أنا مثل كثير من المصريين أزعجنى هوجة قطع الشجر التى اجتاحت البلاد لأسباب كثيرة؛ منها الأضرار البيئية التى ستلحق بِنَا وبلادنا، والتشويه البصرى لشوارعنا التى كانت الأشجار المقطوعة تجملها، فضلا عن أن الأشجار المقطوعة عمرها عشرات السنين وزراعة بديل لها سيحتاج لسنوات طويلة، وبالتالى ستحرم منها أجيال عديدة.
وأنا مثل كثير من المصريين يريدون التأكد من تعهد الحكومة بوقف تلك الهوجة لقطع الأشجار نهائيا، وعدم استئنافها مجددا فى منطقة أخرى من البلاد غير محافظة الجيزة؛ خاصة أن قطع الأشجار لم يقتصر على شارع الجامعة العربية بالمهندسين فقط، وإنما طال أماكن عديدة أخرى، حيث اقترنت تلك الهوجة بتنفيذ تخطيط جديد لشوارعنا وإقامة كبارى ومحاور مرورية جديدة بالقاهرة، وتلتها محافظات أخرى.
وأنا أيضا مثل كثير من المصريين أقلقنى أن يكون وراء هوجة قطع الأشجار استخدامها فى صناعة الفحم لتصديره للخارج كما تردد مؤخرا على مواقع التواصل الاجتماعى.. فإذا كنّا فى حاجة للتوسع فى التصدير للمساعدة فى التخلص من الفجوة الدولارية التى نعانى منها؛ فإنه يتعين ألا يلحق ذلك بِنَا ضرر بيّن، وهناك طرق ووسائل وسبل لزيادة الصادرات غير التوسع فى إنتاج الفحم الذى يلقى إقبالا من بعض الدول، أهمها على الإطلاق التوسع فى إنتاج عدد من السلع التى تتميز فى إنتاجها وتحتاجها الأسواق الخارجية.
ومع ذلك كله فأنا أرى أن الأكثر إلحاحا للبلاد الآن زراعة الأمل فى الصدور قبل زراعة الأشجار فى الشوارع!.. أنا لا أقلل من ضرورة زراعة الأشجار فى شوارعنا وطرقنا وفى كل أنحاء بلادنا، ولكننى أنبه إلى الحاجة الملحة جدا لزرع الأمل مجددا فى نفوس عموم المصريين.. الأمل فى غد أفضل من يومهم.. الأمل فى انتهاء ما يتعرضون له من متاعب فى المستقبل المنظور.. الأمل فى التخلص من الضغوط المعيشية التى يعانون منها منذ سنوات.. والأمل فى انحسار موجات التضخم والغلاء التى تطاردهم وتأكل من دخولهم الحقيقية.. باختصار الأمل فى حياة أفضل وأرحب وأقل وطأة من حياتهم الآن.
إننا نواجه تحديات كثيرة، حادة وشديدة، وهى تحيط بِنَا من كل الاتجاهات وتوثر بالسلب على حل مشاكلنا الاقتصادية المتراكمة، ونحتاج لمواجهتها أن يكون هناك أمل فى النفوس بأننا سوف نتخلص منها فى مدى محدد وموعد منظور، حتى يستطيع عموم الناس تحمل المزيد من الأعباء.
المواطنون كما تعودنا فى مصر مستعدون للتحمل والصبر والجلد، ولكن شريطة أن يكون واضحا لديهم أن لهذا التحمل مدى محددا ولهذا الصبر موعدا لانتهائه.. فلا تحمل لأعباء بلا أمل فى التخلص منها فى موعد محدد وإتمام عمل محدد.. وفى تاريخنا الحديث تحمل المصريون برضا وطيب خاطر أعباء إعادة بناء جيشنا بعد هزيمة يونيو لخوض حرب أكتوبر المجيدة التى نحتفل بذكرى النصر فيها الشهر المقبل.. تحملوا النقص والشح فى السلع الغذائية ولم يمارسوا الشكوى أو يعبروا عن الضيق، ولكنهم بعد الحرب أغضبهم استمرار معاناتهم المعيشية التى روج وقتها أنها سوف تنتهى باستعادة العلاقات الطبيعية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعندما لم يحدث ذلك بل وحدث العكس، زادت الضغوط المعيشية عليهم عبروا عن غضبهم بعد قرابة أربع سنوات.
وزراعة الأمل فى النفوس تقتضى خطابا خاصا للمواطنين.. خطاب يتجاوز الحديث المتكرر عما حدث وعما تم إنجازه وإتمامه من أعمال، وإنما عما سيتم عمله وإنجازه مستقبلا لتخفيف الأعباء والضغوط المعيشية على الأغلب الأعم من المواطنين، وتحسين جودة الحياة لهم.. هذا أمر مهم جدا الآن.
ويتعين أن يقترن هذا الخطاب الحكومى الموجه للمواطنين بإجراءات ملموسة على الأرض.. أى بانحسار ملموس لموجات التضخم والغلاء، وبانخفاض واضح فى الضغوط المعيشية للمواطنين.. وفى ذات الوقت يتعين أن يغير المسئولون الحكوميون من صياغة وفحوى تصريحاتهم؛ ليتجنبوا استفزاز المواطنين أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، مع العلم أن هؤلاء صاروا ينتظرون الأفعال لا الأقوال.