شهد الأسبوع الماضى تصريحين مستفزين وغريبين.. صدر الأول عن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.. وصدر الآخر عن رئيس وزراء الكيان المحتل بنيامين نتنياهو.. حيث ألقى ترامب خطابًا طويلاً جدًا تخطى الساعتين.. خلال انعقاد مؤتمر الحزب الجمهورى.. استعدادًا لانتخابات التجديد النصفى للكونجرس فى نوفمبر القادم.. وهى السابقة الأولى أن ينعقد مؤتمر بهذا الحجم تمهيدا لانتخابات التجديد النصفى.. وقد شهد هذا المؤتمر غياب عدد كبير من رموز الحزب الجمهورى.. فى ظاهرة تؤكد سعيهم لغسل أياديهم مما ستئول إليه الانتخابات المقبلة خاصة بعد تدنى شعبية ترامب.. حيث تؤكد كل استطلاعات الرأى أن الرجل وصل إلى أدنى شعبية حققها رئيس أمريكى حيث وصل إلى 30 فى المائة فقط.. كما أكدت استطلاعات الرأى رفض غالبية الشعب الأمريكى ذلك العدوان العبثى على إيران..
ورغم كل هذا راح ترامب خلال كلمته الطويلة جدا يؤكد انتصار أمريكا فى حربها ضد إيران.. وأن مضيق هرمز تحت السيطرة الأمريكية الكاملة.. وأنه سيعمل على تغيير اسم المضيق إلى (مضيق ترامب).. وأنه فى حالة فوز الحزب الجمهورى بالانتخابات القادمة سيمنح كل مواطن أمريكى خمسة آلاف دولار.. إلى آخر تلك التصريحات الاستهلاكية المستفزة.. التى لا يتوقف ترامب عن إطلاقها على مدى الساعة..
أما التصريح الأكثر غرابة واستفزازًا.. والذى أشرنا إليه فى بداية هذا المقال.. فيكمن فى قول ترامب: (إن الحرب مع إيران ستتوقف بعد انتهاء انتخابات التجديد النصفى للكونجرس).. ومثل هذا التصريح يؤكد معنيين لا ثالث لهما.. فإما أن ترامب على ثقة يقينية بأن الحزب الجمهورى سيكتسح الانتخابات القادمة.. ليحقق الأغلبية المريحة التى تطلق يد الرئيس فى أن يفعل ما يشاء وقتما يشاء.. أما المعنى الآخر فهو ثقة ترامب بأن الحزب الديمقراطى سيحقق الأغلبية المريحة فى مجلسى النواب والشيوخ.. مما سيمكنه من وضع العديد من الكوابح أمام التحركات الهوجاء للرئيس.. وبالتعبير الشعبى الأمريكى يجعل منه (بطة عرجاء).. وقد أشار ترامب فى خطابه أمام أعضاء حزبه الجمهورى إلى ذلك المعنى.. عندما قال يجب تغيير القاعدة التى تدفع الناخبين إلى التصويت ضد حزب الرئيس.. فإذا كان هذا التوجه يمثل شبه قاعدة ثابتة.. فإنه مع ممارسات ترامب وسياساته العبثية لابد أن يتحول إلى قاعدة مؤكدة.. فالرجل يواصل عدوانه العسكرى.. وحصاره الاقتصادى ضد إيران.. من دون الرجوع إلى الأمم المتحدة.. أو حتى حلف الناتو.. ذلك الحلف العسكرى الذى تقوده أمريكا.. ذلك العدوان المستمر منذ سبعة أشهر.. ولم يحقق أى هدف من الأهداف التى أعلنها ترامب فى بداية العدوان فى الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضى.. وعندما تأكد من فشل عدوانه العسكرى.. لجأ إلى الحصار الاقتصادى الخانق.. تحت عنوان (الاقتصاد المنبوذ).. ومن الواضح أن ذلك الحصار لم يأتِ بالنتائج التى كان يتمناها الرئيس الأمريكى.. ولذلك قام بتحريض الهيئة الدولية للطاقة الذرية لكى تتحرش بإيران وتشكوها إلى مجلس الأمن.. بحجة رفضها مراقبة مواقعها النووية.. ورغم رفض الصين وروسيا والنيجر لهذا القرار.. وامتناع ثمانية أعضاء عن التصويت إلا أن القرار حظى بأغلبية مريحة.. ليضع إيران فى مواجهة مع مجلس الأمن.. ولكن هذا السعى البائس من ترامب سينضم إلى سلسلة مساعيه الفاشلة.. حيث من المؤكد أن تستخدم كل من روسيا والصين حق الفيتو.. ضد أى قرار أو عقوبات بخصوص موقف إيران الحالى.. وتأكيد ترامب أن الحرب مع إيران ستتوقف بعد انتهاء انتخابات التجديد النصفى للكونجرس يؤكد عزمه على استمرار هذا العدوان على مدى شهرين.. من دون أن يعطى نفسه أى فرصة للخروج من هذا المستنقع .. الذى ذهب إليه بإرادته .. ولم يجنِ منه أى شيء حتى الآن.. بل إن إيران هى الأخرى رفعت سقف المواجهات العسكرية والسياسية.. حيث نجحت فى السيطرة على إحدى الغواصات الحديثة سليمة تماما.. كما استهدفت العديد من مراكب الأسطول الأمريكى.. وأعلنت أن الناقلة بالناقلة.. كما أعلن الحرس الثورى.. أنه سيرد على أى عدوان بعشرين ضعفًا.. وفى المواجهة السياسية وضعت إيران ما يحدث فى اليمن ضمن مطالبها السياسية.. وذلك بعد أن اتسعت مواجهات الحرب الأهلية فى اليمن بين القوات الحكومية.. والحوثيين الذين سيطروا على باب المندب.. كما امتدت تلك المواجهات إلى أراضى المملكة العربية السعودية.. بعد استهداف العديد من المنشآت البترولية المهمة.
وبعد انتهاء انتخابات التجديد النصفى للكونجرس.. سيجد ترامب نفسه بين المطرقة والسندان.. مطرقة الأغلبية الديمقراطية التى ستعمل حتمًا على تقليم أظافره و«نتف ريشه».. وإجباره على الجلوس فى البيت الأبيض مثل البطة العرجاء.. وسندان العناد الإيرانى.. وإصرار النظام على استمرار المواجهات.. وعدم تقديم تنازلات رغم بشاعة العدوان ونتائجه الكارثية.. أما التصريح الثانى المستفز والغريب.. فقد أطلقه نتنياهو وهو يقف على أرض جبل الشيخ.. تلك الأراضى السورية التى سيطر عليها جيش الاحتلال.. بعد انهيار نظام بشار الأسد.. ضاربا عرض الحائط باتفاقية فضّ الاشتباك.. التى تم توقيعها مع سوريا فى عام 1974.. وساعيًا إلى ضم مزيد من الأراضى السورية إلى الجولان المحتلة.. ووضع هذا الاحتلال الجديد القوات الصهيونية على مشارف دمشق العاصمة السورية وسط صمت غريب وتصريحات ساذجة من النظام السورى الحالى، مما دفع نتنياهو إلى قول تصريحه الغريب وهو يقف على أراضى جبل الشيخ.. حيث قال: (لن نسمح بتمركز أى جيش على حدودنا).. والاطلاع على خريطة فلسطين يحدد دول الجوار وهى أربع دول الأردن- لبنان – سوريا- مصر؛ الأردن بما يحويه من قواعد أمريكية.. وبما يملكه من علاقات وثيقة مع الأمريكان والكيان المحتل لن يمثل أى خطر على نتنياهو وكيانه.. وسوريا بوصفها الحالى.. وسعى نظامها الحاكم إلى تطبيع العلاقات مع الكيان المحتل.. تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية.. لن يمثل أى خطر فى المستقبل القريب.. خاصة بعد استباحة طيران الكيان المحتل السماء السورية.. لدرجة ضرب مطار فى شمال سوريا.. خشية أن تكون فيه معدات عسكرية تركية.. وقد بلعت تركيا تلك الإهانة بصدر رحب ويواصل الكيان المحتل عدوانه الغاشم على جنوب لبنان.. والذى تحول إلى غزة جديدة.. نتيجة حجم التدمير.. ورغم انصياع الرئيس اللبنانى ورئيس وزرائه للتوجيهات الأمريكية.. وإجراء مفاوضات مباشرة مع هذا المحتل البغيض.. إلا أن ذلك لم يغيّر فى الأمر شيئا.. والغريب أن النظام اللبنانى بدلا من أن يسعى إلى تقوية الجيش.. لكى يصبح قادرا على حماية الحدود اللبنانية.. راح يسعى مع الأعداء إلى نزع سلاح المقاومة.. تلك المقاومة التى خاضت جولات كبيرة ضد الكيان المحتل.. وأجبرته أكثر من مرة على الانسحاب من الجنوب اللبنانى.. ونزع سلاح المقاومة قبل أن يصبح للبنان جيش قوى يحمى حدوده.. لا يعنى إلا بتسليم الجنوب إلى الكيان المحتل.. ومثل هذه الخطوات اللبنانية العشوائية.. يمكن أن تؤدى إلى انفجار الأوضاع الداخلية.. والعودة –لا قدر الله – إلى الحرب الأهلية.. التى اكتوى بنيرانها اللبنانيون من قبل على مدى خمسة عشر عاما.. ومثل هذا الوضع الحساس والخطير.. يستلزم أعلى درجات الوفاق الوطنى بين كل الفصائل والأحزاب اللبنانية للحفاظ على وحدة الوطن اللبنانى.
ويتبقى من تصريح هذا النتنياهو الحدود مع مصر.. ومن المؤكد أن ما يمتلكه من بقية عقل سيجعله يفكر مليون مرة قبل أن يقترب من الحدود المصرية.. لأنه يعلم تمام العلم أن جيش مصر العظيم قادر على ردعه.. وتحطيم عظامه.. ورغم توقيع مصر على معاهدة سلام مع هذا الكيان المحتل.. ورغم العلاقات الاستراتيجية بين مصر وأمريكا إلا أننا يجب ألا نأمن لهذا الكيان الغادر الذى يعلن قادته (عمال على بطال) عن وهم (إسرائيل الكبرى).. التى تتغول على أراضى كل دول الجوار.. ورغم ترديد مثل هذه الأوهام.. إلا أن مصر قادرة وبكل القوة على حماية حدودها.. وردع كل مَن تسول له نفسه الاقتراب من تلك الحدود.. وفى النهاية فإن التصريحات المستفزة التى صدرت عن كل من نتنياهو وترامب فى الأسبوع الماضى لن تكون الأخيرة.. لأننا حتما سنمسع غيرها حتى انتهاء الانتخابات فى كل منهما.