لا بد أن يسود المدرسة نفس المناخ النفسى والاجتماعى الذى يسود الأسرة التى ينشأ فيها الطفل، مثل الإحساس بدفء العلاقات بين كافة أطراف المدرسة من إدارة، ومعلمين، وعمال، وأقران الطفل وغيرهم، كما يعتبر من المهم أيضا أن تنقل المدرسة للطفل مشاعر الاحتواء والأمن والأمان، بحيث يشعر داخلها بعدم التهديد، وأن المدرسة حريصة على احترام خصوصيته وعدم انتهاكها، وبالطبع فإن مثل هذا المناخ النفسى والاجتماعى الإيجابى يؤدى إلى عديد من الوظائف المرغوبة تربويًا، مثل محبة الطالب للمدرسة وتكوينه اتجاهات إيجابية نحوها، وزيادة انتمائه لها، وغير ذلك من النواتج الإيجابية.
وعلى النقيض من ذلك فوجئنا منذ أيام قليلة بقيام إحدى المدارس الرسمية لغات بإدارة أوسيم بنشر أسماء 189 من الطلاب الذين لم يسددوا المصروفات الدراسية بشكل علنى على وسائل التواصل الاجتماعى، ما يمثل انتهاكا صارخا لكل القيم والمعايير التربوية والنفسية والقانونية، بل والإنسانية، وأدى ذلك إلى صدمة فى المجتمع بجميع أطيافه، نتجت تلك الصدمة عن كون ذلك الإعلان -والذى يمثل تشهيرا بالطلاب وأسرهم- صادرًا عن مؤسسة تربوية يثق المجتمع فى اتباعها الأساليب النفسية السليمة للتعامل مع الطلاب، وهى تمثل قدوة لكافة المؤسسات الأخرى فى المجتمع، ولكنها خالفت تلك التوقعات. نعم، لا نعفى أولياء الأمور من تكاسلهم فى سداد حق الدولة فى المصروفات الدراسية التى يعاد ضخها مرة أخرى لتطوير المدارس، وخاصة أن تلك المدرسة قد خاطبت أولياء الأمور بكافة الطرق، سواء الرسمية أو غير الرسمية، والتى اتسمت بالسرية التامة حفاظًا على سمعة الطلاب وخصوصيتهم، إلا أنه كان هناك إصرار من بعض -ولا أقول كل- أولياء الأمور على عدم سداد المصروفات رغم قدراتهم المادية على ذلك، ويعى أولياء الأمور جيدا أن المدارس الرسمية لغات تقدم مستوى تعليميا راقيا نسبيًا، وبالتالى تتطلب مصروفات أعلى نسبيا، مع ذلك يماطلون فى سداد المصروفات، والتى قد لا تقتصر على مصروفات سنة دراسية واحدة، بل وتمتد أحيانًا إلى مصروفات سنتين أو ثلاث سنوات دراسية، اعتقادًا منهم أن تلك المدارس حكومية ولا يمكن نقل أولادهم منها مهما كانت الأسباب، فى حين لا يمكن لأى ولى أمر التأخر عن سداد مصروفات أى مدرسة خاصة لمدة فصل دراسى واحد.
وعلى الرغم من أن مدرسة أوسيم كانت تهدف إلى تنفيذ قرار وزارى، إلا أنها أخطأت بشكل جسيم فى الوسيلة التى اتبعتها لتحقيق ذلك، وهى نشر أسماء الطلاب على وسائل التواصل الاجتماعى، والذى يمثل نوعًا من التشهير بالطلاب وأولياء أمورهم، نحن لا ننكر حق المدرسة وحق الدولة فى المصروفات، لكن ننكر الوسيلة لذلك، والتى لا يرضى عنها شخصيًا المسئول الأول عن التعليم فى مصر، وهو، وزير التربية والتعليم، والذى يسعى بشكل جاد إلى علاج الكثير من المشكلات المزمنة التى يعانى منها نظام التعليم المصرى منذ سنوات طويلة، وتأتى تلك المشكلة لتعطى الفرصة للبعض من المعادين للدولة المصرية لاستغلالها ضد الدولة.
ومن المنظور النفسى والتربوى، توجد تأثيرات سلبية خطيرة لنشر أسماء 189 طالبًا على صفحة المدرسة بوسائل التواصل الاجتماعى، والتهديد بتحويلهم لمدارس حكومية، وهذه التأثيرات لا تقتصر فقط على الطلاب، بل وتمتد أيضًا إلى أسرهم، ومن أمثلتها: شعور الطالب بالصدمة النفسية من المدرسة التى كان ينظر إليها باعتبارها مثل بيته، والتى يجب أن تحافظ على أسراره حتى لو كان هناك نوع من التقصير من جانب أسرته، فضلًا عن شعوره بعدم الأمان نتيجة لتهديده بالنقل إلى مدرسة أخرى بعد ارتباطه النفسى والاجتماعى بزملائه ومعلميه لسنوات عديدة، ويترتب على ذلك نفور الطالب من المدرسة وتكوينه اتجاهات سلبية نحوها. أيضًا، فإن التشهير بالطالب يترتب عليه إحساسه وأسرته بالخزى والخجل الاجتماعى من الآخرين فى محيطه، كذلك فإن تحويل الطالب من نمط مميز من التعليم ومنعه من استمراره فيه يعنى تجاوزًا خطيرًا للقواعد التربوية العادلة، وجعل المعيار الأساسى لاستمرارية الطالب فى الدراسة بالمدرسة المميزة هو مدى امتلاكه للقدرات المادية فقط، وليس ما يملكه من قدرات عقلية وتحصيلية تؤهله للنجاح والتفوق، الأمر الذى قد يترتب عليه حرمان طلاب متميزين علميًا وخلقيًا من الاستمرار فى الدراسة بسبب نقص قدراتهم المادية، وفى نفس الوقت السماح لطلاب قد يكونون أقل فى المستوى التعليمى والتحصيلى بالاستمرار فى ضوء امتلاكهم قدرات مادية، بغض النظر عن مستواهم العلمى والأخلاقى.
أيضا، فإن نشر أسماء الطلاب والتشهير بهم يزيد من احتمال تعرضهم للتنمر من زملائهم فى ضوء قصور قدراتهم المادية، حيث تم تصنيفهم ووصمهم بالفقر والعوز المادى -حتى لو كان ذلك على خلاف الحقيقة-، وقد تستمر هذه الصورة الذهنية السلبية طوال العمر. ويمثل الإجراء الذى قامت به مدرسة أوسيم نوعًا من العقاب للطلاب على تقصير ليس بيدهم، بل متصل بالأهل، فى حين أن القاعدة الشرعية هى: ألا تزر وازرة وزر أخرى.
ومن الناحية العقلية والتحصيلية، فإن تحويل الطلاب من مدرسة تعتمد على الدراسة باللغة الإنجليزية منذ مرحلة رياض الأطفال إلى مدرسة تعتمد على اللغة العربية فى الأساس، يعنى مواجهة هؤلاء الطلاب لصعوبات كبيرة فى الدراسة، فى ضوء اختلاف طبيعة المواد والدراسة.
كما أن التهديد بتحويل الطلاب إلى مدرسة عربى حكومى يعنى إظهار المدارس العربية وكأنها وسيلة لعقاب الطلاب المقصرين.
وفى ضوء تلك التأثيرات السلبية الخطيرة، لا بد من تغيير النظر إلى المدرسة فى علاقتها بالطلاب، ولا يجب أن تتحول إلى مؤسسة تجارية -بدلًا من كونها مؤسسة تربوية- تقطع الخدمة عن العملاء فى حالة امتناعهم عن دفع مقابل السلع، بل إن دور المدرسة أكبر من ذلك بكثير فى تنمية شخصية طالب لديه انتماء لوطنه.
ولا بد من التفكير فى عدة حلول لمنع تكرار مثل تلك المشكلة، ومنها توزيع نشرات دورية على إدارات المدارس بكيفية إقناع الأهالى بتسديد المصروفات أو تقسيطها، أو حرمان الطالب من بعض الامتيازات فى حال تأخره عن دفع المصروفات، مثل حجب النتيجة، ومن المهم أيضًا أن يقوم رجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدنى والأحزاب السياسية بدور فاعل فى سداد المصروفات عن الطلاب غير القادرين.