احتاجت البشرية أربعمائة وسبعة وخمسين عامًا لتصحح خريطتها البحرية المعتمدة، نحو خمسة قرون والبشرية تبحر سفنها ويطالع ملاحوها خريطة مضللة، ما تُسمى (الخريطة الاستعمارية)، ولها قصة تُروى.
الجمعية العامة للأمم المتحدة صوتت يوم الجمعة (4 سبتمبر) على نحو مفاجئ للولايات المتحدة الأمريكية، لصالح قرار غير ملزم يدعو إلى التخلى تدريجيًا عن خريطة «مركاتور» التقليدية واعتماد خرائط أكثر دقة تعكس المساحات الحقيقية للقارات والدول.
القرار يحض على استخدام إسقاطات متساوية المساحة، مثل خريطة «الأرض المتساوية» (Equal Earth)، التى صُممت فى 2018 لتحقيق تمثيل عادل ودقيق لليابسة.
خريطة (إسقاط) مركاتور التى يدحضها قرار الجمعية العامة الذى وافقت عليه 184 دولة، عارضته الولايات المتحدة، وتحمست له فرنسا، وصمتت عنه ست دول، الخريطة هى إحدى طرق الإسقاط الأسطوانى المستعملة فى رسم الخرائط، اخترعها العالم الجغرافى ورسام الخرائط الفلمنكى «جيراردوس مركاتور» فى عام 1569م .
تُعد الخريطة الطريقة القياسية المستخدمة فى الأغراض الملاحية، لا يزال يعتمدها الملاحون فى رسم خط مستقيم بين نقطتين معينتين، مما يساعد فى تحديد اتجاه البوصلة.
خريطة مركاتور التى عمّرت طويلًا لم تسلم من انتقادات بلغت حد الرفض من مؤرخين وجغرافيين، رأوا أنها كرست تصورات غربية عن حجم ومكانة مناطق مختلفة من العالم.
الرفض تحول لحملة عالمية استخدمت فيها مصطلح «الاستعمار الخرائطي» لوصف هذه الخريطة التى عمدت فى رسمها إلى تصغير دول الجنوب العالمى (جنوب خط الاستواء) بصريًا مقابل تضخيم دول الشمال (شمال خط الاستواء)، ما أسهم فى ترسيخ بعض التحيزات فى مجالات مثل التجارة الدولية وأولويات التنمية والمناهج التعليمية.
جغرافيًا، تتعامل خريطة مركاتور مع انحناء الأرض بطريقة تجعل البلدان القريبة من خط الاستواء تبدو أصغر كثيرًا مقارنةً بحجمها الحقيقي، فى حين تبدو البلدان الأقرب إلى القطبين ممدودة وأكبر حجمًا.
وينشأ هذا التشوّه من استحالة تمثيل سطح الكرة الأرضية بدقة كاملة على خريطة ثنائية الأبعاد.
وبعد أكثر من 450 عامًا، لا يزال ابتكار مركاتور أساسًا لكثير من الخرائط التى نراها فى الفصول الدراسية وعلى شاشات التلفزيون وعبر الإنترنت، ومنها خرائط جوجل.
لكن منتقدى خريطة مركاتور يقولون إن رؤية بعض الأماكن أصغر من حجمها الحقيقى وأخرى أكبر منه تُحدث أثرًا نفسيًا، لأننا نميل غريزيًا إلى اعتبار الأشياء الأكبر حجمًا أكثر روعة وأهمية.
تهدف الخريطة البديلة خريطة روبنسون، الأرض المتساوية التى تطالب بها الأمم المتحدة إلى معالجة مشكلة التشوّه فى إسقاط مركاتور، وعكف فريق من رسامى الخرائط عام 2018، على تطويرها لتمثيل أحجام الكتل اليابسة وأشكالها بصورة أدق. واستُلهمت من إسقاط روبنسون لعام 1963، وهى خريطة تُظهر سطح الكرة الأرضية بأكمله فى صورة واحدة، واعتمدت الدول الأعضاء فى الاتحاد الإفريقى خريطة الأرض المتساوية فى فبراير.
(إسقاط روبنسون هو إسقاط خريطة لخريطة العالم التى تظهر العالم بأسره مرة واحدة. تم إنشاؤه على وجه التحديد فى محاولة لإيجاد حل مناسب لمشكلة عرض الكرة الأرضية بأكملها بسهولة كصورة مسطحة / من ويكبيديا الموسوعة الحرة).
تُوغُو، الجمهورية التوغولية (تقع فى غرب إفريقيا)، نيابة عن القارة السمراء، وبتكليف من الاتحاد الإفريقي، تخوض معركة (سياسية/علمية) لتصحيح حجم (صورة) إفريقيا على (خريطة مركاتور)، الخريطة المعتمدة عالميًا.
طريقة تمثيل سطح الأرض على خريطة مسطحة تؤدى إلى تشويه أحجام المناطق، فالمناطق القريبة من خط الاستواء تبدو أصغر من حجمها الحقيقي، بينما تظهر المناطق الواقعة عند خطوط العرض المرتفعة أكبر من مساحتها الفعلية. وتبدو إفريقيا قريبة فى الحجم من جرينلاند على الخريطة، رغم أن مساحة القارة الإفريقية أكبر منها بنحو 14 مرة.
الخريطة جعلت حجم إفريقيا يبدو أصغر من مساحتها الحقيقية، وهو ما أثر على التصورات السائدة عنها فى مجالات التعليم والثقافة والجغرافيا السياسة والاقتصاد، وأن تغييرها يسهم فى تصحيح التصورات السائدة عن حجم إفريقيا، والمساعدة فى إزالة آثار النظرة الاستعمارية من المناهج التعليمية حول العالم.
حملة «صححوا الخريطة»، التى أطلقتها توجو، تشير إلى أن حجم إفريقيا يتسع (مساحة) لحجم الولايات المتحدة والصين والهند واليابان والمكسيك ومساحات واسعة من أوروبا، وستظل هناك مساحة إضافية من الأراضى تتفوق بها إفريقيا مساحيا .
الاتحاد الإفريقى اعتمد الحملة التوجولية، وفى أغسطس 2025، طلب من توجو قيادة جهود اعتمادها، وتخطط الحكومة التوجولية لعقد فعالية فى العاصمة (لومي) خلال العام المقبل، بالتعاون مع اليونسكو والاتحاد الإفريقى وشركات تقنية من بينها خرائط جوجل، لبحث آليات تنفيذ القرار.
الجمعية العامة قررت اعتماد خريطة جديدة للعالم كانت قد طُوّرت عام 2018، بدلًا من الخريطة التقليدية التى تعود إلى القرن السادس عشر، وذلك بهدف تقديم تمثيل أكثر دقة لأحجام القارات ومساحاتها، وتحديدًا قارة إفريقيا.
قرار الجمعية العامة ليس ملزمًا للدول، لذلك لن تكون الحكومات أو المؤسسات مطالبة باستخدام الخريطة الجديدة، كما لن يمنع استخدام خريطة مركاتور القديمة. ومع ذلك، من المتوقع أن يؤدى القرار إلى تحديث بعض المناهج الدراسية والتقنيات المستخدمة فى الحياة اليومية تدريجيًا.