رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

د. لميس جابر: أنا وقعت أسيرة الثقافة الإسلامية والتاريخ الإسلامى


17-9-2026 | 23:41

د. لميس جابر

طباعة
حوار: طارق شحاتة

منذ أن كانت طالبة فى المرحلة الثانوية، حملت الكاتبة والأديبة والإعلامية والمؤرخة الكبيرة د. لميس جابر ذكرى خاصة مع «مقام سيدنا الحسين»، لتبدأ معها رحلة طويلة انتهت إلى الوقوع فى «أسر الثقافة الإسلامية والتاريخ الإسلامى».. رحلة لم تتوقف عند القراءة والبحث، ولكن وصلت إلى الشاشة.. وأثير الإذاعة، حيث قدمت خلال ثلاثة رمضانات متتالية نحو 90 حلقة عن «آل البيت»، تناولت خلالها سيرهم وحكاياتهم ومكانتهم فى الوجدان المصري، ولذلك - ونحن على أعتاب ذكرى استشهاد سيدنا الحسين، رضى الله عنه ، «سيد شباب أهل الجنة»، هناك أسئلة شائكة كثيرة فى هذا الخصوص وغيرها وضعناها أمام د. لميس جابر، لتفتح الملفات الشائكة والمسكوت عنها وأكثرها إثارة للجدل - إن جاز التعبير - حول «آل البيت» والتصوف والعديد من الحكايات التى ظلت حاضرة فى وجدان المصريين عبر الأجيال، منها: أين رأس الحسين؟ وحقيقة أضرحة آل البيت؟ وهل دفن عمرو بن العاص فى القاهرة؟ ومتى تم اكتشاف ضريح السيدة زينب؟ وأين تقف الحقيقة التاريخية بعيدًا عن الروايات المتداولة؟

استمعنا لشهادة «د. لميس» من التاريخ الإسلامى ومقام سيدنا الحسين إلى أوراق التاريخ، ومن كلية الطب إلى عالم الكتابة «أول مقال وأول أجر»، لتفتح صندوق ذاكرتها ونكتشف الإنسانة خلف المؤرخة والطبيبة والكاتبة، وسبب حبها للمتصوفة وأقطابها «أولياء الله الصالحين»، تفاصيل رحلة طويلة مع «آل البيت والتاريخ والثقافة الإسلامية»، ونقترب أيضًا من الجانب الإنسانى فى حياتها، فتتحدث عن يوم عيد ميلادها وماذا يعنى سقوط ورقة جديدة من عمرها، وكيف تنظر إلى السنوات التى مضت وما تركته من تجارب وذكريات.. لتقدم لنا وثيقة تاريخية - إن جاز التعبير - لنفهم ونعى جيدًا ما وراء السطور.. (أسئلة كثيرة وإجابات أكثر إثارة).. وإليكم التفاصيل..

 

البداية سألتها عن حكاياتها مع «آل البيت».. وهل هناك من هؤلاء الأشراف الأطهار - «رضى الله عنهم» - أجمعين، له معزة خاصة فى قلبك وكنت تحرصين على زيارة مقامه الشريف؟

كانت «أول زيارة» بالنسبة لى لمسجد سيدنا الحسين «رضى الله» وأنا أدرس فى الثانوية العامة، من خلال والد صاحبتى «عم جميل صليب» فى هذا التوقيت - «مسيحي» - ودعانا لتلك الزيارة يوم «الجمعة»، وعزمنا بعدها على «كشري»، وكنا نعتقد وقتها بأن تلك «الفسحة» فى منطقة الحسين فقط، إلا أنه دعانا لزيارة مقام «سيدنا الحسين».. ووضعنا أيادينا على المقام الشريف، وقمنا بالدعاء وقرأنا «سورة الفاتحة»، رغم أن نصف البنات اللى كانوا معنا يومها «أقباط».. (3 مسلمين، و3 مسيحيين)، وكانوا فى البيت عندى مرحبين ولا توجد مشاكل أو «غضاضة» فى ذلك، ثم حكى لنا قصة سيدنا الحسين «بن على بن أبى طالب» - رضى الله عنهما - سيد شباب أهل الجنة - بطريقة مبسطة، وعرفت وقتها أنه قتل ظلمًا فى العاشر من المحرم سنة 61 للهجرة، الموافق 10 أكتوبر 680 ميلادي، وأنا فى هذه السن الصغيرة.

وعند قراءتى لتاريخ «الحسين» - رضى الله عنه -، بشكل عام، فكرت فى عمل حلقة عنه من خلال الإذاعة، وكان المرجع الأهم بالنسبة لى موسوعة د. سعاد ماهر، التى تصف كل شيء، بالمعنى الدارج «بالتنتوفة»، لدرجة أنك تعرف من خلالها من اقتنى عمامته، وسيفه، وعباءته، والصدرية، والسروال، والبُلغة، الخاصة به، وأخذ كم طعنة فى جسده الشريف «أكثر من ثلاث وثلاثين طعنة»، بالحراب «الرمح»، بخلاف نفس العدد - على حسب ما قيل وتردد ونشر - والضرب بالعصا والسيف والسهام، ثم قطعوا رأسه «الشريف»، وما لفت نظرى أنه لم يصدق نصائح المقربين منه بأن من غدروا به «خانوا والده»، ولا تقع فى نفس الخطأ، فكان رده عليهم «يحبونني»، لأنه كان صغير السن «حسن النية»، فردوا عليه «هم لا يحبون أحدًا»، لدرجة أنه وهو فى طريقه للكوفة كان يصطحب 80 فردًا فقط من أهل بيته وأصحابه، وقابل «الفرزدق» فى الطريق عائدًا فسأله عن كربلاء، فقال له «قلوبهم معك وسيوفهم مع معاوية» - نسبة إلى يزيد بن معاوية -، وهنا ينطبق عليه مقولة «ساعة القدر يعمى البصر»، ويصل لمصيره المحتوم، ولكنه صعب على جدًا، لأن من قتلوه كانوا يريدون القضاء على نسل الرسول صلى الله عليه وسلم «تمامًا»، ما هذا «الغل» .. واللاعقل، وما الذى يضايق نسل معاوية، عندما يقولون «حفيد حفيد رسول الله».. وهؤلاء ما يطلق عليهم المراؤون، والمنافقون، وصعب على أوى مقتل «الحسين» بهذا الشكل الفظيع «الانتقامي».

كما أعجبت بقصص «السلف الصالح»، وبخاصة بعض الصوفيين أمثال العارف بالله «قطب الصوفية» إمام العارفين «أبى الحسن الشاذلي»، الذى يقع ضريحه فى وادى حميثرة بجبال الصحراء الشرقية فى محافظة البحر الأحمر بمدينة مرسى علم، الذى وافته المنية أثناء مروره إلى ميناء عيذاب وتوجهه لأداء فريضة الحج.. وكما جاء فى الروايات الثقات بأنه طلب من غلامه الذى يلازمه بأن يحضر معه «قفة.. وفأس»، وعندما سأله عن السبب قال له «فى عيذاب الخبر اليقين»، وبالفعل بعد وصوله إلى هناك توضأ للصلاة ومات ساجدًا على السجادة، ودفن مكانه، ويعد ضريحه ومسجده - «4 آلاف متر» - الأشهر والأكبر والأقدم فى المحافظة، الذى تم إنشاؤه منذ ما يقرب من 7 قرون، ويقام مولد خاص به - سنويًا - يعد من أبرز المناسبات الروحية والدينية فى تلك المنطقة.

ما يعجبنى فى «المتصوفة» مواقفهم وأخلاقهم، وليست كرامتهم، وهذا ما يعنينى فى المقام الأول، وهناك المتصوف بالحسينية، القطب الصوفى الشهير «سيدى على الخواص»، الذى عاش فى زهد شديد، لدرجة أنه كان لا يغير جلبابه حتى يتمزق ويتلف تمامًا، وكان يغسله بعد اتساخه بالماء والملح، ويرتدى جلبابًا واحدًا يتركه على جسده بالسنين حتى يذوب ويبلى ويتمزق تمامًا، ويعمل «نساجًا» وأمواله كلها فى الخير.. «أمى لا يقرأ ولا يكتب، ويفقه علوم الشريعة بشكل ماهر جدًا، وكتب عنه الإمام الشعرانى أيضًا، لأنه صاحبه حوالى عشر سنوات، وهو الذى قال الجمل الشهيرة عن «مفهوم النفس والروح والعقل والسر والمحبة والإيمان».. كما دفن فى الحسينية فى زاوية تابعة للشيخ بركات الخياط، وهذه الزاوية اشتهرت باسم «الخواص».

والمؤلف عبد الرحيم كمال استوحى من قصته مشهد الحرامى «صابر الأعمى» فى مسلسل «الخواجة عبد القادر» بطولة د. يحيى الفخراني، عندما دخل على الخواجة فى بيته يختبئ من البوليس، الذين كانوا يطاردونه، وعندما سأل الضابط «الخواجة».. هل رأى «الحرامي.. القاتل المأجور» فأخبره أنه «يتوضأ للصلاة حبيبي»، فاستنكر الضابط ما سمع، على أساس أنه هراء كاذب لا يصدق، وخرج من بيت الخواجة غاضبًا.. وهذا المشهد حدث بالفعل فى الحياة مع «سيدى الخواص» مع اختلاف الأحداث، قاتل يحاول الهرب من الحكومة وطلب منه أن يحميه ويختبئ لديه بعيدًا عن أعين البوليس الذى كان يطارده، فطلب منه أن ينزل إلى «الجزرة» أسفل «النول»، آلة النسيج، تحت قدميه، وفعل «المجرم» ما أمر به، فى وصول البوليس إلى نفس المكان وسألوا هذا الصوفى الجليل عنه، فقال لهم «تحت قدمايّ»، فلم يصدقوا وأخذوا كلامه ليس على محمل الجد، وانصرفوا، فاستشاط الحرامى غضبًا وهو يقول له: «أنت تدلهم على مكاني»، فرد عليه «صدقى نجاك».

كما كان يقوم بعادة سنوية، الذهاب إلى «مقياس النيل» قبل الفيضان بعدة أيام، ويقوم بتنظيفه جيدًا من «الطمي» و«الطين» والشوائب عمومًا، بمساعدة بعض المتطوعين، ثم يطلب منهم تركه وحيدًا بالمكان للتعبد والصلاة فى آخر جزء فيه ماء.

ومن هنا يتبين لنا مواصفات أو تصرفات هؤلاء المتصوفين النبلاء - إن جاز التعبير - فى الحياة بشكل عام، من خلال مواقفهم، وليست بالكلام ولا التوهان ولا الكلام ده خالص، ولا يعيشون على أكتاف الآخرين، بل يعملون ويأكلون من «قوت» يومهم، كما كان منهم من يرفض الذهاب إلى المماليك والسلاطين مؤكدًا أنه لا يذهب إلى أحد، وكان يقول «أنا سلطان فى مكاني.. ومن يريدنى يأتى إليّ»، وهناك من ذهب إلى أحدهم بالفعل «الظاهر بيبرس»، لأن المماليك كانوا يحبون «المتصوفة» جدًا، والعجيب لم يفتح له باب بيته، وتكلم مع «بيبرس» من خلال الحديد خلف شباك حجرته!!.. «وده اللى حببنى الحقيقة فيهم جميعًا».

كما قدمت 90 حلقة خلال رمضان، - وكما سبق وذكرت - أخلاق المتصوفة.. والسلف الصالح سبب حبى لهم «الفعل الإنساني»، وليست «الكرامات»، لأنها مشكوك فى صحتها، ومن الجائز أن كل واحد ينسج من خياله من حولهم ما يريد، لأنها كلها حكايات تنتقل عبر الأجيال والأزمنة المختلفة.. لأن هناك فارقًا كبيرًا بين الرواية التاريخية الموثقة، وبين الرواية الشعبية.

بما أننا على أعتاب ذكرى استشهاد «الإمام الحسين» - رضى الله عنه - والحديث عنه، فهل رأسه الشريف موجود بالمشهد الخاص به تحت القبة بالمسجد.. وهل نحن أمام حقيقة تاريخية ثابتة ومؤكدة أم أمام رواية لها مؤيدون ومعارضون وغير قابلة للحسم، فأيهما أقرب إلى المنهج التاريخى وليس الموروث الديني، ولماذا لم ينتهِ هذا الجدل إلى الآن.. والقضية ما زالت مفتوحة أمام المؤرخين رغم مرور أكثر من ألف عام؟!

سبق وكتبت فى دراستى عن هذا الموضوع، أنه من المؤكد وجود «رأس الحسين»، فى مسجد «الحسين» بالقاهرة.

ما دليلك على هذا؟

الرأس الشريف تم نقله من عسقلان إلى القاهرة فى عهد الدولة الفاطمية بواسطة «الظاهر طلائع بن الرزيك» الذى كان يرغب فى وضعه فى الجامع الذى يحمل اسمه «الظاهر طلائع» الموجود خلف باب زويلة «آخر جامع شيعي»، وعندما علم الخلفاء الفاطميون بالأمر اعترضوا وقالوا نحن أولى منك بهذا الفعل، ويقال إنهم قاموا بدفن «الرأس» الشريف تحت باب القصر الكبير من خلال سرداب خلفى الذى تحول بعد ذلك إلى مسجد سيدنا الحسين، ثم حدثت هوجة فى العشرينيات بأن «رأس الحسين» ليس فى القاهرة.

الصالح طلائع وزير الفاطميين كان فى عسقلان وقت تغلب الفرنجة، كان خائفًا على رأس سيدنا الحسين وأخرجه وافتداه منهم بمال كثير جدًا، ووضعه فى كيس أخضر حرير على كرسى من الأبانوس وصينية من المرمر وفرش من تحته المسك والطيب، وأتى به إلى مصر وبنى عليه مشهده المعروف بالقاهرة بالقرب من خان الخليلي، ويؤيد هذه الرواية جمهور كبير من المؤرخين، كما أن المؤرخة الكبيرة د. سعاد ماهر تقول فى هذا الشأن «حاجة جميلة جدًا»، الأمير «عبد الرحمن كتخدا» كان أحد الوزراء البارزين جدًا فى سنة 1700، وفكر فى توسيع المسجد المجاور للمشهد، ولم يكن موجودًا وقتها مسجد الحسين، وقالوا «هذا «المشهد» لم يثبت أن فيه - رأس الحسين - مثلما يقولون»، فأراد أن يتحقق الأمر وكشف «المشهد» بحضور الناس ونزل معه الأساتذة «الجوهرى الشافعي، الشيخ الملاوى المالكي»، وكانا من كبار العلماء، وهو ثالثهما، وشاهدا ما بداخل «المشهد»، وخرجوا وأخبروا الناس أنه كرسى من الخشب الصاج عليه «تيشت» من ذهب فوقه ستارة من الحرير الأخضر تحتها كيس من الحرير الأخضر الرقيق، بداخلها الرأس الشريف، وتفوح فى المكان رائحة مسك عجيبة لا مثيل لها، وتم بناء المسجد بناء على شهاداتهم، وأوقف عليه أوقاف كثيرة، وجملة أخرى جميلة قالتها «د. سعاد ماهر»: نستطيع أن نؤكد فى ثقة واطمئنان أن الرأس قد نقل إلى «مشهد الحسين» بالقاهرة، وقال «سبط الجوزي»: فى أى مكان كان رأس الحسين أو جسده، فهو ساكن فى القلوب والضمائر، قائم فى الأسرار والخواطر»، وبشكل عام لا يوجد بلد فى العالم يحب «الحسين» زى مصر، المصريين دول «جمال بشكل».. ولا تتعجب إن قلت لا يوجد من «آل البيت» نشء هنا، ورغم ذلك، نحبهم ونقدرهم ونحترمهم ونتبارك بهم وكل شيء طيب من أجلهم.

فى رأيك.. لماذا ارتبطت «القاهرة» بعدد كبير من مقامات ومشاهد آل البيت «بشكل عام»؟

هنا أخذت د. لميس جابر برهة من الوقت وهى تستعرض «آل البيت» فى القاهرة قائلة: الإمام الحسين، السيدة سكينة، السيدة عائشة، السيدة رقية، السيدة نفيسة، السيدة أم كلثوم، السيدة عاتكة، محمد بن جعفر الصادق «الجعفري»، السيدة فاطمة، وزين العابدين، وولده على زين العابدين بن علي، وآخرون كثيرون موجودون فى القاهرة.. رضوان الله عليهم أجمعين، وفى رأيى المتواضع يعود هذا الأمر، والفضل لله سبحانه وتعالى، ثم تدين الشعب المصري.. المؤمن بطبعه جدًا، قبل قدومهم للقاهرة، ومن له علاقة بالقوى العليا «الله سبحانه وتعالى» ينجذب إليه الناس فورًا، ولا تتعجب لقلت لك، لو قرأت فى الديانة المصرية القديمة، سيقشعر جسدك فورًا، «تجد عبارات شبيهة لما جاء فى القرآن والإنجيل».. وللعلم من زمان أزور مسجدى «الرفاعي»..، والسلطان حسن» - الذى لا مثيل له فى العالم -، وكنت أصطحب أولادى «شادى وطارق» وهم صغار إلى هناك، وأذكر أننى وجدت شيخًا يجلس على الأرض ونظر إلى «شادي» ونادى عليه «تعالى»، وطلب منه الجلوس بجواره، ووضع يده على رأسه وقرأ بعض آيات القرآن الكريم، وقال له «أنت ابن حلال وربنا يوفقك بإذن الله»، وأشياء من هذا القبيل، ولم يأخذ قرش صاغ واحد.. وتاريخ الرفاعى يعود إلى «خوشيار هانم»، والدة الخديوى إسماعيل، التى قامت بشراء المقام «الرفاعي» نفسه، مع الاحتفاظ بقبره داخل المسجد، وحمامات شعبية، وبيوت أخرى ملاصقة، وقامت ببناء المسجد «الرفاعي» عام 1869م على هذه المساحة من الأرض، ومن أكمل بناءه بعد وفاة «خوشيار»، الخديو عباس حلمى الثانى فى 1905.

كما اكتشفت أن الأمير كمال الدين حسين، الذى تنازل عن العرش للأسرة العلوية، «صوفي».. كما قرأت كثيرًا عن هؤلاء الأخيار، منها كتاب الإمام الشعرانى «الطبقات الكبرى.. المسمى بـ لواقح الأنوار فى مناقب العلماء والصوفية» عن أولياء الله الصالحين، الذى صرح فى مقدمته بأن الغرض منه بيان آداب المقامات والأحوال لأعلام الصوفية.

فى رأيك.. ما الفارق بين «المشهد» و«المقام» و«الضريح»؟

«المشهد» هو القبر، أما «المقام» فهو القبة التى تبنى أعلى المشهد.. والاثنان يطلق عليهما «ضريح»، إنما ذوقيًا نقول مقام السيدة زينب.. مقام سيدنا الحسين.. وهكذا.

هل كنت تزورين مقام «السيدة زينب»؟

آه.. طبعًا، لأن أقارب د. يحيى الفخرانى فى السيدة زينب، ولذلك عندما نقوم بزيارتهم، لا بد من زيارة مقام السيدة زينب، وأذكر كنت سعيدة الحظ، ذهبت إلى هناك ذات مرة وقت الليلة الكبيرة فى مولدها الشريف، وتستطيع القول إن محافظات مصر جميعها كانت موجودة فى «المولد» الخاص بها، زحام شديد جدًا مع أجواء روحانية بديعة، وأؤكد لك أن هذا الحب الجارف من جموع الناس لها لم يأتِ هباءً أو بالصدفة أو من فراغ.

السيدة زينب أم هاشم - زهرة بيت النبوة وعقيلة بنى هاشم، حفيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابنة الإمام على والسيدة فاطمة الزهراء، وأخت الإمامين الحسن والحسين، رضوان الله عليهم أجمعين، «أول نساء أهل البيت اللاتى شرفن مصر بالمجيء إليها»، بعد مقتل أخيها «الحسين» وجزء كبير من العائلة، ذهبت إلى قاتله، ووجدت عبيد الله بن زياد والى الكوفة يلعب فى «ثنايا شفتيه» - «أخيها» - بعصا شجرة، بعد أن وضعت رأس «الحسين» فى طشت بين يديه، فقالت له «هاتان الشفتان طالما قبلت شفتى رسول الله (ص)».. كانت حكيمة وقوية الحجة جدًا، وكانت علاقتها قوية بابن أخيها الإمام على زين العابدين، الذى كان امتدادًا للإمامة وعمودًا لبيت النبوة، وقامت «عمته» - السيدة زينب - بحمايته من بطش السلطة الأموية وأتت به معها إلى مصر.. والناس أحبتها جدًا، واستقبلها فى بيته والى مصر فى ذاك الوقت «مسلمة بن مخلد» الذى وافتها المنية فيه، وتحول إلى مسجد بعد ذلك..

متى اكتشف قبر «ضريح» السيدة زينب؟

المقريزى ذكر كل الأضرحة والمقامات، عدا السيدة زينب، وتم اكتشاف المقبرة الخاصة بها بعد ردم جزء من الخليج المصرى وقنطرة «السباع» التى كانت تستخدم للعبور من عليها، وتقع على ناصية جامع السيدة وشارع الخليج، أسسها السلطان الظاهر بيبرس ووضع على جانبيها تماثيل صغيرة ونقوشًا للسباع، وتم توسيع الميدان، ومع الردم اكتشفت واجهة جامع السيدة التى كان الوالى العثمانى على باشا جدده فى 1547، وأعاد تجديده الأمير عبد الرحمن كتخدا 1768، ومن وقت اكتشاف المسجد عام 1898 أطلق على الميدان والحى كله اسم السيدة زينب، ومدفون معها وهو ما يؤكد وجود قبرها فى مصر ضريحان متجاوران بجوار مقامها الطاهر الشريف، «ضريح الشيخ العتريس»، وضريح «الشيخ عيداروس».. ويعلوان المقبرة فى ساحة واحدة مفروشة بالرخام داخل مقام السيدة.. والخديو توفيق هو من عمل لها هذا «المشهد»، الذى قام بتوضيب وتجديد نصف مقامات «آل البيت» فى مصر فى عهده..

وهل صحيح أن الصحابى الجليل «عمرو بن العاص» مدفون فى القاهرة؟

بالفعل تقول الروايات إنه مدفون بالقاهرة.. «هنا قبر عمرو بن العاص» بجوار سيدى «عقبة بن عامر» من الصحابة الأجلاء، حامل راية الرسول صلى الله عليه وسلم، يطلق عليه خدام النبى (ص) وصاحب بغلته وفى حضرته الشريفة، شاهد فتوح مصر والشام، ووصل مصر بعد أن ترك عمرو بن العاص عرش مصر، وجلس فى القاهرة لمدة ثلاث سنوات، ومدفون فى القرافة الكبرى بالقرب من «الإمام الليث بن سعد» ومن «الإمام الشافعي»، كما أن الصحابى الجليل «عبد الله ابن عمرو بن العاص» مدفون فى مسجد «عمرو بن العاص» بالقاهرة.

أنا وقعت أسيرة الثقافة الإسلامية.. والتاريخ الإسلامي، هناك شخصيات رائعة وجميلة جدًا، لازم تجذبك إليها، مما ذكرت، ومنهم «المتصوفة»، ينطبق عليهم نفس الكلام أو الحكاية، وهذه نوعية الشخصيات التى أنجذب إليها، لا أقرأ أى شيء والسلام فى المطلق كده، أو ما يقع تحت يديّ، ولذلك تجد ما قدمته خلال ثلاث سنوات فى رمضانات متتابعة عبر الإذاعة، قمت باختيار الشخصيات التى أقدمها على «الفرازة»، من خلال بحث وتعب وقراءة جيدة أو متأنية، لأن هناك قدهم بالمعنى عشر مرات، وما يعجبنى وأحس به أتناول سيرته.. لافتة إلى أن الإيمان ملاذ للإنسان، والمؤمن وجد الراحة «مسنود على الكريم»، المولى سبحانه وتعالى ويقول: «يارب».. ولذلك لا يوجد إنسان «ملحد» بالمعنى، وأكاد أجزم بذلك، لأن الفطرة «الإنسان والإله»، وهذه الفطرة التى خلق الله عليها الناس جميعًا، وإذا لم تتواجد لا تعرف تتوازن أو تعيش، لأنه حتى «الكافر» فى كثير من الأزمات أو المحن يقول «يا رب» غصب عنه.

وهنا ننتقل بالحوار إلى مناحٍ أخرى عن الحياة الخاصة والأسرية للدكتورة لميس جابر التى تتحدث عنها (لأول مرة).. وسألتها: هل تتذكرين «أول مقال» كتبتيه.. و«أول أجر» حصلت عليه من خلال فترة «التكليف» وأنت طبيبة شابة؟

سافرت مع يحيى الفخرانى لحضور فعاليات مهرجان «روتردام» فى هولندا، وأذكر أنه قال لى «المهرجان ده حلو أوى هيعجبك لأنك تحبين الفقر»، لأنه قائم على مجموعة من الشباب بالجهود الذاتية، لدرجة أنهم كانوا يستخدمون سياراتهم الخاصة فى توصيل الضيوف من فندق الإقامة «المتواضع» إلى مكان فعاليات المهرجان والعكس، وأذكر أننى قابلت فى هولندا وقتها طفلًا صغيرًا قال لى من نافذة سيارة والده وهى تسير بجوار السيارة التى كنا نستقلها، «إزاى همام»، فقلت له «همام مين؟»، فرد علىّ والده، يقصد همام (محمد هنيدي) فى «همام فى أمستردام»، لأنه بيحبه، وكتبت (أول مقال) عن تلك التجربة عن «هنيدى فى روتردام»، وقلت آخر عنقود نجوم الكوميديا المصريين «عامل لنا جو جامد فى هولندا»، وتوالت مقالاتى بعد ذلك.. أما الشق الثانى من سؤالك عن «أول أجر» حصلت عليه وأنا فى «الامتياز» كان 17 جنيهًا وستين قرشًا، وكنت أركب بها المواصلات العامة، لأن استقلال تاكسى وقتها كان يكلفنى 30 قرشًا، وعندما ذهبت إلى الريف أصبح مرتبى 35 جنيهًا، وعندما انتقلت إلى منطقة نائية فى نجع حمادى وصل مرتبى 38جنيهًا - بدل منطقة نائية وعدوىّ.

وهل تحبين «الفلوس»؟

إطلاقًا.. طول عمرى نظرتى للفلوس مختلفة نوعًا ما، وأستطيع القول «لا توجد نظرة فى الأساس!»، مش على بالي، وتعد وسيلة فقط لجلب احتياجاتي، والحمد لله لدى حساب وفلوس فى البنك.. ولا تتعجب لو قلت لا أعرف رصيدى «كام» بالضبط؟، وعندما أحتاج إلى المال أقوم بالسحب من خلال «الفيزا» أو «التحويل» فقط من خلال الأبلكيشن أو البرامج المخصصة لذلك.

وهنا يدخل علينا «زركش» - الكلب الجميل الصغير - مقتحمًا المكتب الذى نجلس فيه يبحث عن «د. لميس» وهو يجلس بين يديها وهى تلاعبه وتقبله.. فانتهزتها فرصة وسألتها عنه؟

تملأ وجهها الفرحة.. وتبتسم وهى تقول: «زركش» كلبى الصغير الجميل «حب حياتي»، حضر إلينا وهو صغير فى السن والحجم معًا، وقت تصوير د. يحيى الفخرانى لمسلسل «نجيب زاهى زركش»، ومن هنا جاء اسم - «زركش» - الذى أطلقته عليه، وأخوه أطلقنا عليه اسم «زعتر»، ولكن «زركش» لا يفارقنى أبدًا، وللعلم الكلاب كائن جميل ووفى جدًا، ولا يعرف قيمته إلا من يربى الكلاب، لأنه يحبك بلا غرض، وليس لأنك تطعمه.. علمًا بأننى لا أقدم الطعام لزركش نهائيًا، ولكن تقدر تقول «زى ضلي» بالضبط، يحبك بلا غرض ويرتبط بك، ولا يفارقنى على الإطلاق.. ولو كنت خارج البيت يجلس بجوار «د. يحيى» حتى أعود إلى المنزل بسلامة الله، ويعمل لى «هلليلة» كبيرة جدًا احتفالًا بعودتى للمنزل من جديد، ولذلك من يربى الكلاب أحترمه صراحة، كما أنه يحب زوجة ابنى شادي، والدة «يحيى» الصغير، أول أحفادى - ربنا يحفظهم جميعًا -، لأنها تلاعبه بشدة.. وهنا يعلو «الصمت» المكان الذى نجلس فيه «حجرة مكتبها».. فيمتو ثانية على طريقة د. أحمد زويل.. ثم تقول: إذا كان «الكلب» جزءًا من حياتك.. فصاحبه يعد بالنسبة له «كل حياته».

سؤالى الأخير.. ممكن تقدمى لنا كشف حساب بعد سقوط «ورقة» من شجرة العمر الخاصة بك فى «يوم عيد ميلادك» الذى احتفلت به - أخيرًا - مع أولادك وأحفادك؟

بخفة دمها المعهودة.. وتصالحها مع الزمن تقول: ليست ورقة شجر تقع من العمر فى يوم عيد ميلادى - كما تقول - ولكن أنا فى مرحلة «الشجرة كلها بتقع»، الشجرة «مايلة.. عجزت، وخوخت»، الحمد لله على كل حال، نحن أحسن من غيرنا، إنما للأسف فى السن الكبيرة الواحد يفقد شيئًا مهمًا جدًا «الحماس»، لأى شيء، ما كنت تفعله وتنوى فعله، وما تحلم به.. إلى آخره، حتى إنه فتر حماسى لنهم القراءة كما كنت أفعل سابقًا، منذ فترة طويلة لم أصاحب كتابًا جديدًا لقراءته، ثم تضحك وتقول: فى عيد ميلادى السنة دى كان كئيب الصراحة، بخلاف الصحة، ولكن ولادى وزوجاتهم وأحفادى - ربنا يحفظهم جميعًا -، أحضروا تورتة وشمعة وهدايا، وحاجات جميلة أوي، ونشروا حالة من البهجة فى المكان، إنما على رأى عبد الوهاب «أنا ما بحبش أحتفل بعيد ميلادى لأن حتى كلمة سنة راحت تضايق!».. أعلم جيدًا أن الاحتفال الغرض منه الحب والمودة والعرفان والتقدير والاحترام.. وما شابه من جانب أولادي.. ربنا يحفظهم جميعًا ويبارك فيهم هم وأولادهم وزوجاتهم.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة