لم يكن الطريق إلى «منصة التتويج بالذهب» مفروشًا بالورود، بل مر بمحطات من الخسارة والانتظار والمجهود، وأيام كان فيها الاستمرار نفسه يحتاج إلى قدر من الشجاعة لا يقل عن القوة التى تُبذل فى رفع الأثقال.. البطلة المصرية سارة سمير تعرف هذه الرحلة جيدًا، فقد عاشت تفاصيلها لحظة بلحظة، من الطفلة التى بدأت ممارسة رفع الأثقال فى الحادية عشرة من عمرها، إلى البطلة التى صنعت لنفسها مكانًا بين كبار اللعبة، وحملت أحلامها وأحلام أسرتها معها إلى منصات التتويج.
«فضية باريس 2024» لم تكن نهاية الحلم، بل تحولت إلى وقود أشعل رغبتها فى العودة وتغيير لون الميدالية، وفى 2026، جاء الذهب ليكافئ سنوات من الصبر والعمل، وليمنح سارة لحظة طال انتظارها، لكنها لم تنسَ فى زحام الاحتفال الوجوه التى صنعت معها الرحلة، وعلى رأسها والدها الراحل، وفى هذا الحوار، تفتح سارة سمير أبوابًا نادرة إلى ما وراء الميداليات والأرقام.. فإلى نص الحوار:
ماذا تعنى لكِ ذهبيتان فى دورة ألعاب البحر المتوسط 2026؟
تحقيق ميداليتين ذهبيتين فى دورة ألعاب البحر المتوسط 2026 كان لحظة مهمة جدًا بالنسبة لي، لأننى لم أنظر إليهما باعتبارهما مجرد ميداليتين جديدتين فى مسيرتي، وإنما باعتبارهما تأكيدًا على أننى أسير فى الطريق الصحيح، كل بطولة لها ظروفها وتحدياتها، ولذلك فإن الحفاظ على مستواى والقدرة على المنافسة من أجل الذهب يمثلان بالنسبة لى مسؤولية كبيرة.
كيف استقبلت تكريم المؤسسة العسكرية لكِ بعد هذه الإنجازات؟
تكريم المؤسسة العسكرية لى كان من اللحظات التى أعتز بها كثيرًا، لأنه يحمل بالنسبة لى معنى أكبر من مجرد تكريم بطلة حققت ميداليات، عندما أجد أن المؤسسة التى أنتمى إليها تدعمنى وتقدر ما بذلته من جهد، فهذا يمنحنى إحساسًا كبيرًا بالفخر والمسؤولية فى الوقت نفسه.
هل تشعرين أنك انتصرت على المنافسات فقط، أم على سنوات كاملة من المجهود والانتظار؟
أعتقد أن انتصارى الحقيقى لم يكن على المنافسات فقط، وإنما على كل السنوات التى سبقت لحظة الوقوف على منصة التتويج، فى الرياضة، الناس ترى الميدالية فى النهاية، لكنها لا ترى ساعات التدريب الطويلة، والإصابات، واللحظات التى شعرت فيها أن كل ما فعلته قد لا تكون له أيضًا مكافأة.
هل ما زالت «فضية باريس 2024» تؤلمك، أم أصبحت دافعًا لتغيير لون الميدالية؟
«فضية باريس» ستظل جزءًا مهمًا جدًا من قصتي، لكنها لم تعد جرحًا يؤلمنى كما كانت فى البداية، فى لحظتها كنت حزينة لأننى كنت أذهب إلى المنافسة وأنا أحلم بالذهب، وعندما اقتربت، وجدت نفسى فى المركز الثاني، وكان الإحساس صعبًا جدًا، لكن مع الوقت أدركت أن تلك الفضية كانت ضرورية حتى أصل إلى الذهب، وهى ما جعلنى أراجع نفسي، وأعرف نقاط ضعفي، وأفهم أن الوصول إلى القمة يحتاج إلى تفاصيل صغيرة لا يجوز إهمالها.
هل أصبح الذهب فرحة خالصة، أم تزداد معه مسؤولية أكبر؟
الذهب فرحة كبيرة بالتأكيد، وربما لا توجد كلمات قادرة على وصف إحساس اللحظة الأولى عندما عرفت أننى أصبحتُ البطلة، لكن مع الذهب تأتى مسؤولية مختلفة تمامًا، عندما تحققت الميدالية، شعرت بسعادة لأننى حققت حلمًا انتظرته طويلًا، ثم بدأت أفكر فى الخطوة التالية، الناس عندما ترى البطلة على القمة تتوقع منها أن تبقى هناك دائمًا.
ماذا يدور فى ذهنك فى الثوانى التى تسبق محاولة الرفع؟
فى الثوانى التى تسبق محاولة الرفع، يختفى تقريبًا كل شيء من حولي، لا أسمع الجمهور ولا أفكر فى الكاميرات ولا فى الميدالية، يكون تركيزى بالكامل على المحاولة، أراجع فى ذهنى ما تدربت عليه آلاف المرات، وأحاول أن أهدئ نفسى وأمنع أى فكرة سلبية من الدخول إلى رأسي، أحيانًا تكون هناك رهبة طبيعية، لأننى أعرف أن هذه الثوانى قد تحدد نتيجة سنوات كاملة من العمل.
هل تبحثين عن والدك الراحل بعينيك بين الجمهور فى لحظات الإنجاز؟
أحيانًا أشعر بذلك دون أن أقصد، فى لحظات الإنجاز الكبيرة، يكون أول ما أفكر فيه هو الأشخاص الذين تمنيت وجودهم معى ولم يستطيعوا أن يكونوا هناك، ووالدى بالتأكيد فى مقدمة هؤلاء، أتخيله بين الجمهور، وأتخيل فرحته وفخره بى لو كان حاضرًا، ربما العقل يعرف أنه لم يعد موجودًا، لكن القلب لا يتعامل دائمًا مع الغياب بالطريقة نفسها.
ما أكثر شيء ضحيتِ به لتصبحى بطلة؟
أعتقد أن أكبر تضحية كانت أننى لم أعش الكثير من التفاصيل التى يعيشها الناس فى عمرى بشكل طبيعي. الرياضة الاحترافية تأخذ منكِ وقتًا كبيرًا، وتفرض عليكِ نظامًا صارمًا، وتجعلك تفكرين دائمًا فى التدريب والنوم والغذاء والمنافسة. أحيانًا كنت أرى صديقاتى يعشن حياة مختلفة، ويخرجن ويستمتعن بوقتهن، بينما أنا لدى تدريب أو بطولة أو برنامج إعداد.
هناك أشياء صغيرة ربما لا يلاحظها أحد، لكنها تتراكم مع الوقت. كذلك ضحيت بجزء من راحتي، وبكثير من اللحظات العائلية والمناسبات، لأن البطلة لا تستطيع دائمًا أن تختار الوقت المناسب لحياتها. لكننى لا أقول ذلك نادمةً؛ لأننى اخترت هذا الطريق بإرادتي. كل حلم له ثمن، وأنا كنت مستعدة لدفع ثمن حلمي. ربما التضحية الأكبر كانت أن أضع الحلم أحيانًا قبل نفسي، لكن عندما أصل إلى لحظة مثل التتويج، أشعر أن كل ذلك كان يستحق.