مدينة العلمين التى كانت على مرّ العقود شاهدة على أروع ملاحم البطولة العسكرية، تحولت اليوم إلى واجهة عمرانية وحضارية تعكس قدرة الدولة المصرية على صناعة المستقبل من رحم الماضى، وأصبحت عنوانًا للنهضة التنموية الشاملة التى تشهدها مصر فى كل بقعة من بقاعها، ولم يكن اختيار «العلمين» لاستضافة هذا الحدث الضخم وليد مصادفة، بل هو اختيار مدروس بعناية فائقة يحمل فى طياته إشارات سياسية واستراتيجية واضحة، مفادها أن «مصر تمضى قدمًا فى تنفيذ رؤيتها للتنمية الشاملة غير عابئة بالمتغيرات الإقليمية المضطربة، ومصرة على تحويل التحديات إلى فرص وعلى إثبات جدارتها كأحد أهم مراكز الثقل فى العالم»، فما إن تطأ قدما الزائر مطار العلمين الدولى، الذى يتوسع ويتطور باستمرار ليلبى الطلب المتزايد على حركة السياحة والاستثمار، حتى يشعر بأنه أمام حدث استثنائى بكل المقاييس، فالمعرض فى نسخته الثانية لم يكن مجرد تكرار للنسخة الافتتاحية التى أُقيمت عام 2024، بل جاء بقفزة نوعية هائلة فى جميع المؤشرات والأرقام تؤكد أن مصر لا تعرف الاستكانة، وأنها تسير بخطى واثقة نحو احتلال مكانة ريادية فى عالم صناعة الطيران والدفاع.
أرقام قياسية
كشفت الأرقام الصادرة عن اللجنة المنظمة عن نمو هائل فى حجم المشاركة وتنوعها؛ ففى الوقت الذى كانت فيه النسخة الأولى تضم 220 شركة عارضة، قفز هذا العدد فى النسخة الحالية إلى أكثر من 250 شركة تمثل أكثر من خمسين دولة حول العالم، فى مؤشر واضح على جاذبية السوق المصرى وثقة عمالقة الصناعة فى هذا الحدث، ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، بل امتدت إلى الوفود الرسمية التى شهدت زيادة لافتة من نحو خمسة وستين وفدًا فى النسخة الأولى إلى أكثر من مائة وعشرين وفدًا رسميًا مدعوًا فى النسخة الثانية، ما يعكس حجم الاهتمام الدولى المتزايد بهذا الحدث وما يحمله من فرص للتعاون والشراكة. أما على صعيد المساحات فلم يكن التوسع أقل إثارة، حيث تضاعفت مساحة العرض لتنتقل من 9 آلاف وستمائة متر مربع إلى 16 ألفًا وخمسمائة متر مربع، ما أتاح مساحات رحبة لعرض أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا الطيران من طائرات وأنظمة دفاعية متطورة، وارتفع عدد الرعاة من نحو اثنى عشر راعيًا إلى أكثر من ثمانية عشر راعيًا، وهو ما يعكس ثقة كبرى الشركات العالمية فى المضمون التجارى والترويجى لهذا المعرض، كما تضاعف عدد الشاليهات المخصصة للعارضين أكثر من الضعف، حيث قفزت من 14 شاليهًا إلى 33 شاليهًا، لتستوعب العدد المتزايد من الشركات الراغبة فى المشاركة ومناقشة الصفقات.
وبالنسبة للعنصر الأكثر جاذبية وجمالاً وهو «الطائرات»، فإن سماء العلمين ستشهد هذا العام حدثًا استثنائيًا؛ إذ يشارك أكثر من مائة وخمس وثلاثين طائرة موزعة بين مائة طائرة فى المعرض الأرضى وخمس وثلاثين طائرة خُصصت للعروض الجوية المبهرة التى ستخطف أنفاس الحاضرين، وستقدم فرق الألعاب الجوية العالمية ستة عروض رئيسية يتخللها أكثر من خمسين عرضًا جويًا متنوعًا، ما يجعل من هذا الحدث متحفًا طائرًا يضم أبرز المقاتلات الحديثة والطائرات المسيّرة والنقل الاستراتيجى، فى لوحة فنية بديعة تجمع بين القوة والجمال والتكنولوجيا، ولا يمكن إغفال الحضور الجماهيرى الكبير، حيث يتوقع أن يتجاوز عدد الزوار اثنى عشر ألف زائر بين متخصصين وصُناع قرار وإعلاميين، ما يحول المعرض إلى سوق حيوية للصفقات والاتفاقات، وإلى منصة للرؤى والأفكار التى ترسم مستقبل هذه الصناعة الحيوية.
ولم يكن المعرض مجرد استعراض جوى أو معرض أرضى، بل سبقه فى السابع من سبتمبر الجارى واحدة من أهم الفعاليات الفكرية والعلمية فى تاريخ الطيران المصرى وهى النسخة الثانية من «منتدى تكنولوجيا مستقبل الطيران والفضاء»، الذى أُقيم فى القاعة التراثية بمدينة العلمين والتى حوّلها المنظمون إلى منصة علمية عالمية حقيقية، جمعت نخبة من أفضل العقول والخبراء وصُناع القرار وقادة الصناعة والباحثين فى مجالات الدفاع والطيران المدنى والفضاء، والذين قدموا من مختلف بقاع الأرض ليشاركوا فى هذا الحوار الاستراتيجى الرفيع.
وانعقد «المنتدى» فى توقيت بالغ الأهمية، حيث يشهد قطاع الطيران والفضاء تحولات جذرية غير مسبوقة بفضل التقدم المذهل فى تقنيات الذكاء الاصطناعى والأتمتة الكاملة للأنظمة ومقاتلات الجيل السادس وقدرات الفضاء السيبرانى، وهى كلها ملفات لم تعد رفاهية تقنية، بل ضرورات حتمية لتأمين الأمن الوطنى والإقليمى فى عالم شديد التعقيد.
وأدار جلسات هذا «المنتدى» الرفيع كل من الجنرال جارى نورث (فريق أول متقاعد)، نائب المدير التنفيذى لشركة «لوكهيد مارتن» الأمريكية، الراعى الرئيسى للمنتدى، والتى تعد صرحًا عملاقًا فى عالم صناعة الطيران والفضاء، والفريق المتقاعد تشارلز هوبر، وهو اسم له ثقله وتقديره فى الأوساط الدفاعية العالمية. وقد قدم الحضور نموذجًا رائعًا للتعددية الدولية، وجمع قادة القوات الجوية من مصر وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وباكستان والجزائر وتونس، كما شارك فيه رئيس وكالة الفضاء الإماراتية ورئيس الهيئة العامة للطيران المدنى السعودى، إلى جانب كبار المسئولين التنفيذيين فى قطاع الصناعة حول العالم.
وشكّلت الكلمة الافتتاحية التى ألقاها الفريق عمرو عبدالرحمن صقر، قائد القوات الجوية المصرية، الحدث الأبرز فى المنتدى، حيث حملت عنوانًا طموحًا وكاشفًا «القوة الجوية كعامل تمكين للأمن الإقليمى.. تحديث استراتيجى للقوات الجوية المصرية»، واستعرض الفريق «صقر» خلالها رؤية استراتيجية شاملة لمصر تجاه قوتها الجوية والفضائية، ودورها الحيوى فى تحقيق الردع وحماية الأمن القومى، وأهمية التحديث المستمر للقدرات العملياتية والفنية لمواكبة التهديدات والتحديات المستقبلية فى كلمة اعتبرها المراقبون خريطة طريق لتطوير القوات الجوية المصرية فى العقد القادم.
الفضاء الجوى
وناقش المنتدى على مدار جلساته الحافلة مجموعة من أشد الموضوعات تأثيرًا، والتى تلخص ملامح المعركة القادمة فى الفضاء الجوى، ومنها: مستقبل القوة الجوية والقدرات الدفاعية ومقاتلات الجيل السادس، ودور الذكاء الاصطناعى والتقنيات ذاتية التشغيل، وكيفية تحقيق التكامل بين القطاعين المدنى والعسكرى، واستراتيجيات الفضاء والعمليات متعددة المجالات، وسبل تعزيز التعاون الدولى والابتكار فى قطاع الطيران والفضاء، كما لم يغفل المنتدى أهمية العنصر البشرى؛ فكانت هناك جلسة مخصصة لكيفية إعداد الأجيال القادمة من الطيارين أكاديميًا وتدريبيًا، للتعامل الاحترافى مع تطبيقات الذكاء الاصطناعى المتقدمة فى مجال الطيران والفضاء.
وفى قراءة تحليلية معمقة لأبعاد المعرض ودلالاته، أكد اللواء طيار دكتور هشام الحلبى، مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن أهمية معرض العلمين الدولى للطيران والفضاء بالنسبة لمصر تتجاوز مجرد كونه فعالية استعراضية، لتصل إلى أبعاد استراتيجية واقتصادية وتنموية بالغة الأهمية، مشيرًا إلى أن المعرض يمثل نقلة نوعية فى مسار توطين صناعة الطيران فى مصر، وأهمية المعرض بالنسبة لمصر هى أهمية متعددة الأوجه، فهو يجمع كبريات الشركات العالمية العاملة فى قطاعى الطيران العسكرى والمدنى فى مكان واحد، ويمنحنا فرصة غير مسبوقة للاطلاع على أحدث أنواع الطائرات والتسليح وإمكاناتها والشركات المصنّعة لها فى وقت قصير جدًا، ما يوفر تكلفة كبيرة كانت ستُبذل فى السفر إلى كل شركة فى مقرها، فهذا التجمع يخلق حالة من المنافسة الشريفة بين هذه الشركات على أرض مصر، وهو ما يصب فى مصلحتنا كدولة مستضيفة.
وأضاف «الحلبى» أن الأمر الأكثر أهمية هو أن هذا المعرض إلى جانب المنتدى المصاحب له قد أصبحا محط أنظار الشركات العالمية وموضوعًا على جدول أعمالها السنوى، وأصبح الحضور فيه تنافس كبير بين الشركات يتزايد باستمرار، وهذا يحقق لمصر هدفين استراتيجيين: الأول وضع مصر على خريطة المعارض الدولية للطيران والمنتديات المتخصصة، وهو إنجاز بحد ذاته، والثانى تعزيز مكانة مصر وقدرتها على تنظيم هذه الفعاليات الدولية باستمرار وبنجاح مضطرد، و«المنتدى» المصاحب للمعرض يمثل «همزة وصل استراتيجية» بين شركات السلاح وقادة القوات الجوية وقادة الفكر الجوى فى العالم، حيث تشرح القوات الجوية التهديدات التى تدور فى مسارح العمليات المختلفة وتترجمها الشركات إلى تعديلات وتطويرات فى أنظمة التسليح، فهذه الخبرة لا تقدر بثمن، ومصر إذ تنظم هذا المنتدى للمرة الثانية على التوالى تكون قد حققت إنجازًا بالغ الأهمية يعزز مستوى المؤتمر بشكل كبير، كما أن المعرض يعزز السياحة ويرفع اسم العلمين ومصر فى العالم، والمعرض يُصنف ضمن الفعاليات ذات المستوى الفنى والتقنى الرفيع الذى لا يُقدر بثمن.
وحول المؤشرات العملية التى يقدمها المعرض فى جذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا، قال اللواء «الحلبى»: مصر ليست وليدة اللحظة فى مجال الطيران؛ فهى من أوائل الدول فى العالم التى دخلت مجال الطيران منذ عام 1932، وتمتلك خبرات عالية فى الطيران المدنى والعسكرى وتجارب ناجحة فى الحروب التقليدية وغير التقليدية، هذه الأرضية التاريخية الصلبة والخصبة هى ما يستند إليه العالم فى توجهه نحو مصر، وهى تمثل أساسًا متينًا للبناء على هذا المعرض ومعارض أخرى مستقبلية، كما أن المعرض يعزز مكانة مصر الإقليمية بشكل كبير خاصة مع تكرار مثل هذه المعارض بالتزامن مع معارض أخرى كـ«إيديكس» ما يضفى طابعًا استراتيجيًا على وجود مصر فى المنطقة؛ فالمعرض يتيح لنا مقارنة شديدة الدقة بين أنواع الطائرات وإمكاناتها ومناسبتها للأجواء والعمليات المختلفة، سواء للطيران المصرى أو الطيران فى الشرق الأوسط، وهذا يمنح مصر مكانة كبيرة، كما أن قدرة مصر على عقد هذه المؤتمرات بشكل متكرر أصبحت سمة بارزة للدولة المصرية، خاصة مع تعدد الفعاليات بين معارض السلاح والطيران ومؤتمر إفريقيا ما يعزز مكانتها الإقليمية ويضعها على خريطة الإعلام العالمى.
عن دور المعارض فى توطين الصناعات العسكرية المصرية، أشار «الحلبى» إلى أن مصر تستفيد بشكل كبير من هذه المعارض، حيث تمنح الشركات العالمية مصر إما تصريحًا بالإنتاج الكامل وإما جزءًا من الإنتاج، وقد تم بالفعل تصنيع أجزاء من طائرات فى مصر، كما تم إنتاج أول طائرة تدريب بالكامل مثل طائرة «كي-8» وغيرها، ولدى مصر أيضًا طائرات بدون طيار بتصميم وتصنيع مصرى، والاستفادة من هذه المعارض تكمن فى رؤية هذه الطائرات ومميزاتها وعيوبها ما يساعد بشكل كبير فى عملية التحديث والتطوير، والشركات العالمية عندما تشاهد الطائرات المصرية وهى تحلق وأعمال الصيانة وسلاسل الإمداد تزداد ثقتها فى الطيار المصرى والمهندس المصرى والفنى المصرى، وهذه الثقة «لا تقدر بثمن» لأنها تؤسس لتعاون أكبر مع هذه الشركات فى المستقبل، ما يفتح آفاقًا جديدة لتوطين صناعة الطيران فى مصر وتعزيز دورها كمركز إقليمى للصناعات الدفاعية والطيران.
فيما أكد الخبير الاستراتيجى اللواء دكتور عادل العمدة، أن تنظيم معرض بهذا الحجم فى هذا التوقيت تحديدًا ليس مجرد فعالية تجارية أو استعراضية بل هو رسالة سياسية واضحة، مفادها أن الدولة المصرية، رغم ما يجرى حولها من اضطرابات، تثبت للعالم أجمع أنها قادرة على استضافة الأحداث الكبرى، وأن الاستقرار هو خيارها الاستراتيجى مهما كانت التحديات، واختيار مدينة العلمين تحديدًا لم يكن عشوائيًا؛ فهى نموذج حىّ لما حققته مصر من نهضة تنموية وعمرانية، وهى تؤكد أن الدولة المصرية تمضى قدمًا فى بناء المستقبل مهما كانت الظروف، والإصرار المصرى على إقامة هذا المعرض فى أجواء مضطربة محيطة يكسب مصر احترام المجتمع الدولى الذى يقدّر الدول القادرة على تحدى الصعاب، ويؤكد أن الاستقرار هو النهج الذى تنتهجه الدولة، وأن ذلك يعزز مكانة مصر كدولة محورية فى المنطقة.
وفى تحليله للمقارنة بين النسختين، استعرض «العمدة» الأرقام بدقة متناهية، مشيرًا إلى أن الانتقال من 220 شركة عارضة إلى أكثر من 250 شركة من أكثر من 50 دولة، وقفزة الوفود الرسمية من 65 إلى أكثر من 120 وفدًا، وتضاعف مساحة العرض من 9600 متر مربع إلى 16500 متر مربع، وارتفاع عدد الطائرات من 60 إلى 135 طائرة، والشاليهات من 14 إلى 33 شاليهًا، وتجاوز عدد الزوار 12 ألف زائر، كل هذه المؤشرات ليست مجرد أرقام باردة بل هى مقياس حقيقى لثقة العالم فى مصر، وإدراك من الشركات العالمية والدول أن مصر أصبحت سوقًا واعدًا ومنصة محورية للصناعات الدفاعية والطيران فى المنطقة، وهذه القفزة فى الأرقام تعكس نقلة نوعية فى الوعى الدولى بمكانة مصر كمركز إقليمى للصناعات الدفاعية والطيران، والعالم بدأ يرى أن مصر لم تعد مجرد سوق مستهلك بل أصبحت شريكًا فاعلًا ومصنعًا ومطورًا، وهذا هو السبب الحقيقى وراء هذا التضاعف فى أعداد المشاركين والعارضين؛ فالجميع يريد أن يكون جزءًا من هذه النقلة التاريخية.
أبعاد اقتصادية
وحول الأبعاد الاقتصادية والتنموية المتوقعة لاستضافة معرض بهذا الحجم، أوضح «العمدة» أن الأثر الاقتصادى لمثل هذه المعارض لا يقتصر على حجم الصفقات التى تبرم خلال أيامه الثلاثة فحسب، بل يمتد بشكل أعمق بكثير؛ فالمعرض يخلق حالة من الثقة فى بيئة الأعمال المصرية، ويجذب استثمارات مباشرة فى الصناعات المكملة، كما أن صناعة الطيران ليست صناعة منعزلة بل هى صناعة أم تحتها مئات الصناعات المغذية من الإلكترونيات الدقيقة، إلى المواد المركبة، إلى أنظمة الاتصالات، إلى الصيانة والتدريب، وكل شركة عالمية تأتى لتعرض منتجها هنا هى فى الحقيقة تدرس جدوى الاستثمار أو الشراكة أو التصنيع المشترك فى مصر، وهذا يعنى نقل التكنولوجيا وخلق فرص عمل جديدة ومتخصصة للشباب المصرى وتوسيع القاعدة الصناعية للدولة، وفى ملف توطين الصناعة العسكرية، قال اللواء «العمدة»، إن «توطين الصناعة ليس مجرد شعار بل هو عملية متراكمة ومعقدة، ومصر تمضى فيها بخطى ثابتة وحذرة فى الوقت نفسه، وما نراه فى معرض العلمين هو تجسيد حىّ لهذه الرؤية، فالشركات تعرض أحدث ما لديها، والفريق المصرى سواء من الهيئات الهندسية أو الباحثين العسكريين يدرس هذه المنتجات بدقة متناهية ويقارن بين قدراتها لاختيار الأنسب لمتطلباتنا العملياتية الحالية والمستقبلية، والآلية المتبعة فى التعاقد لا تقتصر على الشراء فحسب، بل تمتد إلى مفاوضات شراكات ثلاثية أو رباعية، يتم من خلالها صنع تحالف بين الشركة الأم المصنّعة، والشركة المصرية صاحبة الطلب والهيئات الهندسية المحلية، وبهذه الطريقة يتم ضمان ليس فقط الحصول على السلاح بل ضمان تصنيع جزء منه محليًا وصيانته بأيدٍ مصرية، وتطوير أنظمته بما يتلاءم مع بيئة التشغيل المصرية. وتجارب مصر السابقة فى الستينيات والسبعينيات أثبتت أن المصرى قادر على التصنيع إذا ما توفرت الإرادة والتكنولوجيا، واليوم تمتلك مصر إرادة قوية وهى تبنى التكنولوجيا تدريجيًا، حيث بدأت بطائرات المسيرة مثل «جبار 150» و«جبار 250» و«إم 108»، وتطمح إلى مراحل أكثر تقدمًا، وهذا المعرض هو نافذتها للاطلاع على أحدث ما فى العالم والانطلاق نحو تصنيع وطنى حقيقى».
أبعاد استراتيجية
وفى سياق متصل، أكد الخبير الاستراتيجى اللواء دكتور مهندس أسامة الجمال، مستشار الأكاديمية العسكرية كلية الدفاع الوطنى، أن معرض مصر الدولى للطيران والفضاء فى العلمين لم يعد مجرد تجمع لعرض أحدث الطائرات والتكنولوجيات، بل بات حدثًا دوليًا يعكس تطور حضور مصر فى صناعة الطيران والفضاء ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون والاستثمار، وتحويل السماء إلى فرصة اقتصادية هو ما يميز هذه النسخة عن سابقاتها، وتحمل استضافة المعرض فى مدينة العلمين الجديدة دلالة مهمة للغاية؛ فاختيار هذه المدينة لاستضافة حدث بهذا الحجم يعزز مكانتها كوجهة دولية للسياحة والاستثمار والفعاليات الكبرى، ويقدم صورة مشرقة عن قدرة مصر على استضافة وتنظيم الأحداث الدولية المتخصصة وفق أعلى المعايير العالمية؛ فالعلمين لم تعد مجرد مدينة ساحلية، بل أصبحت علامة فارقة فى خريطة التنمية المصرية وهذا الحدث يضيف بعدًا جديدًا لهذه المكانة، وتبرز القيمة الاقتصادية للمعرض فيما يتجاوز الصفقات المباشرة التى تعلن خلال أيامه، إلى ما يمكن أن تتيحه المشاركة الدولية الواسعة من فرص حقيقية لعقد شراكات جديدة، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ونقل التكنولوجيا والخبرات المتطورة، ودعم الشركات المصرية العاملة فى مجالات صيانة الطائرات وتصنيع مكوناتها والخدمات اللوجستية والتدريب والاتصالات والفضاء، فكل شركة عالمية تحضر إلى العلمين إنما تبحث عن شريك مصرى، وهذا ما يعزز دور القطاع الخاص الوطنى فى هذه الصناعات الواعدة.
وكالة الفضاء المصرية
وفى سياق المشاركة المهنية الواسعة التى يشهدها المعرض، تبرز وكالة الفضاء المصرية كأحد أبرز الأطراف الوطنية الفاعلة فى هذا الحدث، حيث تعرض مسار بناء القدرة الفضائية الوطنية، وذلك من خلال جناحها المخصص ضمن فعاليات المعرض الذى يُقام تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسى. وفى هذا الإطار، أكد الدكتور المهندس ماجد إسماعيل، الرئيس التنفيذى لوكالة الفضاء المصرية، أن معرض العلمين الدولى للطيران والفضاء «EIAS 2026» يمثل ملتقى متميزًا لكبرى المؤسسات العاملة فى مجالات الدفاع والتسليح وتكنولوجيا الفضاء والطيران فى العالم، مشيرًا إلى أن المعرض سيشهد إقبالاً كبيرًا من المؤسسات الإقليمية والدولية للمشاركة فى هذا الحدث العالمى، والنسخة الثانية من المعرض تمثل منصة استراتيجية تجمع بين قطاعات الطيران والفضاء والصناعة والتكنولوجيا، وتعكس المكانة المتنامية لمصر كمركز إقليمى لصناعات الطيران والفضاء فى المنطقة.
ولفت «إسماعيل» إلى أن الدولة المصرية أولت اهتمامًا كبيرًا خلال السنوات الماضية بتطوير برنامجها الفضائى الوطنى، من خلال إنشاء المدينة الفضائية المصرية وتطوير بنيتها التحتية، إلى جانب تنفيذ العديد من المشروعات البحثية والتطبيقية وإطلاق الأقمار الصناعية، فضلاً عن المشاركة فى برامج التعاون الدولى والتى كان من أبرزها إطلاق مشروع الجيل الماضى إلى محطة الفضاء الدولية بالشراكة مع جامعات من مصر وكينيا ورواندا، فى إطار المبادرات الدولية الهادفة إلى نقل المعرفة وبناء القدرات، وبرعاية مكتب الأمم المتحدة لشئون الفضاء الخارجى، ومشاركة وكالة الفضاء المصرية بالمعرض تستهدف به استعراض أحدث القدرات الوطنية والتطبيقات العملية لتكنولوجيا الفضاء فى خدمة التنمية، وفتح آفاق جديدة للتعاون مع المؤسسات الصناعية والجامعات والمراكز البحثية والشركات المحلية والعالمية؛ فجناح الوكالة سيشهد هذا العام عرضًا لأبرز مشروعات الأقمار الصناعية المصرية، إلى جانب عروض مرئية وتفاعلية للتطبيقات الفضائية، ونماذج لمشروعات المدينة الفضائية المصرية، وبرامج التدريب وبناء القدرات البشرية، فضلاً عن استعراض نتائج التعاون الدولى فى تطوير الأنظمة الفضائية ونقل التكنولوجيا وفقًا لأولويات الدولة وإمكاناتها، وبحث فرص التعاون المستقبلية مع الشركاء الدوليين.
واختتم «إسماعيل» حديثه بالتأكيد على التزام وكالة الفضاء المصرية بالمساهمة الفاعلة فى إنجاح معرض العلمين الدولى للطيران والفضاء، بالتعاون مع جميع الجهات المنظمة والشريكة، موجهًا الدعوة إلى الوفود الرسمية والمتخصصين والشركات والمؤسسات العلمية والبحثية والإعلامية لزيارة جناح الوكالة، والتعرف عن قرب على مشروعاتها الوطنية، وبرامجها المستقبلية، وفرص التعاون المتاحة فى قطاع الفضاء المصرى، فهذا الحضور المتميز لوكالة الفضاء المصرية يأتى ليؤكد أن معرض العلمين الدولى للطيران والفضاء لم يعد منصة لعرض الطائرات فحسب، بل تحول إلى منبر متكامل يعكس مختلف جوانب القدرات المصرية فى مجالات الطيران والدفاع والفضاء، ويجسد التكامل بين القطاعين العسكرى والمدنى فى بناء دولة عصرية قوية، تضع التكنولوجيا المتطورة فى خدمة التنمية والأمن القومى.
العربية للتصنيع
وفى إطار المشاركة الوطنية الواسعة التى تشهدها النسخة الثانية من معرض العلمين الدولى للطيران والفضاء، تبرز الهيئة العربية للتصنيع كأحد أبرز الكيانات الصناعية الوطنية المشاركة فى هذا الحدث العالمى، حيث تشارك الهيئة فى فعاليات المعرض.
وأوضح اللواء محمود مرغنى، مدير الإدارة العامة للعلاقات والإعلام بالهيئة العربية للتصنيع، أن الهيئة تشارك فى هذه النسخة بالعديد من المنتجات فى مجال الصناعات الجوية، لتأكيد ريادتها فى تعميق التصنيع المحلى وتوطين أحدث التكنولوجيات بما يلبى احتياجات القوات الجوية المصرية والدول الشقيقة والصديقة، بمنتجات متطورة تتمتع بمعايير الجودة العالمية، فضلاً عن خبرات الهيئة المتميزة فى مجال عمرة الطائرات ومحركاتها، والهيئة تعمل وفقًا لآليات الثورة الصناعية الرابعة بما تمتلكه من قدرات تصنيعية متطورة وكفاءات بشرية مدربة على أعلى مستوى، وهو ما يؤهلها لتكون شريكًا استراتيجيًا فى مسيرة توطين الصناعات الدفاعية فى مصر.
وأوضح أن الهيئة تعرض خلال مشاركتها منتجات عدد من مصانعها وشركاتها العاملة فى مجال الصناعات الجوية والتى تشمل: مصنع الطائرات، مصنع المحركات، مصنع حلوان للصناعات المتطورة، مصنع صقر للصناعات المتطورة، الشركة العربية البريطانية للصناعات الديناميكية، كما أن فعاليات مشاركة الهيئة تشهد توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، وعقد مباحثات مهمة مع كبريات الشركات العالمية وخبراء صناعة الطيران، بهدف تبادل الخبرات الفنية والتكنولوجية، وبحث آفاق استثمارية جديدة، وفتح منافذ للتصدير للسوق الإقليمى والدولى، وتأتى مشاركة الهيئة العربية للتصنيع فى هذا المعرض الدولى انطلاقًا من ريادتها فى توطين أحدث تكنولوجيات الصناعات الدفاعية، وحرصها على تعزيز مكانة مصر كمركز صناعى وتكنولوجى رائد فى المنطقة، ودعمًا لجهود الدولة فى توطين الصناعات المتطورة وتحقيق الاكتفاء الذاتى فى المجالات الدفاعية والجوية.
وشاركت الهيئة العربية للتصنيع بمعرض العلمين الدولى للطيران والفضاء 2026..
أولًا: أنظمة المدفعية والصواريخ والقذائف المتنوعة
كشفت الهيئة عن تشكيلة متكاملة من أنظمة المدفعية، بدأت بصواريخ عيار 122 ملم من طرازى «صقر-18» و»صقر-45» المزودة برؤوس حربية شديدة الانفجار، إلى جانب صاروخ «فلاج» المضيء المستخدم لإضاءة أرض المعركة ليلًا، وصاروخ الدخان «D/6000» لتغطية تحركات القوات. كما عرضت قاذفات صواريخ متعددة، بدءًا من القاذف الرباعى عيار 122 ملم القابل للتركيب على المركبات أو الأرض، وصولًا إلى قاذف «صقر 105» المحمول على الكتف لمكافحة الدروع، ومنصة «كونكورس» المزدوجة الصواريخ، وقاذف 107 ملم ذى الـ12 أنبوبًا، فضلًا عن قذائف «صقر-73» ملم المخصصة للمركبات القتالية.
ثانيًا: الذخائر الجوية والقنابل الموجهة للمسيرات
فى مجال التسليح الجوي، استعرضت الهيئة قنابل «حافظ» الجوية (غير الموجهة) المتوافقة مع مقاييس الناتو والقابلة للاستخدام كرؤوس حربية لقنابل موجهة، بالإضافة إلى عائلة ذخائر «نيزك» المُسقطة من الطائرات بدون طيار، والتى تشمل النسخة شديدة الانفجار، والنسخة الحرارية للاستهداف فى التحصينات، والنسخة الثالثة المخصصة لاختراق الدروع الثقيلة للدبابات والمدرعات.
ثالثًا: الطائرات بدون طيار وأنظمة المكافحة المتطورة (حارس)
شهد الجناح الخاص بالطائرات بدون طيار زخمًا لافتًا، حيث ضم طائرات «حمزة» فى إصداراتها الأربعة، بدءًا من حمزة-1 متعددة المهام (هجوم/استطلاع) مرورًا بحمزة-2 الهجومية متوسطة الحجم المزودة بصواريخ موجهة بالليزر، وصولًا إلى حمزة-3 الانتحارية بعيدة المدى وحمزة-4 ذات الإقلاع والهبوط العمودي. ولم تقتصر العروض على المسيرات الهجومية، بل شملت أنظمة مكافحة متقدمة مثل منظومات «حارس» (1، 2، 3، 5) التى توفر الكشف الرادارى والإلكترونى وتحييد التهديدات، بالإضافة إلى بندقية التشويش المحمولة «AD-3» ونظام التشويش المثبت على المركبات «DJ-400V»، مما يوفر حماية شاملة للمنشآت الحيوية.
رابعًا: المدرعات وناقلات الجند والألغام الذكية
فى مجال التصنيع المدرع، عرضت الهيئة ناقلة الجند المدرعة «فهد» بكافة إصداراتها (القيادية، والإسعاف، والنقل) والتى تتمتع بمستويات حماية عالمية ضد الرصاص والعبوات الناسفة، إلى جانب عربة تأمين «كادر-1» وناقلات المستندات المصفحة «قادر». وعلى صعيد حقول الألغام، كشفت الهيئة عن لغم «مضاد للدروع» إلكترونى مزود بحساسات كهرومغناطيسية وأشعة تحت الحمراء، ولغم ذكى قابل للبرمجة عن بُعد، بالإضافة إلى أنظمة توزيع الألغام الآلية «ناظر»، مما يمثل نقلة نوعية فى تقنيات الحرب غير المباشرة.
خامسًا: أنظمة القيادة والتحكم والإلكترونيات والاتصالات
ركزت الهيئة أيضًا على الجانب الرقمى من الحرب، باستعراض مركز القيادة والسيطرة الآلى «CTC2») المتكامل مع الرادارات والكاميرات للبر والبحر والجو)، والمقسم التكتيكى متعدد القنوات للاتصالات الصوتية المشفرة، وجهاز تشويش الاتصالات الراديوية، ومحطة الأرصاد الجوية السطحية، وأجهزة استطلاع الطيف الكهرومغناطيسي، وأنظمة المؤتمرات المرئية، بالإضافة إلى الخوذة التكتيكية المدمجة والشواحن المتطورة، مما يؤكد تحول القوات المسلحة لأنظمة حرب شبكية حديثة.
سادسًا: محركات الطائرات ومراكز العمرة العملاقة
وفى مفاجأة كبرى، استعرضت الهيئة قدرتها على توطين صناعة المحركات، حيث حصل مصنع المحركات التابع لها على لقب «المركز العالمى المعتمد الوحيد» لعمرة وإصلاح محركات «لارزاك» النفاثة الخاصة بطائرة ألفاجيت، بترخيص من شركة سافران الفرنسية. كما تعرض الهيئة خطوط عمرة متكاملة للهليكوبترات الشرقية (سلسلة مي) والغربية (جازيل) بتراخيص من المصنعين الأصليين، إلى جانب مركز التصنيع الرقمى (DMC) المزود بأحدث ماكينات التحكم الرقمي، والذى يتعاون مع كبرى الشركات العالمية مثل داسو وهانيويل وليوناردو لإنتاج قطع الغيار.