رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

توبة الفيشاوى وجرأة إلهام شاهين


17-9-2026 | 20:46

.

طباعة
بقلـم: أشرف غريب

كعادتها دائمًا جاءت تصريحات الفنانة إلهام شاهين على هامش الدورة الأخيرة لمهرجان الغردقة لأفلام الشباب جريئة وواضحة لا تحتمل اللبس أو الغموض، فمَن يعرف إلهام شاهين جيدا يعرف أنها لم تجنح يومًا فى مواقفها أو آرائها إلى المواربة أو المهادنة مهما كلفها ذلك من عنت أو أدخلها فى معارك كانت تخرج منها منتصرة بفضل الثبات على الموقف والدفاع عنه بالمنطق والحجة والقناعة الراسخة.

وما زلنا جميعا نتذكر معركتها الشهيرة مع مشايخ الردة والتطرف عام 2013 فى ذلك العام الأسود الذى حكمتنا فيه الجماعة، وكيف أنصفها القضاء فى معركتها ضد ذلك الظلامى الذى أراد النيْل من سمعتها وتكفيرها، بل وتكفير الفن بأسره، وإلهام عند قضية تكفير الفن تتحول إلى مقاتل صلب وعنيد ولا تقبل فى تلك القضية أى مواربة أو مواءمة أو عبارات من تلك التى تحمل تأويلات عدة، والتى يلجأ إليها كثيرون عند الحديث عن علاقة الفن بالدين.

ومن هنا كانت تعليقات إلهام شاهين واضحة حين تطرق الحديث خلال المهرجان إلى تصريحات الفنان أحمد الفيشاوى التى أعلن فيها مؤخرا عن رغبته فى اعتزال الفن وإعلان توبته، بأنها ترفض تمامًا الربط بين فكرة اعتزال الفنان والتوبة، وقالت ما معناه إن الاعتزال قرار شخصى لأى فنان، لكنه يجب ألا يرتبط بأمور التوبة، فالفن ليس ذنبًا أو عملاً شائنًا على صاحبه التبرؤ منه أو إعلان التوبة عنه، وأضافت أن أحمد الفيشاوى يحتاج إلى الدعم والمساندة، ولا أدرى ماذا كانت تعنى إلهام شاهين بدعم أحمد الفيشاوى، إن كانت تعنى دعمه من أجل إخراجه من تشتته الذهنى أو ارتباكه الفكرى فيما يتعلق بعلاقة الفن بالدين، فقد صدقت الفنانة الكبيرة، لأن الفيشاوى –الابن- تنتابه بالفعل من وقت لآخر تلك الأفكار المشتتة فيما يخص علاقة الفن وبالدين، ولم تكن هذه المرة الأولى التى ينحو هذا الفنان بتفكيره فى هذا الاتجاه، فقد جاء عليه وقت كان قريب الصلة بكثير من الدعاة ورجال الدين؛ أذكر منهم الشيخ الحبيب على الجفرى على سبيل المثال، وهذا قاده بالفعل إلى التوقف بعض الوقت عن نشاطه الفنى، ما كلفه شيئًا من التراجع حين قرر العودة إلى ممارسة عمله الفنى، والمدهش أن هذا التشت الذهنى كان بالتزامن مع قضيته الشهيرة المتعلقة بتبرئه من ابنته على إثر قضية السيدة هند الحناوى التى شغلت الرأى العام عدة سنوات، ويومها لم نعرف لماذا عاد أحمد الفيشاوى إلى فنه بعد هذه البلبلة الفكرية إذا جاز التعبير، وعلى أى منطق عاد بعد أن كان قد توقف.

فهل يعيش الفنان المعروف حالة كتلك التى أصابته قبل أكثر من عشرين سنة، وهو ما كانت تقصده إلهام شاهين حين تحدثت عن حاجته للدعم، بدليل أنه عاد، وبحسب تصريحات إعلامية منسوبة له، إلى تأكيد أن تصريحاته الأخيرة التى تحدث فيها عن التوبة والاعتزال قد أُسيء تفسيرها؟ ربما.. لأن عبارات الفيشاوى ومفرداته فى تصريحاته الأولى عن الاعتزال والتوبة كانت واضحة لا تحتمل اللبس أو التفسير، ومن ثم فإن تراجعه عنها ومحاولته التنصل منها لا تعنى إلا أنه يريد التراجع أو مراجعة موقفه كالمعتاد، وبين التراجع والمراجعة تكمن أزمة أحمد الفيشاوى الحقيقية، فإذا قرر الفيشاوى الاعتزال فلن يلومه أحد أو يطلب منه العودة فى قراره، هو حرّ تماما فى أى اتجاه يسير فيه، والفن لن يخسر، هو الذى سوف يخسر، وإلا لما عاد سابقا، أما إقران الاعتزال بالتوبة والفن بالحرمانية ففيه خلط كبير للأوراق ومجافاة لثوابت الفن والدين معا فى قضية أظنها قد حُسمت من زمن.

فيا عزيزى أحمد يا ابن اثنين من أنجب مَن عرفهم فن التمثيل؛ سمية الألفى وفاروق الفيشاوى، الفن ليس حرامًا، والمشتغلون به ليسوا مذنبين بشرط حسن اختيار ما يقدمونه والحفاظ على صورتهم الطيبة فى مسلكهم وفنهم، وصدق إمام الدعاة فضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى وغيره من أئمة الدعوة حين حسموا هذا الأمر بأن الفن حلاله حلال وحرامه حرام تمامًا كأى مهنة أخرى، وكل مَن اقترب من الإمام الشعراوى تحديدا من الفنانين يعرفون جيدا هذا الحسم الفقهى، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الفنان الراحل حسن يوسف الذى جسد –بموافقة أسرة الإمام– شخصية الشعراوى فى المسلسل التليفزيونى الشهير، وأحسن الرجل اختيار أدواره إلا قليلاً، لكن الأهم أنه حافظ على صورته وعلى احترام الناس له طوال السنوات التى عاد فيها لممارسة نشاطه الفنى.

أما العظيمة الراحلة شادية التى كانت وثيقة الصلة بالإمام الجليل فلم تكفر الفن يوما، ولم تتبرأ من مشوارها قبل الاعتزال، وكل ما كانت تردده أن الله قد شقّ لها طريقا آخر للعطاء، وأن انزواءها فى ركنها القصى داخل منزلها بعيدا عن أضواء الشهرة والإعلام كان قرارا شخصيا من أجل الراحة من صخب الحياة والتفرغ لعباداتها والتقرب إلى الله، وهو فارق كبير بين الاعتزال من أجل التوبة وبين الاعتزال بسبب الاكتفاء والبحث عن طريق آخر فى الحياة.

ومن هنا فإن البلبلة الفكرية التى تنتاب أحمد الفيشاوى بين الحين والآخر بحاجة إلى الحسم، ولن يحسمها إلا الفيشاوى نفسه فى لحظة نضج حقيقى، وبصيرة ثاقبة، فإن اقتنع أن الأصوب له الاعتزال فليفعل وسوف يحترم الكل قراره ولن نذكره إلا بكل الخير، وإن ارتأى البقاء على خريطة الفن فأهلاً به ممثلاً وابن ممثل وممثلة أورثاه الموهبة، وربياه من عوائد عملهما بالفن. أما خلط الأوراق، وإطلاق التصريحات الرنانة، فقد حفظناها وسئمنا منها، سواء منه أو من غيره ممن يقودهم الشطط أحيانًا إلى تلك النوبات المتكررة.

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة