فى استطلاعات الرأى المحدثة على القناة 14 العبرية، كان الفارق بين حزب «الليكود» بقيادة نتنياهو، وبين حزب «يشار» بزعامة آيزنكوت، كبيرًا، إذ حصد الأول 33 مقعدًا، بينما حصد الثانى 15 مقعدًا فقط، وفى استطلاع رأى للقناة 13 العبرية، تقدم نفتالى بينيت، رئيس حزب «البيت اليهودي»، على آيزنكوت، ليحتل المرتبة الثانية بالحصول على 18 مقعدًا، بينما يحصد نتنياهو 23 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا للبرلمان الإسرائيلى (الكنيست)، وذلك قبل الانتخابات العامة المقررة فى 7 أكتوبر المقبل لتشكيل البرلمان السادس والعشرين.
على مدار أربع سنوات تقريبًا، بدا أن حكومة نتنياهو على وشك الانهيار عند كل أزمة جديدة، فقد صمدت الحكومة فى وجه صراع مرير حول القضاء، وصدمة هجوم 7 أكتوبر، وحرب مدمرة فى غزة، واتساع نطاق المواجهات الإقليمية، وانقسام حاد بشأن الخدمة العسكرية لليهود المتشددين (الحريديم)، كما واجهت احتجاجات تطالب بالمحاسبة وإجراء تحقيق رسمى فى الإخفاقات التى سبقت الهجوم.
عندما شكل «نتنياهو» حكومته فى أواخر عام 2022، جمع أحزابًا ذات أولويات متباينة للغاية، ولم يكن ما يجمعها رؤية سياسية مشتركة بقدر ما كان اعتمادًا متبادلًا على بقاء الحكومة، فقد أراد حزب «الليكود» بقاء نتنياهو رئيسًا للوزراء، وسعى حزبا «شاس» و«يهودوت هتوراه» إلى الحفاظ على الميزانيات المخصصة لمؤسساتهما وضمان ترتيبات تعفى طلاب المعاهد الدينية (اليشيفا) من الخدمة العسكرية، فى حين جعل حزبا «الصهيونية الدينية» و«القوة اليهودية» التوسع الاستيطانى وانتهاج سياسة أكثر تشددًا تجاه الفلسطينيين فى صلب مطالبهما، وخلق هذا الترتيب مفارقة؛ فالانقسامات ذاتها التى جعلت الائتلاف يبدو هشًا، هى التى منحت أعضاءه أسبابًا للحفاظ على بقائه. ومن منظور المحلل السياسى الإسرائيلى إيلى نيسان، إذ يرى أن ضعف الائتلاف هو «مصدر قوته»، كما صرح فى مقابلة مع شبكة MBN. فكل شريك يدرك أن إسقاط الحكومة قد يكلفه مكاسب سياسية وموارد مالية، فى حين أن إجراء انتخابات جديدة لا يضمن العودة بنفس مستوى النفوذ.
فى إجابة على كل هذه الأسئلة التى تراودنا حول من سيجلس على كرسى رئاسة الوزراء فى المستقبل القريب، أوضح الدكتور أشرف الشرقاوي، المحلل السياسى المختص بالشأن العبري، أنه «فى الخريطة السياسية الإسرائيلية، لا يمكن حصر التصورات فى تفوق أى شخصية فى استطلاعات الرأى العامة، بل ترتبط الانتخابات ارتباطًا وثيقًا بآليات تشكيل الائتلافات الحزبية فى الكنيست من أجل تشكيل الحكومة، إذ يعكس تفوق غادى آيزنكوت وحزبه يشار وتصدره استطلاعات الرأي، فى مقابل تراجع حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو إلى مستويات منخفضة، حالة غضب شعبى ورغبة فى التغيير، لكنه لا يضمن تلقائيًا سقوط بنيامين نتنياهو واليمين، وذلك لأن النظام الإسرائيلى ليس رئاسيًا، ورئيس الوزراء ليس من يفوز بأكبر عدد من الأصوات الشخصية، بل من يستطيع جمع 61 مقعدًا على الأقل فى الكنيست (المكوّن من 120 مقعدًا) لتشكيل حكومة تحظى بالثقة، وقد سبق فى انتخابات سابقة أن حصلت تسيبى ليفنى وحزبها على أعلى عدد من الأصوات، لكنها لم تتمكن من تشكيل الحكومة».
وبحسب «الشرقاوي»، تظهر استطلاعات الرأى أحيانًا تقاربًا شديدًا أو تعادلًا بين المعسكرين: معسكر نتنياهو وحلفائه من اليمين المتطرف والأحزاب الحريدية، مقابل معسكر المعارضة، وهو ما يعنى أن تفوق آيزنكوت كحزب منفرد قد لا يُترجم بالضرورة إلى أغلبية تلقائية للمعسكر، إذا عجزت الأحزاب المتحالفة معه عن حصد المقاعد المطلوبة ككتلة، ويُعرف عن نتنياهو براجماتيته وقدرته الفائقة على إدارة وتوحيد صفوف معسكره اليمينى والديني، الذى يضم أحزابًا عديدة مثل أحزاب شاس، ويهودية التوراة، والصهيونية الدينية، وغيرها، فحتى لو تراجع «الليكود» فى عدد المقاعد، يظل معسكر نتنياهو أكثر تجانسًا وانضباطًا أيديولوجيًا مقارنة بمعسكر المعارضة المفتت بين يسار ووسط ويمين معتدل، وتماسك هذه الكتلة الضيقة يمنح نتنياهو طوق نجاة دائمًا إذا فشل الخصوم فى بناء جسور توافق فيما بينهم.
وأضاف أستاذ اللغة العبرية، أنه «لكى يتمكن آيزنكوت أو أى قائد معارض من تشكيل حكومة بديلة، عليه التعامل مع تناقضات معسكره، ورغم أن الأحزاب العربية (مثل الجبهة والعربية للتغيير والقائمة الموحدة) تمتلك مقاعد مؤثرة، فإن معسكر المعارضة بمعظمه يرفض الاعتماد عليها أو إدخالها فى أى ائتلاف حكومي، كما أن الخلافات الشخصية والأيديولوجية بين زعماء المعارضة أنفسهم، مثل نفتالى بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان، قد تعوق الاتفاق على توزيع المناصب، مما يسهل على نتنياهو البقاء عبر استغلال هذه الثغرات، وإذا كانت استطلاعات الرأى توضح تفوق آيزنكوت وتكتل المعارضة، فإنه لم يكسر بعد حاجز الـ61 مقعدًا من دون الأحزاب العربية، والواقع أيضًا أن استطلاعات الرأى تعكس مزاجًا لحظيًا قابلًا للتغيير بناءً على التطورات الأمنية والعسكرية أو القرارات القضائية والسياسية قبيل يوم الانتخابات مباشرة، وهو ملعب نتنياهو المفضل الذى يبرع فيه دائمًا فى استنهاض قواعده الانتخابية».
وأشار «الشرقاوي» إلى أنه «رغم أن تقدم آيزنكوت فى استطلاعات الرأى يعتبر مؤشرًا حقيقيًا وناقوس إنذار غير مسبوق لنتنياهو، ويُظهر رغبة الشارع فى قيادة جديدة، فإن قدرة نتنياهو وحلفائه على المناورة السياسية وضبط إيقاع التحالفات تظل هى الفيصل الحاسم فى تحديد من سيجلس على مقعد رئيس الوزراء فى النهاية، وقد أجرى نتنياهو خلال التصعيد الأخير فى مواجهة إيران بروفة لما يمكن أن يحدث قبل الانتخابات، فبعد مهاجمة إيران ورد الأخيرة على الولايات المتحدة وإسرائيل بيوم واحد، سجلت استطلاعات الرأى تفوقًا لمعسكر نتنياهو لأول مرة لفترة يومين، تلاهما تراجع إلى الوضع السابق وتفوق لمعسكر آيزنكوت، وربما يأمل نتنياهو أن يلجأ إلى تصعيد مماثل قبل الانتخابات بيوم، يكفل له الأصوات المطلوبة فى وقت لا يستطيع فيه الناخب أن يتراجع عن تصويته، وبالتالى يحقق الفوز رغم انخفاض شعبيته، ولكن من يدري، ربما تكون البروفة نفسها سببًا فى تنبيه الناخبين».