عاد شبح اليمين المتطرف ليخيم على المشهد الأوروبي، بعدما حقق حزب «البديل من أجل ألمانيا» انتصارًا ساحقًا فى الانتخابات الإقليمية، فى وقت يتصاعد فيه السخط الشعبى تجاه الحكومات التقليدية التى تواجه بدورها ضغوطًا متزايدة. ومع استعداد عدد من الدول الأوروبية لخوض استحقاقات انتخابية حاسمة العام المقبل، تتزايد المخاوف من صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة واقترابها من مراكز السلطة، فى تحول قد يقلب موازين القوى السياسية فى القارة.

خرج عشرات الآلاف إلى شوارع ألمانيا احتجاجًا على صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا»، عقب فوزه الكاسح فى انتخابات ولاية «ساكسونيا-أنهالت»، حيث حصد 43.8 فى المائة من الأصوات، بينما حل حزب الاتحاد الديمقراطى المسيحى فى المركز الثانى بفارق كبير، محققًا 17.2 فى المائة فقط، ويسعى الحزب، الذى لم يتمكن من تحقيق أغلبية مطلقة فى برلمان الولاية، إلى استقطاب مشرعين محافظين بشكل فردى لتأمين الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، فى وقت أبدى فيه حزب «تحالف سارة فاغنكنشت» اليسارى الشعبوى استعدادًا للتعاون معه، وإذا نجح الحزب فى ذلك، ستكون هذه هى المرة الأولى التى يتولى فيها حزب يمينى متطرف السلطة على مستوى الولايات فى ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية .
ومقارنة بانتخابات الولاية التى جرت عام 2021، ضاعف حزب «البديل» حصته من الأصوات، فى حين انخفضت حصة حزب الاتحاد الديمقراطى المسيحى إلى النصف، فى نتيجة تعكس إلى حد كبير تنامى حالة الإحباط من أداء الحكومة الألمانية. وقد أسهمت عوامل عدة، من بينها التضخم، وركود الأجور، وتفاقم عدم المساواة، وتراجع التصنيع، وأزمة الإسكان، فى تنامى المخاوف المرتبطة بالهجرة بين السكان الأوروبيين، علاوة على ذلك، أدى فشل الاستراتيجيات السياسية قصيرة الأمد فى معالجة التوترات التجارية مع الولايات المتحدة والصين، إلى جانب التوترات المرتبطة بإيران، والحرب الروسية الأوكرانية، إلى تعزيز المشاعر الشعبوية، وتحويل حالة الاستياء الاقتصادى إلى صراع أوسع حول الهوية.
وفى ظل هذه الأوضاع، اكتسب حزب «البديل»، الذى يدعو إلى ترحيل المهاجرين ووقف الدعم لأوكرانيا وإعادة العلاقات مع موسكو، زخمًا متزايدًا، وقد احتفل قادة اليمين المتطرف بهذا الفوز استعدادًا لانتخابات ستشهدها أوروبا فى الأشهر المقبلة، ويرى محللون أن النجاح اللافت الذى حققه الحزب قد يكون نذيرًا بانتصارات أخرى لليمين المتطرف، فضلًا عن كونه نموذجًا لكيفية تحقيق مثل هذه الانتصارات .
فى المقابل، كشفت هذه النتيجة عن انقسام متزايد بين الأوروبيين بشأن صعود اليمين المتطرف؛ ففى حين يراه فريق تهديدًا للديمقراطية، ويحذر من إمكانية تقويضه لآليات الرقابة والتوازن ومعاملة الأقليات كمواطنين من الدرجة الثانية، يرى آخرون فى هذه الأحزاب تعبيرًا عن غضب شعبى متزايد تجاه أداء الحكومات التقليدية، وفقًا لما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز».
ولا تقل حدة المخاوف لدى تيار الوسط بشأن الوضع فى فرنسا، حيث من المقرر أن تنتهى ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون فى الربيع المقبل؛ إذ تتقدم مارين لوبان، مرشحة حزب «التجمع الوطني»، وهو الحزب الرئيسى لليمين المتطرف فى فرنسا، بفارق مريح فى استطلاعات الرأي، ما يضعها أقرب إلى الوصول إلى السلطة من أى وقت مضى، بعد مساعٍ استمرت 14 عامًا للوصول إلى الإليزيه .
وقد يؤدى وصول اليمين المتطرف إلى الحكم فى باريس إلى زعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي، نظرًا إلى ثقل فرنسا السياسى وترسانتها النووية، كما قد ينهى ذلك سياسة «الطوق الصحي» التى تتبعها الأحزاب التقليدية برفض التحالف مع اليمين المتطرف.

فى هذا السياق، قال الدكتور طارق وهبي، خبير العلاقات الدولية، إن «أسباب صعود التيار اليمينى المتطرف فى الآونة الأخيرة فى أوروبا ترجع إلى إخفاق ما يُسمى بالسياسات العامة التى كانت تنتهجها الأحزاب التقليدية، من اليمين واليسار. إضافة إلى ذلك، فإن صعوبة الحياة المعيشية، والحروب المتنقلة، وطريقة التعاطى مع بعض الأمور التى لها علاقة بكيفية تعامل أوروبا مع ما يحدث فى الخارج، أدت إلى أن هذا التيار أصبح تيارًا شعبويًا يدعى أنه يريد الحفاظ على أموال الدولة التى يعيش فيها، وألا تذهب هذه الأموال باتجاه أى دولة أخرى» .
وتابع: كما أصبحت قضيتا الهجرة واللاجئين نوعًا من الشعبوية التامة التى يستخدمها اليمين المتطرف فى أنحاء أوروبا، وحتى فى الدول الشرقية التى لم يكن لديها هذا المفهوم، وأصبح لديها عندما فرضت أوروبا، فى مناطق معينة، ما يُسمى «الكوتا»، أى نسب مئوية من القبول للاجئين. لكن الموضوع الأهم هو موضوع الهوية الوطنية؛ فهذا الموضوع يضرب الجميع فيما بينهم، ويستخدمه اليمين المتطرف لنفث السم داخل الناخب الأوروبي، إذ يطرح إما بالمفهوم القومى أو حتى بالمفهوم الدينى فى بعض الأحيان، مؤكدًا أن «الهوية الوطنية أصبحت شعارًا كبيرًا فى ألمانيا».
ولفت «وهبي» إلى أن «الأزمات الاقتصادية، إلى جانب الأزمات العسكرية، أدت أيضًا إلى وضع السياسيين أمام خيارات معينة، قد لا تكون واضحة داخل البلدان الأوروبية، مثل ألمانيا وفرنسا»، موضحًا أن «هناك نوعًا من فقدان الثقة لدى الناخب الأوروبى تجاه الأحزاب التقليدية، ولا يمكننا أن نبحث فى هذا الأمر بعمق إلا إذا قلنا إن الناخب الأوروبى كان دائمًا يتطلع إلى رخاء اقتصادى مبنى على أساس سياسات عامة تضمن لكل فرد فى المجتمع حقه، لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. فعندما اندلعت حرب أوكرانيا، وتوقف تدفق الغاز من روسيا باتجاه أوروبا، أدت هذه الأزمة الاقتصادية إلى دفع عدد كبير من البلدان إلى رفع أسعار الغاز، وهو ما انعكس بشكل مباشر على ما يُسمى الصندوق المنزلى أو مردود معاش الرواتب .
وهنا، لم تكن الأحزاب الشعبوية تتوانى عن استغلال هذا الوضع لتقول للناخبين: ليس عليكم دعم أوكرانيا فى هذه الحرب. وزاد الطين بلة الحرب الإيرانية الإسرائيلية، التى أثرت أيضًا فى أسعار النفط ومنتجاته».
وأضاف أنه «إذا رجعنا إلى فرنسا بالتحديد، نرى أن حزب التجمع الوطنى أصبح بمثابة منارة لليمين المتطرف فى أوروبا، خصوصًا بعد دخوله البرلمان بـ124 نائبًا وتشكيل أول كتلة نيابية بمفهوم الأحزاب فى البرلمان الوطني، لكن ما أعطى دفعة أكبر للأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة هو صعود جورجيا ميلونى فى إيطاليا إلى سدة الحكم، وقدرتها على المزج بين الخطاب المتطرف والتقليدى والديمقراطى المسيحي» .
وأكد «وهبي» أن «نتائج حزب البديل من أجل ألمانيا أعطت دفعة قوية لمارين لوبان، المرشحة لرئاسة فرنسا، ولليمين المتطرف عمومًا، بعدما أثبتت قدرة اليمين المتطرف على تحقيق اختراقات انتخابية. لكنه استبعد أن تكون هذه النتائج كافية للإطاحة بالمستشار الألماني»، مشيرًا إلى أن «الحزب لم يحقق الأغلبية فى الولاية التى فاز فيها، علمًا أن النظام السياسى الألمانى فيدرالى يعتمد على التعددية الحزبية، ويختلف عن النظام الفرنسى الذى يرتبط بمركزية مهمة، وهى رئاسة الجمهورية والحكومة والمجلس النيابى ومجلس الشيوخ».
كما أوضح أن «وصول اليمين المتطرف إلى قصر الإليزيه ممكن، لكن التحدى الحقيقى أمام لوبان سيكون فى الحكم؛ إذ سيكون من الصعب عليها تأمين أغلبية برلمانية تتجاوز 290 نائبًا، بما يتيح لها تمرير أجندتها السياسية بسهولة» .