رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انهيار المشروع الصهيونى (16)


17-9-2026 | 15:45

.

طباعة
بقلـم: د. محمود مالك علوان

المشكلة ليست فى التعايش الإسلامى-اليهودى، بل المشكلة فى الصهيونية كمشروع إحلالى، استيطانى، عنصرى، هدفه محو كل محيطه العربى والإسلامى!

الإمام على بن أبى طالب، فى عهده إلى مالك الأشتر، نصّ على حقوق أهل الذمة، وهو ما أكده العز بن عبدالسلام، والفقيه ابن حزم الأندلسي، وسعيد النورسي، وغيرهم. وعاش اليهود أزهى عصورهم فى الأندلس فى ظل الحكم العربى الإسلامى.

موسى بن ميمون، الحكيم اليهودي، ارتقى إلى أعلى المناصب فى دولة المسلمين فى الأندلس، على عكس ما حدث عند طرد الإسبان لكل اليهود، ولجوئهم إلى الدولة العثمانية خوفًا من القتل!

 

انتهينا فى المقال السابق عند كشف زيف وتدليس الصهيونية للتاريخ العربى والإسلامى والعالمي، وقلنا إن تاريخ العرب والمسلمين فى الأندلس كاشف وفاضح للسردية الصهيونية؛ فقد وجد اليهود والنصارى، فى ظل الحكم العربى الإسلامى لإسبانيا طيلة ثمانية قرون، عدالةً ومساواةً فى الحقوق كافة مع الأغلبية المسلمة، وارتقى كل نابغ من اليهود إلى أعلى المناصب فى الدولة، والأمثلة عديدة. وقد انتهى كل ذلك بمجرد خروج العرب والمسلمين من إسبانيا، فقد عانى اليهود من التشريد والطرد بعد أن نعموا قرونًا فى ظل الحكم العربى والإسلامي!

إن العصر الذهبى فى الأندلس شهادةٌ للتاريخ وللمنصفين؛ فبينما كانت أوروبا فى العصور الوسطى تحرق اليهود فى محاكم التفتيش، وتطاردهم فى كل مكان، وتجبرهم على العيش فى «جيتوات» معزولة، كان الأندلس المسلم هو «الفردوس الأرضي» الحقيقى لهم. هناك، شارك اليهود فى بناء واحدة من أزهى الحضارات الإنسانية، ووصلوا إلى أعلى المناصب فى الدولة، وإليكم هذه الشهادات المنصفة.

شهادة المستشرق «سيدنى نتلتون فيشر»: إذ يقول هذا المؤرخ المنصف فى كتابه «تاريخ الشرق الأوسط»: «كان اليهود فى الدولة الإسلامية يتمتعون بحرية لم يعرفوها فى أى مكان آخر، ووصلوا إلى مناصب عليا كوزراء وسفراء ومستشارين»، هذه شهادة غربية من باحث غير مسلم، تنقض كثيرًا من ادعاءات الصهيونية.

والمفارقة التاريخية الكبرى أنه فى عام 1492م، وهو نفس العام الذى اكتشف فيه كولومبوس أمريكا، سقطت غرناطة، آخر معاقل المسلمين فى الأندلس. وعلى الفور، أصدر الملكان الكاثوليكيان، فرديناند وإيزابيلا، مرسوم الطرد الشهير الذى قضى بتهجير كل اليهود من إسبانيا، أين ذهب هؤلاء اليهود المطرودون؟ استقبلهم السلطان العثمانى بايزيد الثانى بأسطول بحرى كامل، نقلهم إلى الآستانة وسلانيك وإزمير، وأصدر السلطان فرمانًا (مرسومًا سلطانيًا) بمعاقبة كل من يسيء معاملة هؤلاء اللاجئين اليهود، قائلًا عبارته الشهيرة التى سجلها التاريخ: «لقد أفقر ملك إسبانيا بلاده وأغنى بلادي!». هذا هو الفرق بين «الأمان البنيوي» الإسلامي، و«الوظيفية» الأوروبية والصهيونية.

وننتقل الآن إلى سادس ملمح، وهو موقف ابن حزم الأندلسى المتطور جدًا، وترسيخ حقوق المجادلة بالتى هى أحسن؛ إذ يقول الإمام الفقيه والفيلسوف ابن حزم الأندلسي، فى تأصيله لحقوق أهل الذمة: «إن دم الذمى وماله حرام كحرمة دم المسلم وماله». هذه المساواة الكاملة فى حرمة الدم والمال هى أساس «المواطنة الأخلاقية» التى تحدثنا عنها.

هذا التأصيل الفقهى الراسخ هو الذى جعل من الممكن أن يجلس الفيلسوف اليهودي، موسى بن ميمون أو شلومو بن جبيرول، فى أروقة قرطبة وغرناطة، ليجادل ويناقش الفقيه المسلم والفيلسوف المسلم فى قضايا الدين والفلسفة، دون أى خوف من «بصاق» أو «إقصاء» أو «اضطهاد»، كما يفعل «الأمساخ الأخلاقية» الصهاينة اليوم مع مسيحيى القدس ورهبانها.

والخلاصة الآن، بعد كل ما سبق، تجعلنا نتساءل: لماذا يخشى «الصهيونى الوظيفي» كل هذا التاريخ؟!

إن إبراز هذا التاريخ المشرف ليس ترفًا أكاديميًا أو استحضارًا للماضى بدافع الحنين؛ إنه فعل «هندسة وعي» ضرورى فى معركتنا ضد التضليل الصهيوني. لماذا؟ لأن هذا التاريخ يثبت ثلاث حقائق دامغة:

أولًا: الأمان الإسلامى كان «بنيويًا» لا «وظيفيًا».
إن الأمان الذى وفرته الحضارة الإسلامية لليهود كان نابعًا من عقيدة الصالحين (على بن أبى طالب، والعز بن عبد السلام، وسعيد النورسي) ومن قيم الشريعة السمحة. كان أمانًا قائمًا على «العهد الإلهي» و«حق الجوار» و«الأخوة الإنسانية». بينما «الأمان الصهيوني» المزعوم لليهود هو أمان زائف، قائم على الجدران والأسلاك الشائكة، وعلى «البارانويا الوظيفية» والخوف الدائم من «الآخر». إنه أمان «الجيتو المسلح»، وليس أمان الاندماج فى نسيج حضارى حي.

ثانيًا: الازدهار كان بالاندماج لا بالإحلال
فاليهود أبدعوا وأنتجوا وازدهروا حين كانوا جزءًا من الحضارة العربية الإسلامية، وحين كتبوا وتكلموا باللغة العربية، لغة العلم والثقافة فى عصرهم، بينما الكيان الصهيونى اليوم هو «جيتو» معزول، يحاول محو محيطه العربى والإسلامي، ويمارس «الإبادة اللغوية» ضد اللغة العربية. إنه مشروع «إحلالي» لا «اندماجي»، ولذلك فهو عقيم حضاريًا.

ثالثًا: الصهيونية «خيانة للتجربة اليهودية» الحقيقية
فبدلًا من أن يستمر اليهود كجزء من نسيج الشرق العظيم، اختارت الحركة الصهيونية أن تحوّلهم إلى «أداة وظيفية» استعمارية فى يد القوى الإمبريالية الغربية. وبهذا الاختيار، جعلتهم يفقدون «الأمان الروحي» و«المواطنة الأخلاقية» التى وفرها لهم المسلمون طوال 1400 عام، واستبدلوه بـ«أمان زائف» قائم على القوة والعنف والجدران، مما حوّلهم إلى «أمساخ أخلاقية» فى نظر العالم.

إن استحضار أقوال هؤلاء العظام: الإمام على بن أبى طالب، والإمام العز بن عبدالسلام، وابن حزم الأندلسي، وسعيد النورسي، وسيرهم العطرة، وغيرهم من عشرات الأئمة والعلماء المسلمين، ليس مجرد سرد للتاريخ، بل هو هدم منهجى لأسطورة «الكراهية الأبدية» التى يقتات عليها الكيان الصهيونى ليبرر وجوده وسياساته الإجرامية.

إنها «مرافعة تاريخية» تخرس ألسنة المضللين، وتثبت أن المشكلة لم تكن يومًا فى «التعايش الإسلامى اليهودي»، بل المشكلة فى «الصهيونية» ذاتها، كمشروع عنصرى إحلالي.

إن المشروع الصهيونى خسر أخلاقيًا، وتاريخيًا، واستراتيجيًا، وثقافيًا، وكلها خسارات تمهّد لانهيار المشروع من داخله؛ لأن بنيته، كما أكدنا مرارًا، قائمة على نفى الآخر وعزله وقتله، خاصة العربى والمسلم، لا على الاندماج معه فى تعايش سلمى حضاري.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة