فيما يتعلق بـ«محافظ الهاتف المحمول»، تظهر الإحصائيات ارتفاع عددها من 39.4 مليون محفظة بنهاية 2023 إلى 50.4 مليون بنهاية 2024، ثم إلى نحو 60 مليون محفظة بنهاية 2025، بما يمثل نموًا قدره نحو 27.9 فى المائة خلال 2024 ونحو 19 فى المائة خلال 2025، وبنحو 52.3 فى المائة خلال عامين، وفى الوقت نفسه، ارتفعت قيمة المعاملات من نحو 1.3 تريليون جنيه فى 2023 إلى 2.7 تريليون جنيه فى 2024، ثم اقتربت من 4 تريليونات جنيه فى 2025، لتصبح قيمة الأموال المتداولة عبر المحافظ فى عام واحد أكثر من ثلاثة أمثال مستواها فى 2023.
وبالتوازى، شهدت منظومة المدفوعات اللحظية نموًا أكثر حدة، إذ ارتفع عدد المعاملات المنفذة عبر الشبكة من 404 ملايين معاملة بقيمة 815 مليار جنيه فى 2023 إلى نحو 1.5 مليار معاملة بقيمة 2.9 تريليون جنيه فى 2024، بزيادة تقارب 271 فى المائة فى عدد المعاملات و256 فى المائة فى قيمتها، وكذا ارتفع عدد مستخدمى «إنستا باي» من 6.5 مليون مستخدم فى 2023 إلى نحو 12.5 مليون فى 2024، وبحلول يونيو 2025 تجاوز عدد المستخدمين 16 مليونًا، فيما تجاوز عدد المعاملات 1.1 مليار معاملة بقيمة 2.4 تريليون جنيه خلال النصف الأول من العام.
يشار هنا إلى أنه لا يمثل نمو حجم المعاملات الرقمية سهولة أكبر فى تداول الأموال فحسب، وإنما يعنى أيضًا أن جزءًا أكبر من أموال المصريين أصبح يتحرك عبر قنوات رقمية وفورية، بما يوسع حجم الأموال والعمليات التى يمكن أن تستهدفها جرائم الاحتيال، ولا تتيح البيانات الرسمية المنشورة حتى الآن رقمًا موحدًا يحدد عدد عمليات الاحتيال المالى الرقمى فى مصر أو إجمالى الأموال التى نجح المحتالون فى الاستيلاء عليها، لكن المؤشرات المتاحة تكشف حجم المواجهة التى تخوضها المؤسسات المالية لحماية أموال العملاء.
وفى كلمته أمام المؤتمر العربى الثانى لمكافحة الاحتيال فى يناير 2026، قال حسن عبدالله، محافظ البنك المركزى المصرى، إن «المؤسسات المالية نجحت خلال عام 2025 فى إجهاض حالات احتيالية بمقدار 4 مليارات جنيه، بزيادة بلغت نحو 268 فى المائة مقارنة بعام 2024»، وفى الوقت نفسه ارتفعت الأموال التى جرى استردادها لصالح ضحايا الاحتيال إلى 116.8 مليون جنيه، مقابل 6.5 مليون جنيه فى 2024، ولا تعنى هذه الأرقام أن 4 مليارات جنيه تمثل أموالًا مسروقة، كما لا تمثل 116.8 مليون جنيه إجمالى خسائر العملاء، وإنما يعكس الرقم الأول قيمة محاولات احتيالية أُجهضت، بينما يعكس الثانى أموالًا أمكن استردادها لصالح الضحايا.
وفى اتجاه آخر، تكشف دراسة Visa Stay Secure التى أجرتها شركة Wakefield Research فى 2023 على مستخدمين لوسائل الدفع الرقمية فى مصر أن «53 فى المائة من المشاركين قالوا إنهم تعرضوا لعملية احتيال مرة واحدة على الأقل، بينما قال 14 فى المائة من هؤلاء الضحايا إنهم تعرضوا للخداع أكثر من مرة».
كما أظهرت الدراسة أن «58 فى المائة من المشاركين اعتقدوا أنهم يعرفون ما يكفى لتجنب الاحتيال، فى حين كان 91 فى المائة منهم معرضين لتجاهل علامات تحذيرية شائعة، وهذه نتائج دراسة مسحية، وليست إحصاءً وطنيًا لعدد ضحايا الاحتيال فى مصر».
«استهداف الإنسان لا الحساب».. الهندسة الاجتماعية
فى قلب الاحتيال الرقمى
لم يغيّر انتقال الأموال إلى القنوات الرقمية طريقة تحركها فقط، بل فتح للمحتالين مساحة أوسع لاستهداف صاحب الحساب نفسه بدلًا من اختراق النظام، وتقوم أساليب الهندسة الاجتماعية على انتحال صفة موظف بنك أو شركة دفع، أو إرسال رسالة ورابط مزيفين، أو إقناع المستخدم بوجود مشكلة تستدعى تحركًا عاجلًا، وقد ينتهى الأمر بتحويل صحيح تقنيًا، لأن المستخدم هو من أدخل بياناته وأكد العملية، لكنه فعل ذلك تحت تأثير الخداع.
وتجاوز الاحتيال مجرد انتحال صفة موظف إلى تقليد هوية المؤسسة نفسها، من البنوك وشركات الدفع إلى الجهات الحكومية، وتستغل الرسائل المزيفة خدمات أو إجراءات حقيقية، مثل المخالفات المرورية، لدفع المستخدم إلى رابط أو صفحة مصطنعة، ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعى، أصبح بالإمكان إنتاج رسائل أكثر إقناعًا ومحاكاة أسلوب المؤسسات بسرعة وعلى نطاق أوسع، ليصبح استهداف الثقة فى المؤسسة نفسها جزءًا من الهجوم.
وفى هذا السياق، قال الخبير المصرفى وليد عادل، إن «أساليب الاحتيال كلها موجّهة نحو العميل وليس نحو الشبكة أو القنوات الرقمية، وهو ما يؤكد سلامة وقوة القنوات الرقمية لتداول النقد داخل مصر»، مشيرًا إلى أنه لم يُرصد حتى الآن أى حالة اختراق لحسابات العملاء داخل البنوك، ولا للمحافظ الإلكترونية التابعة لشركات المحمول، ولا لحسابات العملاء على «إنستا باى».
وأوضح «عادل» أن المحتالين يبتكرون يومًا بعد يوم طرقًا مختلفة، وكلها موجهة للعملاء، فالعملية بأكملها، من الألف إلى الياء، ينفذها صاحب الحساب نفسه، سواء بالإفصاح عن معلومات الحساب أو المحفظة، أو باستخدام روابط اختراق مُعدة لهذا الغرض بعد مكالمات هاتفية من المحتال، كما أن تتبع حركة هذه الأموال صعب نسبيًا، لأن أغلبها يمر عبر حسابات وأرقام هواتف وسيطة ومزيفة يستخدمها المحتالون، وهنا أوضح أن حداثة الخدمات المالية الرقمية فى مصر تستوجب حملات توعية دائمة ومستمرة، نظرًا لاتساع دائرة المتعاملين، وخاصة من فئتَى كبار السن والمراهقين».
من حماية العملية إلى مواجهة الخداع
خلف كل تحويل رقمى تعمل طبقات من المصادقة والمراقبة للتحقق من هوية المستخدم وصحة المعاملة ورصد الأنماط غير المعتادة، وفى شبكة المدفوعات اللحظية تشمل هذه الضوابط مصادقة العملية، واستخدام الرقم السرى، وعرض بيانات المستفيد وقيمة التحويل قبل إتمام العملية، إلى جانب إتاحة سجلات تدقيق للمعاملات وآلية لتسوية المنازعات، وتشير دراسة مستقلة عن بنية شبكة المدفوعات اللحظية المصرية إلى أن النظام مصمم لتنفيذ التحويلات خلال أقل من 10 ثوانٍ، مع التحقق من بيانات المستفيد وقيمة العملية والاحتفاظ بمسارات تدقيق للمعاملات.
لكن هذه الإجراءات تتحقق من صحة العملية وهوية من نفذها أكثر مما تتحقق من سبب تنفيذها، فإذا أقنع المحتال المستخدم بتسليم بيانات المصادقة أو بتحويل أمواله إلى مستفيد يعتقد أنه موثوق، يمكن أن تمر العملية فنيًا رغم أن أصلها احتيالى، وهنا تظهر الفجوة بين الأمن التقنى والأمن السلوكى، فالمعاملة قد تكون سليمة من الناحية الفنية، بينما يكشف نمطها عن سلوك غير معتاد، ولهذا تتجه البنوك إلى تحليل حركة الحساب ورصد العمليات غير المعتادة، فيما ألزم البنك المركزى المصرى فى أبريل 2026 البنوك بإنشاء إدارات متخصصة لإدارة ومكافحة الاحتيال تتولى وضع السياسات والضوابط، وفحص الوقائع وتحليل أساليب الاحتيال وأوجه القصور أو الثغرات المرتبطة بها، ويظل التحدى فى التمييز بين تحويل ينفذه العميل بصورة طبيعية، وآخر يستخدم فيه أدواته الصحيحة لكنه يتحرك تحت تأثير الخداع.
محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبرانى ومكافحة الجرائم الإلكترونية، كشف أن «الهندسة الاجتماعية أصبحت من أخطر مسارات الاحتيال المالى الرقمى، لأنها لا تستهدف اختراق النظام بقدر ما تستهدف دفع المستخدم إلى تجاوز وسائل الحماية بنفسه، والمحتال قد ينتحل صفة موظف بنك أو جهة رسمية أو شركة، أو يدّعى وجود مشكلة أمنية فى الحساب، ثم يبنى سيناريو قائما على الاستعجال والتخويف والإقناع، وصولًا إلى طلب معلومة أو إجراء ينتهى بتحويل الأموال، وفى هذه الحالة قد يعمل النظام المصرفى بصورة طبيعية، لكن المستخدم نفسه يصبح منفذًا للعملية من دون أن يدرك أنه يتعرض للخداع».
«محسن»، أشار إلى أن «أنظمة مكافحة الاحتيال تستطيع رصد مؤشرات كثيرة للعمليات غير الطبيعية، مثل قيمة التحويل، والمستفيد الجديد، وتوقيت العملية، والجهاز المستخدم، ونمط تسجيل الدخول، والتغيرات المفاجئة فى السلوك المالى، ويمكنها بناءً على ذلك رفع مستوى المخاطر أو طلب تحقق إضافى وفق سياسات المؤسسة، لكن المشكلة تظهر عندما يدخل العميل بنفسه إلى حسابه، ويستخدم بيانات الاعتماد الصحيحة، ويجتاز المصادقة، ثم ينفذ التحويل تحت تأثير الخداع، ففى هذه الحالة قد يرى النظام عملية صحيحة من مستخدم صحيح، بينما لا يستطيع بالضرورة معرفة الدافع الذى يقف وراءها»، لذلك، يجب أن يتجاوز التحليل سؤال هل صاحب الحساب هو من نفذ العملية؟، إلى سؤال أكثر دقة: هل تتوافق العملية مع السلوك المعتاد للعميل؟، وهل توجد مؤشرات على تعرضه للخداع أو الإكراه؟
بعد التحويل: سباق مع الزمن
بعد تنفيذ التحويل، يصبح عامل الزمن حاسمًا فى التعامل مع الأموال، ويوضح «محسن» أن التحويل الرقمى لا يعنى أن الأموال أصبحت غير قابلة للتتبع، لكنه لا يضمن استردادها أيضًا، إذ تتأثر إمكانية التجميد أو التتبع بسرعة الإبلاغ، وبما إذا كانت الأموال ما تزال لدى المستفيد أو انتقلت إلى حسابات أخرى، كما أن تعدد حلقات التحويل واستخدام حسابات أو أرقام وسيطة أو بيانات مزيفة قد يزيد صعوبة التتبع، بينما تصبح بيانات التحويل والرسائل والروابط وأرقام الهواتف وتوقيت الأحداث عناصر أساسية فى إعادة بناء الواقعة ومسار الأموال.
من اكتشاف الاحتيال إلى التنبؤ به
وأوضح «محسن» أن «التحدى الأكبر فى المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط فى وجود أدوات للحماية، وإنما فى ربط طبقات البيانات وتحويلها إلى قرار لحظى، كما أن مكافحة الاحتيال تحتاج إلى الجمع بين تحليل السلوك والذكاء الاصطناعى ومشاركة المعلومات وسرعة الاستجابة والتحقق من المستفيد، بحيث يُنظر إلى العملية المالية باعتبارها جزءًا من سلسلة أحداث، وليست مجرد تحويل منفرد».
وأكد أن «الذكاء الاصطناعى يمثل تحولًا مهمًا فى المعركة، فهو يمنح المحتال قدرة أكبر على تخصيص الرسائل وإنتاج محتوى أكثر إقناعًا، لكنه فى المقابل يمكن أن يساعد المؤسسات على تحليل كميات ضخمة من المعاملات واكتشاف علاقات وأنماط غير طبيعية بسرعة أكبر، لذلك لا ينبغى التعامل معه كحل مستقل، وإنما كجزء من منظومة متكاملة تجمع التكنولوجيا والحوكمة والرقابة البشرية وتبادل المعلومات».
وخلص «محسن» إلى أن «الحماية المستقبلية يجب أن تنتقل من اكتشاف الاحتيال بعد وقوعه إلى محاولة التنبؤ بمقدماته ومنعه قبل خروج الأموال، عبر ربط ما يحدث قبل التحويل بما يحدث أثناءه وبعده:كيف بدأ التواصل مع العميل؟، وهل تغير سلوكه؟، وهل ظهر مستفيد جديد؟، وهل توجد مؤشرات مرتبطة بحسابات أخرى؟، وبذلك تنتقل المنظومة من Fraud Detection إلى Fraud Prediction and Prevention؛ أى من اكتشاف الجريمة إلى محاولة التعرف على إشاراتها المبكرة والتدخل قبل اكتمالها».
بعد خروج المال من الرصد
إلى الاسترداد
بعد اكتمال التحويل تنتقل المواجهة من المنع إلى التعامل مع واقعة حدثت بالفعل، فقد تكون العملية غير مصرح بها أصلًا، أو يكون العميل هو من نفذها بعد تعرضه للخداع، أو تكون نتيجة خطأ فى اختيار المستفيد، ولكل حالة طبيعتها ومسار التعامل معها، وتوفر شبكة المدفوعات اللحظية سجلات للمعاملات وآلية لتسوية المنازعات، لكن ذلك لا يعنى استرداد الأموال تلقائيًا، ويصبح عامل الزمن مهمًا، خصوصًا إذا تحركت الأموال من الحساب المستفيد إلى معاملات أخرى قبل اكتشاف الواقعة والإبلاغ عنها.
ويبدأ المتضرر من الجهة التى خرجت منها الأموال، البنك فى العمليات المصرفية أو تحويلات «إنستا باى»، وشركة الاتصالات فى شكاوى المحافظ الإلكترونية، مع إمكانية تصعيد الشكوى إلى الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات بعد استنفاد قنوات مقدم الخدمة، ويظل البلاغ الجنائى مسارًا مستقلًا عندما تتضمن الواقعة شبهة احتيال أو استيلاء على أموال باستخدام وسائل إلكترونية، وتكتسب الأدلة الرقمية أهمية أساسية فى هذه المرحلة، من رقم العملية ووقت تنفيذها وإيصال التحويل إلى الرسائل والروابط والمكالمات المرتبطة بالواقعة، لأنها تساعد فى إعادة بناء التسلسل الزمنى وتحديد أسلوب الخداع وتتبع العملية.
وتظهر المحافظ الإلكترونية بوضوح فى بيانات الاسترداد، ففى الربع الثانى من 2025 مثلت التحويلات من محفظة إلى أخرى 71 فى المائة من قيمة معاملات المحافظ، بينما جاءت 65 فى المائة من إيداعات المحافظ من حسابات بنكية عبر «إنستا باى»، كما فرض الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات ضوابط أمنية إضافية على شركات المحمول للحد من مخاطر الاحتيال.
وأظهرت بيانات الشكاوى أن المحافظ ارتبطت بـ86 فى المائة من قيمة الأموال المرتجعة فى النصف الثانى من 2025، ثم 94 فى المائة فى النصف الأول من 2026، ولا تعنى هذه النسب أن المحافظ تستحوذ على النسبة نفسها من جرائم الاحتيال، وإنما تعكس حضورها داخل الشكاوى التى انتهت برد أموال للمستخدمين.
كيف تتعامل الدول مع الأموال بعد الاحتيال؟
وتكشف تجارب دول أخرى أن المواجهة لا تتوقف عند منع الاحتيال، وإنما تمتد إلى ما يحدث بعد نجاح العملية، ففى المنطقة الاقتصادية الأوروبية بلغ الاحتيال فى المدفوعات 4.2 مليار يورو خلال 2024، مع استمرار تطور الأساليب التى تستهدف المستخدم نفسه رغم فعالية المصادقة القوية فى الحد من بعض أنواع الاحتيال.
وفى بريطانيا، أُدخل إطار إلزامى لتعويض ضحايا بعض عمليات الاحتيال التى يُخدع فيها العميل لتنفيذ التحويل بنفسه، بينما يوفر نظام Pix فى البرازيل آلية MED التى تتيح بدء إجراءات لتجميد الأموال محل الاشتباه ومحاولة استردادها فى حالات الاحتيال، وتشير هذه النماذج إلى تحول فى فلسفة الحماية: من سؤال «كيف نمنع العملية الاحتيالية؟» إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا يحدث للأموال عندما تنجح العملية رغم كل طبقات الحماية؟.