رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

البحر الأسود.. شريان الحبوب «تحت خط النار»


11-9-2026 | 12:51

.

طباعة
تقرير: سلمى أمجد

اتسع نطاق الحرب «الروسية - الأوكرانية» إلى ما هو أبعد من ساحات القتال، وذلك مع امتداد الصراع إلى الممرات البحرية وشرايين التجارة العالمية، وفى خضم هذا التصعيد، تتزايد الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا على الموانئ والسفن فى البحر الأسود، ما ألحق خسائر فادحة بالمزارعين، ويهدد بإرباك حركة تصدير الحبوب، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار الغذاء فى الأسواق العالمية، وفى الوقت نفسه، قد تفرض التداعيات الاقتصادية مزيدًا من الضغوط على الدول الأكثر اعتمادًا على واردات الحبوب، بما يفتح الباب أمام موجات جديدة من الهجرة.

منذ يوليو الماضي، صعدت موسكو هجماتها على الموانئ والسفن الأوكرانية فى البحر الأسود، ما أعاق بشدة قدرة كييف على تصدير الحبوب إلى الأسواق العالمية، ومن بينها مصر والجزائر وتونس واليمن وإندونيسيا، مستهدفة مراكز تصدير الحبوب الرئيسية فى أوكرانيا، وهما أوديسا وتشورنومورسك، وردت كييف بالمثل، إذ شنت غارات بطائرات مسيرة وصواريخ على سفن ومراكز تجارية روسية، وقصفت خلال شهر أغسطس الماضى ما لا يقل عن خمس ناقلات روسية محملة بالحبوب.

«ضرب موانئ التصدير» تزامن مع ذروة موسم الحصاد فى أوكرانيا، ما أدى إلى تكدس كميات كبيرة من الذرة والشعير والقمح داخل البلاد، ووضع المزارعين أمام خطر الإفلاس، ودفع ذلك كييف إلى اللجوء لطرق بديلة لتصدير إنتاجها، تشمل النقل البرى والسكك الحديدية والممرات النهرية عبر الدانوب، بعدما وجدت نفسها عاجزة عن تصدير كميات كبيرة عبر موانئها على البحر الأسود فى ظل إحجام شركات النقل عن خوض الرحلات البحرية المحفوفة بالمخاطر.

ووفقًا لتصريحات أدلى بها تاراس فيسوتسكي، وزير الزراعة والغذاء الأوكراني، لم تتمكن كييف من تصدير سوى نحو 1.4 مليون طن عبر الطرق البديلة، وهو ما يمثل قرابة ثلث الكمية التى كان بإمكانها تصديرها، إلا أن هذه البدائل تواجه تحديات متزايدة، بعدما بدأت روسيا باستهداف أجزاء من شبكات النقل، فضلًا عن محدودية الطاقة الاستيعابية لنهر الدانوب هذا العام بسبب الجفاف.

على الجانب الآخر، بلغت صادرات روسيا من الحبوب نحو 1.4 مليون طن مترى خلال الفترة من 1 إلى 20 أغسطس، أى أقل من نصف الكمية المسجلة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وهو أدنى مستوى لها منذ عشر سنوات، وفقًا لبيان صادر عن الاتحاد الروسى للحبوب، ورغم اتجاه موسكو، أكبر مصدر للحبوب فى العالم، إلى موانئ بحر البلطيق كطريق بديل لتصدير الحبوب والمواد الغذائية، فإن الطاقة الاستيعابية لها لا تكفى للاستغناء تمامًا عن موانئ آزوف والبحر الأسود.

ورغم إعلان وزير الخارجية التركى هاكان فيدان أن بلاده أعدت خطة لضمان مرور شحنات الحبوب بأمان عبر البحر الأسود، مؤكدًا استمرار التواصل مع روسيا وأوكرانيا بهذا الشأن، قال نائب وزير الخارجية الروسى ألكسندر غروشكو، إن «موسكو لا ترى أى مبرر لاستئناف اتفاق الحبوب فى البحر الأسود.

يُذكر أن تركيا والأمم المتحدة رعتا «مبادرة حبوب البحر الأسود» فى يوليو 2022، التى أسفرت عن تصدير نحو 33 مليون طن مترى من الحبوب الأوكرانية بأمان، إلا أن روسيا انسحبت من الاتفاق فى عام 2023، قائلة إن «صادراتها من الأغذية والأسمدة تواجه عقبات خطيرة».

وشهدت أسعار القمح العالمية ارتفاعًا فى الأسابيع الأخيرة، لكنها لا تزال أدنى من مستوياتها المسجلة فى بداية الحرب عام 2022، ومع ذلك، يرى المحللون أن الاضطراب الأخير فى صادرات الحبوب من المرجح أن يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع، ويفاقم صدمات أخرى فى إمدادات الغذاء، من بينها تداعيات الحرب الإيرانية، وانخفاض إنتاجية الحبوب فى أوروبا بعد موجة الحر الشديدة التى شهدتها القارة خلال الصيف، فضلًا عن التطور السريع لظاهرة «النينيو» المناخية، وتتوقع مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس» ارتفاع أسعار الغذاء العالمية بنحو 12 فى المائة هذا العام، وبنسبة 4.8 فى المائة إضافية فى عام 2027.

كما يشمل التصعيد فى البحر الأسود مخاطر عالمية، إذ قد يؤدى نقص إمدادات الحبوب إلى ارتفاع معدلات التضخم فى الدول النامية، وتأجيج السخط الشعبي، وتشجيع موجات الهجرة نحو أوروبا، ويأتى ذلك فى وقت يُعد فيه ملف الهجرة من أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل داخل القارة العجوز، وهو ما يفسر تنامى المخاوف الأوروبية من انعكاسات أى أزمة غذاء جديدة،لا سيما فى ظل اتهامات متكررة لروسيا باستغلال سلاسل الإمداد الغذائى كسلاح، بهدف تقويض الدعم والتعاطف مع أوكرانيا، وفقًا لما أوردته شبكة «يورو نيوز».

 

وفى هذا السياق، أوضح الدكتور أديب السيد، الخبير فى الشئون الروسية والعلاقات الدولية، لـ« المصور»، أن «النزاع الروسى الأوكرانى دخل مرحلة جديدة من الاستنزاف الاقتصادي، وسط مخاوف من انتقاله إلى مواجهة واسعة النطاق بين روسيا وحلف الناتو. وبات الجانبان يترصدان مسارات إبحار السفن التجارية، فى محاولة لاستهدافها وحرمان الخصم من عائدات مالية تمكنه من مواصلة الحرب»، مؤكدًا « تحول البحر الأسود إلى ساحة مصيدة للسفن من كلا الجانبين». 

وتابع: شنت القوات الروسية ضربات مكثفة على الموانئ الأوكرانية، ولا سيما ميناء أوديسا، الذى تنطلق منه نسبة كبيرة من السفن المحملة بالقمح والشعير إلى الأسواق الخارجية، وبدورها، شنت أوكرانيا هجمات على سفن تجارية روسية فى البحر الأسود وبحر آزوف، وتجاوز عدد السفن الروسية التى تعرضت لهجمات مائة سفينة، فيما لجأت دول غربية حليفة لأوكرانيا إلى مطاردة البواخر الروسية فى بحر الشمال وبحر البلطيق ومصادرتها بهدف ممارسة أقصى درجة من الضغط على روسيا من أجل إرغامها على وقف الحرب. وكانت النرويج آخر دولة تحتجز سفينة روسية علمًا بأن روسيا هددت بأنها ستتخذ إجراءات عسكرية لحماية سفنها في أعماق البحار خاصةً في بحر البلطيق، بالرغم من الصعوبات. 

كما أكد «أديب» أن «استهداف حمولات القمح والشعير من روسيا وأوكرانيا يؤثر على الأسعار فى الأسواق العالمية، وقد يتيح للولايات المتحدة وكندا زيادة أسعار هذه السلع، لكنه بلا شك لن يؤدى حتى الآن إلى حدوث مجاعة؛ لأن مجموع صادرات القمح والحبوب من كلا البلدين المتحاربين فى الأسواق العالمية لا يتجاوز العشرين فى المائة، لكن فى الوقت نفسه يجب علينا أن نقر أن صادرات الحبوب من روسيا تقلصت فى الأشهر الأخيرة بنسبة 17 بالمائة بسبب الأوضاع فى البحر الأسود وبحر آزوف والقيود فى بحر البلطيق، أما أوكرانيا، فقد تقلص حجم صادراتها من الحبوب خلال العام الجارى بأكثر من 30 فى المائة، ما خلف خسائر تُقدر بنحو ثلاثة مليارات دولار».

وأضاف: أن محاولات أوكرانيا لاستبدال البحر بطرق نهرية وبرية وبالسكك الحديدية اصطدمت بعدة عقوبات؛ أبرزها صعوبة نقل الحمولات بريًا بسبب اختناق الطرق مع الاتحاد الأوروبي وثانيًا رفض بولندا وهنغاريا استيراد الحبوب الأوكرانية حرصًا على استقرار الاسواق الداخلية . بينما تحاول أوكرانيا جاهدة استخدام الطرق اللوجستية في نهر دوناي بمساعدة رومانيا إلا أن هذه الطرق ليست كافية لتعويض أوكرانيا خسائرها.

وفيما يتعلق بمخاطر خروج الحرب عن نطاق السيطرة، لفت «أديب» إلى أن «ما يحدث حاليا نتيجة لمحاولة بريطانيا وألمانيا التدخل مباشرة فى النزاع بين موسكو وكييف، وعزمها التأثير على مسار المعارك فى ميادين القتال من خلال توطين الصناعات الصاروخية فى أوكرانيا وتزويد الأخيرة بصواريخ بعيدة المدى والسماح لها باستهداف العمق الروسي. ولعل زيارة مدير الاستخبارات الامريكية " السي أي إيه " جون راتكليف إلى موسكو الأسبوع الماضي هدفت بالدرجة الأولى إلى جس نبض الروس حول مدى جديتهم في استهداف مواقع عسكرية تابعة لحلف الناتو خارج نطاق مسرح العمليات في أوكرانيا . ولهذا السبب أيضًا قام مبعوثا الرئيس الأمريكي جيراد كوشنار وستيف ويتكوف خلال الأيام الماضية بزيارة موسكو».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة