رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أمريكا بلا خيارات استراتيجية


17-9-2026 | 15:46

.

طباعة
بقلـم: د. وفاء على

لعل السؤال البديهى هو: مَن يملك الاقتصاد العالمى من عنقه، ويعيد تشكيل الجغرافيا السياسية؟ فهناك سلاح لا يخطئ أبدًا، وهو الوقت والاستعداد، وقد أصبحنا لا نعرف مَن مع مَن، ومَن ضد مَن!

وقد يكون القابعون فى تكتل بريكس قد فكروا فى عالم ما بعد الدولار. وعندما رأت الصين أن أمريكا بلا خيارات استراتيجية، دفعت جيدًا فى مسار توسيع التسويات بالعملات المحلية، وتثبيت الممر القارى بين إيران وتركيا، وفكرت فى أن العقوبات الأمريكية، حتى وإن ضيّقت بعض المساحة على إيران وروسيا ودول آسيا الوسطى، فإنها باتت تعمل عمليًا لصالح الصين.

 

ولعل التردد الأمريكى المعهود، والوعد الذى لا يأتى أبدًا، جعلا هناك خيارات استراتيجية لدول مجموعة بريكس للاستعداد لعالم ما بعد الدولار.

وهناك نقطة انكشاف لأمريكا أمام الصين فى ملف المعادن الثمينة، خصوصًا مع حالة الاستعداد للقاء القادم بين الصين وأمريكا، وترقب الصين لأى بنك فيها قد تطاله العقوبات المالية الأمريكية، وللاستغناء عن الدولار، لديها نظام بديل للمدفوعات بين المصارف عبر الحدود، وهو CIPS، الذى يربط اليوم 1800 مؤسسة، وقد سوّى، بحلول مارس 2026، معاملات سنوية باليوان تعادل 245 تريليون دولار، أما التجارة مع إيران فتجرى بالعقل خارج نطاق الدولار، من خلال اليوان والمقايضة.

ولعل التساؤل الذى يدور فى أذهان الجميع هو: هل يقترب عصر أفول الدولار؟ أو هل اقترب الدولار من النهاية؟

ربما يحدث ذلك، ولكن ليس اليوم أو غدًا، وكما تقدمنا، فإن السلاح الذى لا يخطئ أبدًا هو الوقت والاستعداد.

ولكن، كما نقول، المهم أن العالم قد بدأ فعلًا يبتعد عنه خطوة خطوة، والفضل للإدارة الأمريكية الموجودة حاليًا، التى تقف بلا خيارات استراتيجية.

ولكن تكتل بريكس والعالم، حتى مَن هم خارج بريكس، يتحركون نحو هذا الهدف.

وحاليًا، يمثل الدولار 58فى المائة من احتياطيات البنوك المركزية حول العالم، ولا يزال العملة الأولى فى المعاملات التجارية والتمويل حول العالم، ولكن عندما نقول «ولكن»، فهذا يعنى أن هناك مفاعيل أخرى؛ فالمشهد حول العالم بدأ يتغير فى الصين وروسيا وإيران ودول أخرى فى بريكس وغيرها، مع توسع استخدام العملات المحلية فى تجارتها، وأصبحت البنوك المركزية تنوع احتياطياتها أكثر من السابق، بينما تتراجع حصة الدولار تدريجيًا خلال العقدين الماضيين.

إذًا، العالم لا يستغنى عن الدولار دفعة واحدة، وإنما ينشأ خط موازٍ على مهل، وكفى حكمًا للدولار كل هذه الحقب الزمنية.

وعندما يفكر العالم فى فك الارتباط والدوران فى فلك الدولار، وكذلك الاقتصاد العالمي، فسوف نشهد فى المرحلة القادمة تحولًا نحو التنوع النقدي.

ونتيجة عدم وجود خيارات استراتيجية لأكبر اقتصاد عالمي، ظهر شعار لدى المستثمرين والمتداولين، وهو: Sell America، أو «بيع أمريكا».

والسؤال: ماذا يحدث لو قرر العالم فعلًا بيع أمريكا؟

تقول وكالة بلومبرج، فى تقريرها الأخير، إن عملية «بيع أمريكا» تشكل مرحلة من مراحل التخلى عن الدولار، أو حتى التراجع عن الاستثمار فى أدوات الدين الأمريكية، والحقيقة أن همسة واحدة عن «بيع أمريكا» تكفى لتهز الدولار والأسهم والسندات عالميًا، وليس فقط فى وول ستريت.

وهذا الاستنتاج ليس لأن أمريكا ضعيفة، ولكن لأنها كبيرة جدًا، ومع ذلك ليس لديها خيارات استراتيجية، لدرجة أن أى شك فى أصولها يضع الأسواق أمام زلزال عالمي، فأمريكا ليست دولة عادية فى الأسواق، بل لأن الدولار هو عملة العالم، والسندات الأمريكية هى الملاذ الأول فى وول ستريت، وهى قلب التمويل العالمي.

ولهذا، عندما يتداول المستثمرون فكرة «بيع أمريكا»، تعيد الأسواق التفكير والاستنباط، وبالتالى هناك انكشاف كبير لكل المستثمرين فى العالم على أمريكا.

ويمتلك الأجانب حوالى 21فى المائة من إجمالى الأوراق المالية، وثلث ديون الخزانة الأمريكية، و27فى المائة من ديون الشركات، وقرابة 18فى المائة من الأسهم الأمريكية، ولذلك، لدى أمريكا قدرة على تمويل العجز الكبير، ولكن بفضل ما يسمى بـ«الامتياز الباهظ الثمن»، وهذا يتوقف على ثقة المستثمرين الأجانب.

وهذا يعنى أنه إذا بدأ البيع، فسيحدث تأثير الدومينو، وسيتضرر الجميع، وسيُهدد استقرار المنظومة المالية.

وقد بدأت الثقة تضعف فى أمريكا، وبدأت فكرة «بيعها» تترسخ فى عقول المستثمرين منذ فرض ترامب رسومه الانتقامية، وفقدت أمريكا، فى الفترة الأخيرة، جزءًا كبيرًا من تصنيفها الائتماني، فهناك إشارات كبيرة على بيع أمريكا وسنداتها طويلة الأجل.

لذلك، تتحسب واشنطن لسلاح الوقت والاستعداد، الذى لا يخطئ أبدًا، أمام تكتل بريكس، وتقف اليوم بلا خيارات استراتيجية، بينما أصبح سلاح العقوبات نوعًا من الإفلاس السياسي.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة