وعملت مصر على مدار السنوات الماضية على تأكيد موقفها الثابت، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما تبعها من تدمير وحشى وإبادة للشعب وجرائم ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي، حيث دعمت مصر الشعب الفلسطينى من خلال مفاوضات وقف إطلاق النار من ناحية، ومن ناحية أخرى تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية لأهالى قطاع غزة عبر وسائل متعددة، أبرزها معبر رفح، الذى كان بمثابة شريان الحياة للقطاع من خلال مؤسسات التحالف الوطني، وعلى رأسها الهلال الأحمر المصري، الذى أطلق خلال الساعات الماضية قافلة «زاد العزة.. من مصر إلى غزة» 273 محملة بالمساعدات الإنسانية المتجهة إلى قطاع غزة، فى إطار دوره كآلية وطنية لتنسيق وإيصال المساعدات الإنسانية إلى الأشقاء الفلسطينيين.
كما يتواجد الهلال الأحمر المصرى على الحدود منذ بدء الأزمة، مع استمرار جاهزية مراكزه اللوجستية وتكثيف جهوده لتجهيز وإدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى قطاع غزة، والتى تجاوز إجماليها مليون طن، بمشاركة أكثر من 75 ألف متطوع بالجمعية.
ووفقًا للبيانات الرسمية، بلغت المساعدات المقدمة إلى قطاع غزة من مصر أكثر من مليون طن، عبر عمل متصل ومستدام على مدار 1039 يومًا.
ومن بين المساعدات المقدمة، قام «الهلال» بإدخال 488 ألف طن منذ 28 يوليو 2025، عندما جرى استئناف إدخال المساعدات التى حملت اسم «زاد العزة من مصر إلى غزة»، عقب شهور من القيود فى ظل ما عُرف آنذاك باسم «مؤسسة غزة الإنسانية»، التى كانت بمثابة مصائد موت للضحايا، وقد أخذ تدفق المساعدات منحى متصاعدًا بعد اتفاق شرم الشيخ فى 13 أكتوبر 2025، وبمتوسط تقريبى 200 شاحنة يوميًا، فيما تصل عشرات الشاحنات الأسبوعية قادمة من الأردن وعبر ممر الأمم المتحدة، قادمة من ميناء أشدود شمالى قطاع غزة.
وفى إطار الموقف العربى الموحد، أدانت مصر وقطر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية، بأشد العبارات، التصريحات الصادرة عن وزير الأمن القومى الإسرائيلى إيتمار بن غفير ووزير الدفاع الإسرائيلى يسرائيل كاتس، بشأن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وما تضمنته من طرح خطط وآليات تستهدف إخراجهم قسرًا من أرضهم.
وأكد وزراء خارجية الدول الثمانى فى بيان مؤخراً رفضهم القاطع لأى محاولات أو مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني، سواء داخل الأراضى الفلسطينية المحتلة أو خارجها، وتحت أى مسمى أو ذريعة، معتبرين أن تحويل الدعوات إلى التهجير القسرى إلى سياسة معلنة أو إجراءات عملية يمثل انتهاكًا للقانون الدولى والقانون الدولى الإنساني، وتهديدًا مباشرًا للحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني.
كما شدد الوزراء على أن أى إجراءات تستهدف تغيير الواقع الديموغرافى أو الجغرافى فى الأراضى الفلسطينية المحتلة من شأنها تقويض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار فى المنطقة، فضلًا عن تهديد فرص التوصل إلى تسوية سياسية عادلة ودائمة.
وأكد الوزراء أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة، مشددين على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضى الفلسطينية فى قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ورفض أى محاولات للفصل بينها أو فرض واقع جديد على الأرض.
وجددت الدول موقفها الداعم لحل الدولتين باعتباره السبيل الوحيد لتحقيق السلام العادل والدائم، بما يفضى إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، كما دعت الدول المجتمع الدولى، وفى مقدمته مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، إلى تحمل مسؤولياته والتصدى بحزم لأى محاولات لفرض واقع ديموغرافى أو جغرافى جديد فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، وضمان احترام قواعد القانون الدولى وحماية حقوق الشعب الفلسطينى.
وجدد وزراء الخارجية دعمهم لصمود الشعب الفلسطينى على أرضه، مؤكدين رفضهم جميع المحاولات الرامية إلى تهجير الفلسطينيين أو محو القضية الفلسطينية وتقويض حقوقهم المشروعة، مشددين على أن معالجة الأزمة تتطلب مسارًا سياسيًا يضمن حقوق الشعب الفلسطينى ويضع حدًا للصراع على أساس حل الدولتين.
وأكد الدكتور هيثم عمران، أستاذ العلوم السياسية، أن «التحركات الإنسانية المصرية تجاه قطاع غزة تمثل جزءًا أساسيًا من استراتيجية متكاملة تجمع بين الدعم الإغاثى والتحرك السياسى والدبلوماسي»، مشيرًا إلى أن «القوافل المصرية والمساعدات الإنسانية تسهم فى تعزيز صمود الشعب الفلسطينى والحفاظ على القضية الفلسطينية من مخططات التصفية».
وأضاف: التدخل الإنسانى المصرى فى غزة من خلال القوافل المتواصلة، ومنها قوافل «زاد العزة» و«تحيا مصر»، لا يقتصر على تقديم المساعدات فقط، بل يعكس رؤية مصرية شاملة للتعامل مع الأزمة، وهذه الجهود تحمل أبعادًا قومية وإنسانية، مشيرًا إلى أن مصر قدمت النسبة الأكبر من المساعدات الإنسانية والإغاثية التى دخلت إلى قطاع غزة منذ بداية الأزمة، بالتعاون بين مؤسسات الدولة المختلفة، والهلال الأحمر المصري، وصندوق تحيا مصر، والتحالف الوطنى للعمل الأهلى التنموي، كما أن استمرار إدخال الوقود والمستلزمات الطبية والمواد الإغاثية يمثل عاملًا مهمًا فى دعم صمود الفلسطينيين على أرضهم، ويحد من آثار الحصار والتجويع وتدهور الأوضاع الإنسانية داخل القطاع.
«عمران»، أشار إلى أن «مدينة العريش تحولت إلى مركز لوجستى رئيسى لاستقبال وتجهيز المساعدات القادمة من مختلف الدول، إلى جانب التنسيق مع الجهات الدولية لتسهيل وصول الدعم إلى مستحقيه»، مؤكدًا أن «التحرك الإنسانى المصرى لا يمكن فصله عن الدور السياسى والدبلوماسى الذى تقوم به القاهرة»، موضحًا أن «المساعدات تمثل ذراعًا تنفيذية للجهود السياسية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، ودعم مسار التهدئة، والحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني”.
ولفت إلى أن «القضية الفلسطينية تمثل قضية أمن قومى لمصر، والقاهرة تواصل تحركاتها لمنع تصفية القضية أو فرض أى مخططات تستهدف تهجير الفلسطينيين من أراضيهم»، موضحًا أن «مصر تمتلك خبرات دبلوماسية وتاريخية تؤهلها للقيام بدور محورى فى إدارة الأزمة»، ومؤكدًا أنه «لا يمكن تحقيق استقرار حقيقى فى قطاع غزة دون مشاركة مصرية فاعلة».
وأوضح أن «القاهرة تواصل جهود الوساطة بين مختلف الأطراف، والعمل على تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بوقف إطلاق النار، إلى جانب الضغط من أجل الالتزام بالمسارات السياسية التى تضمن حقوق الشعب الفلسطيني، والمرحلة المقبلة تتطلب استمرار الجهود المصرية للتعامل مع التحديات القائمة، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ بنود الاتفاقات والانتقال إلى مراحل أكثر استقرارًا، ومصر ستواصل دورها فى دعم الشعب الفلسطينى واستقبال المساعدات والجرحى عبر معبر رفح».
وقال الدكتور أحمد سيد أحمد، خبير العلاقات الدولية، إن «الجهود المصرية متواصلة من أجل تحقيق أولويات الدولة المصرية، وفى مقدمتها وقف المعاناة الفلسطينية من خلال إدخال المساعدات والبدء فى التعافى المبكر، وتثبيت وقف إطلاق النار وتنفيذ خطة الرئيس ترامب، إلى جانب الحفاظ على وحدة الأراضى الفلسطينية، وأن تكون إدارة قطاع غزة فلسطينية، وربط الضفة الغربية بقطاع غزة والقدس الشرقية».
وأضاف أن «الأولوية الرابعة تتمثل فى تثبيت الفلسطينيين فى أرضهم وإجهاض مخططات الاحتلال المتعلقة بتصفية القضية الفلسطينية، وصولًا إلى الهدف الاستراتيجى المتمثل فى إقامة الدولة الفلسطينية».
وأوضح أن «الاعتراف بالجهود المصرية يؤكد صواب المقاربة المصرية والثقة فى انحيازها للشعب الفلسطينى وحقوقه المشروعة، كما يعكس رؤية واقعية فى التعامل مع المتغيرات»، مشيرًا إلى أهمية البدء فى الإعمار مع بقاء الفلسطينيين، وإدخال المساعدات الإنسانية، وتمكين اللجنة الوطنية من إدارة قطاع غزة، ونشر قوة الاستقرار والشرطة الفلسطينية.
كما لفت إلى أن «مصر شكلت صمام أمان وحائط صد أمام مخططات اليمين الإسرائيلى المتطرف المتمثلة فى تهجير الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية، بعد أحداث 7 أكتوبر عبر استراتيجية الجحيم، أى تحويل غزة إلى مكان لا يمكن العيش فيه من خلال استهداف البشر والحجر واستهداف كل مقومات الحياة»، مشددًا على أن «مصر نجحت فى التصدى لهذا المخطط وهذه الجريمة التى تعتبر جريمة حرب وفقًا للقانون الدولي، وتخالف كل الأعراف الدولية والقانون الدولى الإنساني، كما أنها تستهدف تصفية القضية الفلسطينية».
وأوضح «سيد» أن «مصر تحركت على أكثر من مسار فى إجهاض هذا المخطط، المسار الأول فى الرد القاطع، حيث وضع الرئيس عبد الفتاح السيسى الخطوط الحمراء واللاءات الحاسمة المتعلقة به: «لا لتهجير الفلسطينيين، لا للتوطين فى سيناء»، وبالتالى أجهضت مصر مخطط إسرائيل فى توطين الفلسطينيين فى سيناء باعتبار أن هذه جريمة حرب».
وقال إن «المسار الثانى تمثل فى تحرك مصر على المسار الدولى فى حشد الدعم الدولى ونزع الغطاء القبيح عن هذا الاحتلال وكشف هذه الجريمة، ولذلك تقاربت القوى والمواقف المختلفة لدول العالم، ربما باستثناء دول قليلة من أمريكا، فيما يتعلق بإدانة هذه الجريمة ورفضها باعتبار أنها جرائم حرب».
من جهته، أكد الدكتور محمد عبود، خبير الشؤون الإسرائيلية، أن «البيانات العربية المنددة بالعمليات الإسرائيلية فى قطاع غزة، رغم أهميتها فى تسجيل المواقف السياسية، لم تعد كافية لإحداث تأثير على صانع القرار الإسرائيلي»، معتبرًا أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو لم تعد تعير اهتمامًا لبيانات الشجب والإدانة، فى ظل استمرار العمليات العسكرية فى القطاع.
وأوضح «عبود»، أن «ما يجرى فى غزة يتجاوز حدود إصدار بيانات الإدانة، واصفًا التطورات بأنها تمثل استمرارًا للإبادة الجماعية وسياسات الاغتيال والقتل والتهجير»، مشيرًا إلى أن «مشروع تهجير الفلسطينيين لا يزال قائمًا، الأمر الذى يتطلب الانتقال من مرحلة البيانات السياسية إلى خطوات عملية قادرة على ممارسة ضغط حقيقي».
وأضاف أن «أى تحرك عربى مؤثر يجب أن يوجه بالدرجة الأولى إلى الولايات المتحدة، باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على التأثير فى الحكومة الإسرائيلية، خاصة أن العنوان الحقيقى هو البيت الأبيض والرئيس الأمريكى دونالد ترامب، والضغط على إسرائيل يمر عبر التأثير فى الموقف الأمريكي».
«عبود»، أكد أن «البيان العربى رفض بشكل واضح خطط تهجير الفلسطينيين، سواء فى قطاع غزة أو الضفة الغربية، والتشديد على رفض أى إجراءات تستهدف تغيير الواقع الديموغرافى فى الأراضى الفلسطينية، مع الأخذ فى الاعتبار أن المرحلة الحالية تتطلب مواقف عربية أكثر وضوحًا وفاعلية لمواجهة التحديات المقبلة، وإدراك أن التمسك بالأرض ورفض مشاريع التهجير يظلان من الثوابت الأساسية التى أكد عليها البيان العربي».
فى حين أكد اللواء أيمن عبد المحسن، الخبير الاستراتيجي، أن «الدولة والقيادة السياسية المصرية تضع القضية الفلسطينية على رأس أولويات سياستها الخارجية»، مشددًا على الثوابت المصرية المتمثلة فى دعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والرفض القاطع لمخططات التهجير القسرى أو الطوعي، ومحاولات تصفية القضية على حساب دول الجوار، فضلًا عن الإصرار على استمرار تدفق المساعدات الإنسانية لقطاع غزة.
«عبد المحسن»، حذر من خطورة الممارسات الإسرائيلية فى الضفة الغربية والقدس، وعلى رأسها المشروع الاستيطانى الكبير المعروف بـ«E1»، الممتد على مساحة 12 كيلومترًا مربعًا شرق القدس، والذى يستهدف عزل المدينة المقدسة وتقسيم الضفة الغربية إلى قسمين لمنع أى وحدة جغرافية، مما يؤدى إلى استحالة إقامة الدولة الفلسطينية المتصلة جغرافيًا.
وأشار إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية فى قطاع غزة، حيث يعانى نحو 94 فى المائة من السكان من النزوح وانعدام المأوى والغذاء فى ظل القصف المستمر، مؤكدًا أن حكومة اليمين الإسرائيلى تواصل التعنت والتنصل من الالتزامات ومبادرات التهدئة لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، بينما تواصل مصر جهودها الدولية لفضح هذه الانتهاكات والدفع نحو حل سياسى عادل وشامل.