رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

النيل.. وقفة مع اللاصديق


17-9-2026 | 15:40

.

طباعة
بقلم: د. عمرو عبد العزيز منير

ربما مرت تصريحات وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي حول مياه النيل وسد النهضة على كثيرين ضمن سيل الأخبار المتلاحقة، غير أن اللغة التي استخدمها تستحق وقفة متأنية، خاصة حين تحدث عن حق مصر في «الدفاع الشرعي» عن مصالحها وأمنها المائي، وربط قضية المياه بالبقاء والوجود. ففي العلاقات الدولية تُختار الكلمات بعناية، ويزداد وزنها حين تصدر عن وزير الخارجية في أزمة تمس موردًا ترتبط به حياة دولة كاملة ومستقبل أجيالها.

 

من هنا تكتسب عبارة «الدفاع الشرعي» دلالتها؛ إذ تنقل الرسالة المصرية إلى مستوى يتصل بطبيعة المصلحة التي يجري الدفاع عنها، وبالمكان الذي يحتله الأمن المائي داخل حسابات الأمن القومي. وقد اكتملت ملامح هذه الرسالة حين أكد عبد العاطي حق إثيوبيا في التنمية، ووضع في مواجهته حق مصر في البقاء والوجود، وتحدث عن الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي على الدول المتشاطئة، ثم أعلن رفض مصر إقامة سدود جديدة أو التحكم في مياه النهر بعيدًا عن هذه الالتزامات.

هذا الخطاب يحتاج إلى قراءة هادئة، لأن النيل بالنسبة إلى مصر يرتبط ببنية الدولة ذاتها وبقدرتها على الاستمرار، كما أن الاعتماد المصري الاستثنائي على مياهه يجعل أي ضرر جسيم يصيب تدفقها قضية أمن قومي بكل ما يحمله المصطلح من معنى. وعندما يستدعي وزير الخارجية مفهوم الدفاع الشرعي في هذا السياق، فإنه يدرك الوزن القانوني والسياسي للمفردة التي يستخدمها، ويعرف كيف ستُقرأ في أديس أبابا وفي العواصم المعنية بالملف.

وتنظم المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة حق الدفاع عن النفس ضمن إطار قانوني محدد، وأحاط القانون الدولي ممارسة هذا الحق بشروط تتصل بطبيعة التهديد والضرورة والتناسب. ولهذا فإن أهمية تصريح عبد العاطي تكمن في الرسالة الاستراتيجية التي يحملها اختياره لهذا المصطلح؛ فالقاهرة تضع أمنها المائي داخل دائرة المصالح الوجودية، وتعلن أن حماية هذه المصالح حق للدولة تمارسه في إطار القانون الدولي ومقتضيات أمنها القومي.

وقد منحت مصر المسار التفاوضي سنوات طويلة، وأقرت بحق إثيوبيا في التنمية وتوليد الكهرباء، وسعت إلى الوصول إلى إطار قانوني ينظم الملء والتشغيل ويمنع الإضرار الجسيم بدولتي المصب. وخلال هذه السنوات تحول الزمن نفسه إلى اختبار لمدى جدية الأطراف وقدرتها على بناء الثقة، فيما كشفت الإجراءات الأحادية المتتابعة عن مشكلة أعمق تتعلق بالطريقة التي ستُدار بها مياه النيل في المستقبل.

وهنا نصل إلى جوهر القضية؛ فسد النهضة أصبح جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بالقواعد التي ستحكم النهر خلال العقود المقبلة. فإذا تحولت الجغرافيا إلى أساس يسمح لدولة المنبع بفرض قراراتها على مورد دولي مشترك، أمكن أن تتحول السابقة إلى قاعدة وأن تظهر مشروعات أخرى تضع دول المصب في مواجهة أزمات متعاقبة. لذلك يحمل رفض القاهرة إقامة سدود جديدة أو التحكم المنفرد في المياه نظرة تتجاوز الأزمة الحالية إلى ما بعدها، وإلى مستقبل النيل الأزرق نفسه. فالأنهار الدولية تفرض بحكم طبيعتها شبكة من المصالح والحقوق والالتزامات، واستقرارها يرتبط بقواعد تتيح التنمية وتحمي حقوق الدول المتشاطئة وتمنع الضرر الجسيم. ومن حق الشعب الإثيوبي أن يبحث عن التنمية وتحسين مستوى حياته، كما أن من حق المصريين أن يطمئنوا إلى استمرار مورد قامت عليه حياتهم منذ آلاف السنين، ويمكن التوفيق بين المصلحتين حين توجد إرادة سياسية حقيقية وقواعد واضحة تحكم إدارة المورد المشترك.

وفي هذا الإطار يمكن قراءة تصريحات وزير الخارجية ضمن مفهوم «الاتزان الاستراتيجي» الذي أصبح حاضرًا في الخطاب المصري، والقائم على توسيع دوائر الحركة الخارجية مع جعل المصلحة الوطنية أساسًا للعلاقات. وهو مفهوم يفرض وضوحًا في التعامل مع الصديق والخصم، خاصة في منطقة تتغير فيها التحالفات بسرعة وتتشابك فيها المصالح إلى درجة يصعب معها اختزال العالم في أصدقاء دائمين وأعداء دائمين.

ومن هنا جاءت كلمة «اللاصديق» في عنوان هذه الوقفة، فهي تصف تلك المنطقة الرمادية في العلاقات بين الدول، حيث تتقاطع المصالح في موضع وتتعارض في موضع آخر، وقد تستمر الزيارات واللقاءات والعبارات الودية فيما يكشف السلوك على الأرض عن أسباب تستوجب الحذر. وفي هذه المنطقة يصبح الفعل هو المعيار الأكثر دقة، وتصبح المصالح الوطنية هي الميزان الذي يحدد طبيعة العلاقة وحدودها.

ولعل ملف النيل يقدم أوضح صورة لمعنى «اللاصديق»، لأن المسألة حين تصل إلى المياه تلامس الحد الذي تنتهي عنده المجاملات الدبلوماسية وتبدأ المصالح الوجودية للدولة. تستطيع مصر أن تحتفظ بعلاقات مستقرة مع إثيوبيا وأن تسعى إلى التعاون مع دول حوض النيل، غير أن هذا كله يظل محكومًا بقاعدة لا تحتمل الغموض: مياه النيل بالنسبة إلى مصر قضية وجود، وأي علاقة مع أي دولة تُقاس عند هذه النقطة بمدى احترامها لهذا الحق.

ولهذا أرى أن رسالة بدر عبد العاطي ينبغي أن تصل من دون جعجعة أو مزايدات، فالدولة الواثقة من قدرتها لا تحتاج إلى التهديد كل صباح، وإنما تحدد خطوطها الحمراء بوضوح وتمتلك من أدوات القوة والسياسة والقانون ما يجعل الآخرين يدركون جدية ما تقوله. وفي هذا السياق تبدو الإشارة إلى «الدفاع الشرعي» أكثر أهمية من عشرات العبارات الصاخبة، لأنها صدرت في موضع محسوب ومن مسؤول يعرف وزن المصطلح الذي يستخدمه.

والنيل في الوعي المصري قضية وجود بالمعنى الكامل للكلمة، ارتبط به استمرار المجتمع والدولة عبر تاريخ ممتد، وما زال حاضرًا في صميم قدرة مصر على البقاء وتأمين مستقبل أجيالها. ومن هنا تأتي الحساسية المصرية تجاه كل محاولة للمساس بمياهه، فالأمر يتصل بحق وطن في الحياة، وبمورد لا يملك المصريون ترف التعامل معه باعتباره ملفًا سياسيًا قابلًا للمساومة أو الاختبار.

ولم يكن عبثًا أن يستقر في صلب النشيد الوطني المصري ذلك التعبير الذي حفظته أجيال متعاقبة: «كم لنيلك من أياد». كلمات قليلة تختزن ذاكرة شعب يعرف قيمة النهر الذي عاش عليه، وتفسر جانبًا من ذلك الشعور الذي يجعل الأمن المائي قضية تتجاوز الحكومة القائمة أو الظرف السياسي الراهن، لأنها تخص أجيالًا عاشت وأجيالًا ستأتي.

ولهذا أقولها بلغة القلب بعد لغة السياسة والقانون: ستُقطع اليد التي تمتد إلى قطرة واحدة من مياه النيل. إنها عبارة تلخص شعورًا مصريًا عميقًا بأن لهذا الوطن حقوقًا لا يملك جيل أن يفرط فيها، وأن حماية مورد الحياة مسؤولية تتجاوز الحسابات الآنية، فيما يظل وضوح الإرادة واحدًا من أهم وسائل تجنب اللحظة التي يضطر فيها أحد إلى اختبار حدود الآخر.

وهنا تكمن قيمة التصريحات الأخيرة؛ أن يعرف الصديق أين تقف المصالح المصرية، وأن يفهم «اللاصديق» حدود الحركة، وأن يدرك الخصم أن الصبر الطويل لا يعني غموض الخطوط الحمراء. وفي الوقت نفسه يظل النيل قادرًا على أن يكون مجالًا للتعاون والاستقرار متى احترمت حقوق جميع شعوبه.

وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن تصل كما هي، من دون صخب ومن دون ارتباك في المعنى: مصر اختبرت التفاوض طويلًا، وأدركت خلال هذه السنوات حدود النوايا ومساحات الحركة الممكنة، وهي اليوم تتحدث بلغة أكثر وضوحًا عن أمنها المائي باعتباره جزءًا من أمنها الوجودي. ومع هذا الوضوح تصبح السياسة الخارجية أكثر قدرة على التمييز بين من يحترم المصالح المصرية ومن يختبرها، وبين من يسعى إلى التعاون ومن يدفع الأمور إلى منطقة أخرى.

ففي النهاية، الصديق يعرف حدوده، والخصم يعرف حساباته، و»اللاصديق» يحتاج إلى رسالة لا تحتمل التأويل حين يصل الأمر إلى مورد الحياة.

والنيل بالنسبة إلى مصر حياة وطن وحق أجيال وخط أحمر.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة