رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

فى محبة رجاء النقاش


6-9-2026 | 23:37

.

طباعة
بقلـم: أشرف غريب

أحن كثيرا إلى أيامى بالقرب من الكاتب الكبير رجاء النقاش (3 سبتمبر 1934 - 8 فبراير 2008) أو قل إلى تلك السنوات الخمس عشرة الأخيرة من حياته منذ أن تولى رئاسة تحرير مجلة «الكواكب» (الولاية الثانية) فى يناير 1993 وحتى رحيله فى بداية 2008 رغم أنه كان قد ترك رئاسة تحرير المجلة قبل ذلك التاريخ بنحو ست سنوات.

لم أكن وحدى تلميذا له، فكل من مر من أمامه دانوا له بالفضل الكبير، لكنه كان أستاذى الوحيد، بل وأكثر من ذلك بكثير، فنحن جيل كان من سوء حظه أن أتى فى زمن شاخ فيه الأساتذة فى مناصبهم، حتى وصل أغلبهم إلى حد التشبع، ولم تعد لديهم أى رغبة فى توجيه أحد أو منحه خلاصة خبراته فى الحياة، أما رجاء النقاش الذى تتلمذ على يد أساتذة عظام أمثل أنور المعداوى والدكتور محمد مندور، وتشرب فكر طه حسين والعقاد زكى مبارك، وتفتحت عيناه على صفحات مجلة «الرسالة»، وجلس إلى يوسف إدريس وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، فكان غير كل هؤلاء جميعا.

كان الرجل ابن محافظة الدقهلية يعيش على الفطرة السليمة، يؤمن بأن أى شاب يلتقيه حتما بداخله نبتة طيبة، يحاول أن يستكشف فى مكنونه ما يدفعه لمساندته والشد من أزره، فالأصل عنده هو الاستكشاف والدعم، فإذا ما أيقن بأن هذا الذى التقاه لا يبشر بخير، أو يَعد بما هو مفيد، غض عنه الطرف وتركه إلى حال سبيله، أما إذا ما استشعر – مجرد استشعار – أن شيئا ما يمكن تطويره داخل شاب بعينه (فيا سعده وهناه) عندئذ يتحول رجاء النقاش إلى داعم قوى وسند حقيقى لا يتورع عن الدفع به إلى الأمام وخلق عشرات الفرص التى ربما تختصر الطريق أمام هذه النبتة الواعدة، سَل أى زميل من أبناء جيلنا – ومعظمنا حقق الكثير مما كان يصبو له -عن مكارم رجاء النقاش معه، من المؤكد أنه سيحكى لك عديد مآثره، وجزيل خصاله، ولماذا نبعد بعيدا؟ تخيلوا أن الطالب محمد رجاء عبد المؤمن النقاش وقت أن كان مراسل مجلة «الآداب» البيروتية وهو دون الحادية والعشرين كان يقدم من خلال هذه المجلة ذائعة الصيت كل الأصوات الأدبية الشابة فى مجتمع كان مفعما بالحراك الثقافى والاجتماعى فى أعقاب ثورة الثالث والعشرين من يوليو، ثم أليس هو منْ قدم إلى القارئ العربى الشاعر الفلسطينى الكبير محمود درويش حين أصدر كتابه المهم ضمن سلسلة كتاب الهلال «محمود درويش شاعر الأرض المحتلة» قبل أن يلتقيه بسنوات؟ الشىء نفسه فعله مع مناضل فلسطينى آخر هو الشاعر سميح القاسم الذى ظل يكتب عنه دون أن يلتقى به حتى استقبله فى القاهرة عام 1988 بعد سنوات من معرفة القارئ العربى بشعره ونضاله، وبلغ من محبة النقاش لسميح القاسم وإيمانه به أن أطلق اسمه على ابنه سميح الذى أصبح لاحقا أحد مخرجى الدراما الموهوبين؟ أليس هو أيضا منْ قدم الديوان الأول للشاعر أحمد عبد المعطى حجازى وكتب دراسة نقدية تحليلية فى ستين صفحة اعتبرها أهل الفكر كتابا موازيا لديوان حجازى الأول؟ ثم أليس هو منْ قدم كذلك الروائى السودانى الكبير الطيب صالح صاحب رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» إلى القارئ العربى، وبفضل تلك الدفعة وجد صالح لنفسه مكانا مرموقا بين كتاب الرواية العرب؟

كان رجاء النقاش عروبى النزعة والهوى، تجاوزت أستاذيته حدود الجغرافيا والمكان، كان صديقا مقربا من شاعر العراق عبد الوهاب البياتى والسياسى والأديب اليمنى عبد الرحمن البيضانى وشاعر السودان الهادى آدم، وشاعرى سوريا الكبيرين نزار قبانى وعمر أبى ريشة، وشاعرى لبنان المعروفين جورج جرداق وسعيد عقل، وكثيرا ما حكى لنا فى مجالسنا عن مساجلاته الأدبية أو مواقفه الإنسانية التى جمعت بينه وبين كل هؤلاء وغيرهم، منها مثلا أنه عزم ذات يوم صديقه شاعر العراق عبد الوهاب البياتى فى بيته، ولم يكن معه ما يوفى بهذه الاستضافة، فخلع من إصبعه دبلة رفيقة مشواره الدكتورة هانيا وباعها من أجل تلك الاستضافة.

وحينما أجبر الرجل على ترك مصر فى النصف الثانى من السبعينيات سافر إلى قطر، ليترك بصمته الواضحة فى صحيفة الراية، وينشئ مجلة «الدوحة» التى ىسرعان ما أصبحت على يديه وبفض رؤيته المهنية واحدة من أهم المنابر الثقافية العربية .. فماذا عن رجاء النقاش بين جدران «دار الهلال» منذ أن دخلها محررا ثقافيا بمجلة «المصور»؟ أبسط ما يمكن أن يقال أن كل إصدار من إصدارات هذه المؤسسة العريقة يظل شاهدا على إسهامات هذا المهنى العظيم، لقد كان أصغر رئيس تحرير فى مصر سنة 1965 حين تولى للمرة الأولى مسئولية مجلة «الكواكب» وهو فى الحادية والثلاثين من عمره، ثم أصبح رئيسا لتحرير مجلة «الهلال» أقدم المجلات الثقافية العربية على الإطلاق، فنقل ثقافة الهلال من قارئ الصفوة إلى قارئ الشارع العادى، وبعد فترة قصيرة قضاها فى رئاسة تحرير مجلة «الإذاعة والتليفزيون» عاد النقاش إلى بيته فى «دار الهلال»، هل تتخيلوا أن هذا الناقد الأدبى والمفكر الكبير كان ذات يوم رئيسا لتحرير مجلة «طبيبك الخاص»، فجعل من الثقافة الطبية مادة سهلة الهضم لدى كل منْ يقرأ هذه المجلة المتخصصة؟ وهو فى أثناء كل هذه المراحل المهنية لم يترك مهمته الأولى كمحرر ثقافى لمجلة «المصور» ثم مدير عام للتحرير حتى وهو يتولى رئاسة تحرير «الكواكب» للمرة الثانية أو استكتابه كأحد كبار كتاب «الأهرام».

وبعد لقد ارتأيت فى ذكرى ميلاد الأستاذ رجاء النقاش ألا أتطرق إلى ما يخص شخصى المتواضع رغم أن فى هذا كثيرا ونبيلا مما يستحق أن يروى، ولو كنت تركت نفسى لذلك ربما أدرك من لم يسعده حظه بالتتلمذ على يديه، كم كان هذا الرجل بالنسبة لى أستاذا عظيما وأبا روحيا لم أستطع تعويضه طيلة حياتى.

 
 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة