى توازن الإنسان وثقته بأن الحق سوف يتحقق بأسرع وأبسط مما نتوقع.
تعددت الاستنتاجات وطرق التحليل، حتى أن البعض جعل من مواقع السوشيال والإنترنت سببا فى زيادة معدلات الجرائم، خاصة بعد ذلك الذى حصل على السلاح عبر البروتوكول، وفاتنا أنه لجأ إلى الدارك ويب بعد أن اتخذ قراره بقتل أفراد أسرته.. لو لم يوجد الدارك لذهب إلى وسائل أخرى للحصول على السلاح.
والبعض يدين الأعمال الدرامية، خاصة تلك التى يشتد فيها العنف والبلطجة والبذاءة، وللحق هناك تراجع وانحدار فى بعض الأعمال الدرامية، لكن هل متابعة مسلسل تجعل من المشاهد قاتلاً؟!
أيا كان الأمر، يحتاج هذا الملف إلى دراسات منتظمة، علمية وإحصائية، يقوم بها المتخصصون من خبراء وعلماء الاجتماع والنفس، فضلاً عن سائر المهمومين بالشأن العام.