رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«واشنطن ــ طهران».. حرب «بلا نهاية»


12-9-2026 | 15:06

.

طباعة
تقرير: أمانى عاطف

«من مجرد رحلة قصيرة إلى مأزق متفاقم يهدد بتقويض رئاسة الرئيس دونالد ترامب»، هكذا تحولت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وأصبحت هناك تداعيات بعيدة المدى تأثرت بها أطراف عدة أبرزها أمريكا وإيران والاقتصاد العالمى، وفى الوقت ذاته لا تلوح فى الأفق مؤشرات واضحة إلى نهايتها، وبات الشرق الأوسط ساحة للحرب، فيما تلقى أسعار النفط المتصاعدة بثقلها على الاقتصاد العالمى.

 

فى أحدث تصعيد صرح مقر خاتم الأنبياء بأن الضربات على السفن الأمريكية ستكون أشد إذا واصلت واشنطن أعمالها العدائية والحصار، وهددت طهران إذا استمرت الحرب الاقتصادية، فلن يتم تصدير قطرة واحدة من النفط، لا عبر مضيق هرمز ولا من أى مكان فى الخليج، مع الأخذ فى الاعتبار أن الهجمات والتهديدات الإيرانية للسفن أدت بالفعل إلى توقف معظم حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ليصبح المضيق شبه مغلق بعد أن كان يمر منه نحو خمس الطاقة العالمية قبل الصراع.

وكلما توسعت المواجهة مع الولايات المتحدة، وتصاعد التوتر مع دول الجوار فى الخليج، ازدادت القيود على التجارة والاستثمار والتعاون المالى، ومع الوقت، تصبح إيران أكثر انفصالًا عن الاقتصاد العالمى، وأكثر اعتمادًا على أدوات الالتفاف والمقاومة، وتسعى طهران إلى إطالة أمد الصراع حتى موعد انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى، على أمل زيادة الضغوط السياسية الداخلية على إدارة الرئيس ترامب، وتدرس القيادة الإيرانية احتمال تصعيد الحرب مع الولايات المتحدة، بما تعتبره تناميًا فى قدرتها على استهداف المصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط، وتراهن على العامل السياسى داخل الولايات المتحدة، خصوصًا مع تراجع شعبية الحرب وارتفاع أسعار الوقود.

وسط هذا المشهد، أعلن وزير الدفاع الأمريكى عن اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية لتمديد نشر قواتها بالشرق الأوسط حتى نهاية عام 2027، ويأتى التمديد ضمن استراتيجية عسكرية مفتوحة تهدف لمنح الرئيس ترامب خيارات متعددة فى الحرب مع وجود 50 ألف جندى أمريكى بالشرق الأوسط كعدد قابل للزيادة، وهناك انقسام أمريكى، حيث هناك عين على القتال فى ساحات الصراع مع إيران، والأخرى على النزاع الانتخابى المقرر فى نوفمبر المقبل، لذلك يدفع مستشارون كبار للرئيس الأمريكى دونالد ترامب باتجاه إبقاء الحرب مع إيران ضمن نطاق محدود.

ويحذر المقربون من «ترامب» من احتمالية خسارة انتخابات التجديد النصفى، وفى الوقت الذى تعمل فيه إدارة ترامب على بلورة استراتيجية لمرحلة ما بعد الحرب، يلوح «ترامب» بإمكانية استهداف موقع «جبل الفأس» فى إيران قريبًا جدًا، فى إشارة إلى المنشأة الواقعة تحت الأرض، التى يُعتقد أن إيران نقلت إليها جزءًا من مخزونها من اليورانيوم عالى التخصيب.

كذلك، هناك استراتيجية تهدف إلى إنشاء منظمة إقليمية لاحتواء طهران، وذلك بعد أن كثف «ترامب» عقوباته على قطاعات الشحن والطاقة والمال، وشن حصارًا بحريًا على الجمهورية الإسلامية، وإلى جانب العمليات العسكرية، تواصل واشنطن استخدام الضغوط الاقتصادية، ويتركز جانب رئيسى من التصعيد الأخير بين الطرفين حول مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، وتشير تقارير حديثة إلى أن المواجهة حول الممر البحرى دخلت مجددًا مرحلة من التصعيد بعد فترة هدوء نسبى.

ولا يبدو أن هناك مؤشرات جدية إلى استئناف المسار الدبلوماسى، إذ لم تُظهر واشنطن أو طهران استعدادًا للعودة إلى طاولة المفاوضات منذ انهيار اتفاق سلام مؤقت توصل إليه الطرفان فى إسلام آباد فى يونيو، ويهدد التصعيد الجديد بتراجع حركة الشحن عبر مضيق هرمز مجددًا، ما قد يؤثر فى إمدادات النفط والغاز وسلع أخرى، ويدفع أسعار الطاقة ومعدلات التضخم إلى مزيد من الارتفاع.

والمفارقة أن «كلفة المواجهة» لا تبدو محصورة فى الجانب الإيراني، فالولايات المتحدة الأمريكية نفسها بدأت تشعر بصورة أو بأخرى، بتداعيات هذا الصراع على اقتصادها الداخلى لاسيما فى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية وكلفة الطاقة والنقل والخدمات، وفى الجانب الآخر، يبقى المواطن الإيرانى هو الذى يدفع الثمن الحقيقى للحرب، بما يخسره من دخل وفرص عمل واستقرار يومى، فى ظل التضخم وتراجع قيمة العملة وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وهناك مخاوف من اندلاع احتجاجات شعبية بسبب العزلة الاقتصادية التى فرضتها واشنطن على طهران، وهى حملة وصفها «ترامب» بأنها «يوم النصر الاقتصادى» لإيران، ويسعى البيت الأبيض إلى انتزاع تنازلات فى أى مفاوضات مستقبلية، بعد أن فشلت ستة أشهر من الصراع فى تحقيقها حتى الآن.

فى هذا السياق، أوضح الدكتور إسلام المنسى، الخبير فى الشأن الإيرانى، أن «الأزمة الاقتصادية تتفاقم داخل إيران، وهى بالفعل كانت قبل الحرب متفاقمة، وازداد تفاقمها إلى حد لا يمكن تحمله بسبب الحرب والعقوبات والحصار الأمريكى للموانئ الإيرانية، ولذلك يجد النظام الإيرانى نفسه أمام استحقاق فى الداخل لا يقدر على مواجهته، ولذلك نجد أن هناك حملات اعتقال وإعداماً وقمعاً، وهى بمثابة إجراءات استباقية لمنع نشوب المظاهرات».

وأضاف: أيضًا، يحرص النظام الإيرانى على إبقاء حالة الحرب قائمة حتى فى وقت توقف المواجهات العسكرية، ويحرص على وجود الجماهير المؤيدة له فى الميادين والشوارع الإيرانية، والتظاهر والاعتصام يوميًا ضد الولايات المتحدة، لبقاء حالة من الاستنفار وحشد الجماهير ضد العدو الخارجى، وليس ضد النظام فى الداخل.

وتابع: الأزمة الاقتصادية وتشديد العقوبات الأمريكية تضغط بالتأكيد على النظام الإيرانى وتدفعه للتجاوب مع الجهود الدبلوماسية الأمريكية، ففى البداية كانت واشنطن تحاول الحفاظ على مذكرة التفاهم، لكن بعد رفض إيران لها وتفسرها بتفسيرات مختلفة، مهاجمة السفن، قررت واشنطن إلغاءها وعدم العمل بها، وأصبحت طهران هى التى تتوسل للعودة إلى مذكرة التفاهم، وتطالب بشكل متكرر على لسان رئيس البلاد مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجى، ولكن واشنطن لا تستجيب، لذلك الموقف الإيرانى تغير وأصبح أكثر قبولًا للحل الدبلوماسى، ومع ذلك واشنطن لا تريد العودة لمذكرة التفاهم التى ثبت بالفعل أنها لا تلبى متطلبات إنجاز صفقة دبلوماسية، ولم تعد صياغات هذه المذكرة صالحة للعودة إليها، واختتم «المنسى» حديثه بأن «العقوبات والحصار النفطى ليست مجرد ضغط اقتصادى، فإيران تعيش تحت وطأة العقوبات منذ عشرات السنين، ولكن العقوبات الآن أصبحت تهدد قدرة الدولة على الاستمرار، ليس فقط النظام، بل الدولة ككل، وأصبحت مهددة بسبب العقوبات الأمريكية المشددة وغير المسبوقة، بمعنى أن إيران الآن ممنوعة من تصدير النفط، وممنوعة من التعامل مع الخارج إلا عن طريق الالتفاف حول العقوبات، وأيضًا تتعرض من وقت لآخر لضربات عسكرية مباشرة، وهذا وضع غير مسبوق فى التاريخ الإيرانى، لذلك يهدد هذا الوضع بانهيار الدولة، وهو ما تضغط واشنطن نحوه، ليس لانهيار طهران، وإنما للضغط على النظام ليتجاوب بشدة ويعود إلى طاولة المفاوضات ويتم إنجاز صفقة».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة