رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مصر والسعودية «الأخوة الكاملة»

17-9-2026 | 15:25
طباعة

العلاقات المصرية السعودية استراتيجية على مر العصور، وتتابع الدهور، وتستند إلى رصيد زاخر من الروابط الراسخة، والدعم المتبادل، والتفاهم المتواصل حول مختلف القضايا وجميع الملفات، وتحكمها قواعد الاحترام المشترك، والثقة الكاملة، وقادة البلدين دائمًا حسنو الظن، يحرصون على التوافق فى المواقف، وحتى عند الخلاف فى وجهات النظر بشأن أى قضية لا يفسد ذلك الود المتصل، والعلاقات الأخوية؛ لأن القاهرة والرياض تدركان عن قناعة، وتعلمان عن يقين أنهما حصن الأمة العربية، وركيزة الاستقرار الإقليمى.

 

وأثبتت الوقائع المتتابعة، والشواهد المتلاحقة أن العلاقات المصرية السعودية عصية على الكسر، وقوية فى مواجهة كل المؤامرات الخبيثة، وجميع المخططات الحقيرة لتعكير صفوها أو إحداث الوقيعة بين البلدين الشقيقين؛ فقد حاول أهل الشر وأعوانهم فى دول شتى، وعواصم مختلفة، على مدى عقود طويلة إيقاع الخصومة وبث الفتنة بين العاصمتين لإضعاف التحالف الاستراتيجى بين القاهرة والرياض، تارة بترويج الشائعات ونشر التسريبات المفبركة لإثارة الشكوك بين مسؤولى البلدين، وتارة بتوظيف منصات السوشيال ميديا لنشر الأكاذيب التى توغر الصدور، وتارة بتحريف المواقف والتفسير المضلل للأحداث السياسية والإقليمية لتخريب العلاقات القوية بين الشعبين، وكل مرة كانت تخيب آمال الحاقدين على البلدين، ويرد كيدهم فى نحورهم، وخصوصًا منذ عام 2014، لأن قادة البلدين يترفعون عن الصغائر، ويتنزهون عن النقائص، مع التنسيق المستمر وتواصل اللقاءات الرسمية لضرب أى محاولة لزعزعة التفاهم المطلق بين العاصمتين.

ويجهل المتآمرون على العلاقات المصرية السعودية حقيقة مهمة، وهى أن العلاقة بين البلدين وجودية وتاريخية؛ فالقاهرة من أوائل الدول التى ساندت المملكة منذ بداية سنوات التأسيس، واعترفت بها كدولة مستقلة ذات سيادة بعد توقيع معاهدة الصداقة التاريخية بين البلدين فى القاهرة، مما وضع حجر أساس راسخًا للعلاقات الدبلوماسية، وفتح باب تبادل البعثات، ثم توالت محطات البناء المتين للعلاقات حتى الآن، وأصبحت استراتيجية شاملة على كافة المستويات، وفى جميع المحافل الإقليمية والدولية. وبنفس الإصرار، لم تدخر المملكة العربية السعودية جهدًا فى دعمها للدولة المصرية فى كل العصور؛ وبالتأكيد كانت وقفة المملكة مع الشعب المصرى خلال حرب أكتوبر من الحلقات المضيئة فى هذه العلاقات الوطيدة، ثم فى ثورة 30 يونيو العظيمة، عندما تصدت الرياض بقيادة الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز لتصحيح الصورة للمجتمع الدولى، والمنظمات الأممية والعالمية، والرد على مزاعم جماعة الإخوان الإرهابية، مؤكدًا أن هذه الثورة إرادة شعب خرج إلى الميادين من أجل الخلاص من حكم المرشد الفاشى، وأن مصر شعبًا وقيادةً يستحقان تقدير العالم كله على هذه الثورة الشعبية بامتياز.

ومن المؤكد أن العلاقات القوية بين البلدين ستظل نبراسًا لباقى الدول العربية لكى تحذو حذوها، وتسير على نهجها من أجل صالح الأمة العربية، ولنا القدوة فى الرئيس عبدالفتاح السيسى وأخيه الأمير محمد بن سلمان، فهما يقفان بالمرصاد لأى مكيدة يحاول أصحابها النفاذ من خلالها للإساءة بين البلدين، والتأكيد على ضرورة الوعى المشترك، والشفافية المستمرة لإفشال هذه المخططات الخبيثة، وهو ما تجلى بوضوح خلال الزيارات المتكررة بين الزعيمين. وهنا أجدنى مدفوعًا للتوقف أمام بعض الرسائل خلال زيارة صاحب السمو الملكى الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولى عهد المملكة العربية السعودية ورئيس مجلس الوزراء، إلى مصر؛ لأن جميع المشاهد تؤكد وحدة المصير، وتكامل المواقف، بداية من مراسم الاستقبال فى مطار القاهرة التى سيطرت عليها أجواء الود والأخوة، وهى من العادات الرئاسية التى توحى بمكانة الأمير محمد بن سلمان لدى الرئيس السيسى والدولة المصرية، مرورًا بتأكيد الرئيس السيسى على عمق العلاقات الأخوية التى تجمع البلدين الشقيقين، وتوافق الزعيمين على أن العلاقات بين مصر والمملكة لا تقبل إلا أن تكون مثلى فى الإطار العربى، وأن أمن السعودية ودول الخليج هو جزء من الأمن القومى المصرى، مع تحفظ ورفض وإدانة مصر الكاملة لأى اعتداءات أو تهديدات تمس سيادة المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها أو حرية الملاحة فى الممرات البحرية الدولية، وأن الظروف الحالية تقتضى المزيد من التضامن والتنسيق بين البلدين، وأن مصلحة وأهداف البلدين واحدة، ويوجد بينهما تفاهم مطلق، وأن زيارة سمو ولى العهد تؤكد على التضامن والأخوة الكاملة بين مصر والمملكة وكل دول الخليج.. وعلى الجميع أن يتوقف بإمعان أمام تلك الكلمة التى تحمل عشرات الدلالات الواضحة على عمق العلاقات الثنائية بين القاهرة والرياض، وهي: «الأخوة الكاملة».

وتأكيدًا على التفاهم المطلق، والتضامن المستمر، جدد الرئيس السيسى موقف مصر الثابت فى دعم المملكة العربية السعودية والدول العربية كافة فى مواجهة الظروف الإقليمية الراهنة، مع التأكيد على ضرورة تكثيف التنسيق والتواصل فيما بين البلدين. أما الأمير محمد بن سلمان، فقد عبر عن تقديره لمواقف مصر تحت قيادة الرئيس السيسى فى دعم جهود الاستقرار والسلام الإقليميين، مثمنًا التضامن والمساندة المصرية للمملكة فى مواجهة التحديات الجيوسياسية الأخيرة. وبلغة حاسمة ومواقف صارمة، أكد الزعيمان على الموقف المصرى السعودى الحريص على ضمان حرية وأمن الملاحة البحرية فى مضيقى هرمز وباب المندب وفى البحر الأحمر.

ورغم التطورات الإقليمية والتحديات الراهنة التى تهم البلدين، لم تقتصر المباحثات بين الزعيمين على العلاقات الثنائية أو الملفات المرتبطة بمصالحهما وأمنهما القومى فقط، بل تطرقت المناقشات إلى الأزمة اليمنية، وشدد الرئيس السيسى على دعم مصر للإجراءات التى تتخذها المملكة لحماية أمنها واستقرارها، وضرورة التوصل إلى حل سياسى شامل ومستدام لهذه الأزمة، كما كانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة خلال هذه القمة التاريخية، وتطابقت المواقف المصرية السعودية بشأنها، وضرورة الدفع للتوصل إلى تسوية عادلة وشاملة لها تقوم على حل الدولتين ومقررات الشرعية الدولية، وأهمية إدخال المساعدات الإنسانية للقطاع بكميات كافية ووقف الانتهاكات الإسرائيلية فى غزة والضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية.

ولم يغب الملف السودانى عن اهتمام الرئيس السيسى والأمير محمد بن سلمان؛ فقد تم التأكيد على استمرار دعم مصر والسعودية لأمن واستقرار السودان الشقيق، ووجوب حصرية مؤسساته الوطنية، ورفض مساواة القوات المسلحة السودانية بأى ميليشيات أو كيانات موازية غير شرعية، والتشديد على أن أى تهديد لوحدة السودان وسلامة أراضيه يمثل خطرًا على الأمن الجماعى لمصر والسعودية ودول المنطقة كافة. بل إن الأمن القومى العربى هو الشغل الشاغل للقاهرة والرياض خلال هذه الزيارة المهمة، بالتأكيد على المواقف المصرية السعودية المشتركة إزاء دعم سيادة واستقرار كافة الدول العربية، مع استمرار التشاور والتنسيق المباشر خلال الفترة المقبلة حول مختلف الموضوعات الثنائية والتطورات الإقليمية.

وتجسد هذه القمة بين الرئيس السيسى والأمير محمد بن سلمان، وفقًا لرؤية العديد من المحللين السياسيين، محطة مهمة ولحظة فارقة فى مسيرة التحالف الاستراتيجى بين مصر والمملكة العربية السعودية؛ لأنها تأتى فى توقيت بالغ الأهمية نتيجة للتوترات الحالية بالشرق الأوسط، وتتابع الأزمات فى المنطقة، مما يستوجب توحيد المواقف وتوافق الرؤى فى التعامل مع هذه المستجدات، وطرح السيناريوهات المحتملة، والنقاش حول الحلول التى تضمن الأمن القومى العربى عمومًا، والأمن القومى المصرى والسعودى خصوصًا؛ لأن التوترات تتزايد فى منطقة البحر الأحمر، وهو من الشرايين الملاحية التى تمس المصالح الاستراتيجية للقاهرة والرياض من جهة، وأية اضطرابات فيه تؤثر على الأمن الإقليمى بشكل عام من جهة أخرى.

وطالما الشيء بالشيء يُذكر، يجب لفت الانتباه إلى أن هذه الزيارة للأمير محمد بن سلمان سبقها العديد من الزيارات بين قيادتى البلدين، مما يؤكد قوة العلاقات والروابط المتينة بين الزعيمين، وحرصهما الدائم على اللقاءات التشاورية والاجتماعات المباشرة، ومنها الزيارة الأولى لولى العهد السعودى إلى مصر خلال أبريل 2015، ثم تبعتها زيارة أخرى فى يوليو من ذات العام، وتعاقبت الزيارات للأمير محمد بن سلمان خلال مارس ونوفمبر 2018، مرورًا بزيارة يونيو 2022، وصولًا إلى زيارة أكتوبر 2024، وفيها تم توقيع محضر تشكيل المجلس التنسيقى الأعلى المصرى السعودى، والذى يُعقد برئاسة الزعيمين بشكل مشترك. كما أن هناك نقطة مهمة تحمل إشارات كثيرة، وهى أن غالبية هذه الزيارات لم تكن مجرد شكل بروتوكولى أو لقاءات عابرة، لكنها دائما تتميز بروح الأخوة، مع توقيع عشرات الاتفاقيات الاستثمارية فى مصر، مع دعوة من ولى العهد لرجال الأعمال السعوديين لتوسيع مشروعاتهم فى مصر، وتأكيد من الرئيس السيسى على أهمية زيادة التبادل التجارى بين البلدين الشقيقين.

وتجسيدًا لشعار «لن ترونا إلا معًا»، يواصل الرئيس السيسى جولاته وزياراته إلى الأشقاء فى دول الخليج عموماً، والمملكة العربية بصفة خاصة، تأكيدًا على وحدة الصف والمصير المشترك، وتعبيرًا عن عمق ومتانة العلاقات الاستراتيجية والتاريخية مع الأشقاء فى الخليج؛ لأن أمنهم خط أحمر وجزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى. ولذلك حرص الرئيس السيسى على زيارة الرياض مرارًا وتكراراً، فقد شارك فى القمة العربية الإسلامية الأمريكية فى مايو 2017، إلى زيارته فى مارس 2022، ومشاركته فى قمة جدة للأمن والتنمية فى يوليو 2022، وغيرها من اللقاءات والزيارات إلى العواصم الخليجية وعلى رأسها السعودية، مما يؤكد أن التواصل بين القيادتين صار سُنة حسنة ومنهجًا واضحًا، فضلًا عن إيمان كليهما بأن علاقات البلدين أخوية متجذرة لا تهتز أمام أى عواصف.

ويُحسب للزعيمين السيسى والأمير محمد بن سلمان الالتزام بثوابت عربية ووطنية واحدة فى التعامل مع كافة القضايا وجميع الملفات، ومنها ضرورة احترام سيادة الدولة الوطنية ودعم مؤسساتها حرصًا على مصالح الأوطان ومقدرات الشعوب، مع الحزم والحسم فى مواجهة التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة، والسعى المتواصل لحل كل الصراعات والنزاعات بالطرق السلمية بعيدًا عن لغة القوة العسكرية التى تخسر فيها كل الأطراف. كما يجمعهما الإدراك المتبادل بأهمية الاستقرار لتحقيق التنمية الاقتصادية، مما رسخ جذور التفاهم وعمق التوافق بينهما على المستويات كافة.

حمى الله مصر والسعودية

وأوطاننا العربية من كل سوء

أخبار الساعة

الاكثر قراءة