رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

رمز الوسطية المصرية


6-9-2026 | 03:39

.

طباعة
بقلم: صلاح البيلى
محفوظ المنتمى، لوطنه، وعروبته، وثقافته، وللنيل العظيم، وللمصريين كافة، ولفن القصة والرواية، عاش منتميا، للأرض الطيبة ، ولأهله وناسه، عاش بالحب.. حب الحياة، والناس، والقاهرة، والحارة، والمقهى، والشعر الصوفي، والفلسفة، والموت!.. أحببناه لأنه ليس مجرد عميد للرواية العربية، أو لأنه فاز بأول جائزة ( نوبل ) للغة والأدب العربي، ولكن لأنه إنسان نقى السريرة، لم يعرف الشر، ولم يعرف الانتقام، أنصف الناس من نفسه، فاجتمع على محبته اليمين واليسار، والعربى والأجنبي، وظلت ضحكته الصافية المجلجلة تنطلق مع قفشاته وما أكثرها، رجل تعرض للذبح، فسامح قاتله، ظنوا أنه ( ملحد ) والرجل كان يبدأ يومه بصلاة الفجر، وقراءة القرآن، وبنى مسجدا، وحجت واعتمرت ابنتاه عنه،

محفوظ عصى على النسيان، لأنه سجل اسمه بين الخالدين. (سأعشق ما حييت نفثات العطارين، والمآذن والقباب، والوجه الصبوح فى الزقاق، وبغال الحي، وأقدام الحفاة، وأناشيد الممسوسين، وأنغام الرباب، والجياد الراقصة، وأشجار اللبلاب، ونوح اليمام، وهديل الحمام) .. مقطع أقرب إلى الشعر من روايته البديعة (رحلة ابن فطومة)، هذا هو نجيب محفوظ بقلمه يقدم لنا شخصيته المحبة حتى للحفاة وبغال الحي، المنتمى لزمنه ومكانه وناسه وأرضه ولغته وفنه ومبادئه وأفكاره ومعتقداته ولإنسانيته .

لم يساوم فى أى عصر على شىء، وهو العائش فى سبعة عصور سياسية مختلفة، وتقلب من عصر الملكية لعصر الجمهورية، ومن الاشتراكية للانفتاح الاقتصادي، لم ينافق، ربما ناور، وتكيف، ولزم الصمت أحيانا.

ولكنه لم ينافق، ولا سعى يوما للتقرب من ذى سلطان، ولا آمن بشىء إلا بما يدور فى أعماقه ووجدانه، ولا كفر بشىء إلا عن ثبات وعزيمة، قوى رغم بساطته وتواضعه، مثابر وصاحب جهد شاق، ومتواصل فى العمل، مثل كل أصحاب ( برج الجدى )، طبيعته لا تعرف التقليد، ولا استنساخ تجربة سواه، ولا السير أعمى خلف أحد يقوده دون وعى، بل ابتكر القواعد والنظريات، واقتحم المجهول، و جدد وجرب، وكان فى كل أحواله مهندسا للوسطية والتعادل ، وتكامل واكتمال الشخصية فى الفرح والحزن .

وكان مهندسا للنغم باللغة العربية الفصحى، وكان مهندسا فى فن الصداقة دون رياء، وآمن بأن الزمن فى صف الفنان الحقيقي، فكانت عيناه على تجويد أعماله، ثم يمضى فى طريقه، اهتم بالعمل دون انتظار ثمرته، وانتمى فى كل نفس من أنفاسه، فعاش صادقا مع ذاته، متسقا مع أفكاره، لم تعصف به أزمة فكرية طاحنة، تودى به فى مسالك الردى، ولم تعصف به أزمة اجتماعية أو اقتصادية زلزلت أركان حياته.

ولأنه فنان حقيقى أصيل قال كل شيء، فى السياسة، والدين، والحياة، دون أن يتنكر لأفكاره، أو ينافق سلطة، أو جماعة، ودون أن يضع نفسه موضع اتهام أو مساءلة، هو المنتمى العظيم، والمعلم الأكبر فى أن يسير الإنسان وسط حقول الألغام دون أن يسقط أو يمسسه سوء، وأن يعايش الثعابين والعقارب دون أن تلدغه .

عندما دعا هيكل رئيس تحرير الأهرام مطلع السبعينيات الكتاب والأدباء للقاء العقيد معمر القذافى فى حوار مفتوح، وقال القذافى إن حال العرب لا يسر، وهم غير قادرين على مواجهة إسرائيل بعد هزيمة 5 يونيو 1967م، وقف محفوظ وطالب بالحوار مع العدو طالما لا نستطيع هزيمته، وقامت الدنيا ولم تقعد ضده، رغم أنه عبر عن رأيه بعفوية وتلقائية!

ويوم كتب توفيق الحكيم منشوره ضد الرئيس السادات، وضد حالة ( اللاسلم واللاحرب ) وقع محفوظ على المنشور ضمن من وقعوا من مثقفى مصر، وكان الحكيم بمثابة أستاذ لمحفوظ، والأقرب لقلبه ووجدانه وعقله، فنظر السادات فى الأسماء الموقعة وقال مندهشا: (حتى نجيب محفوظ)، وحذفت الوصف لأنه لا يليق، رغم أن السادات كان مدخنا مثل محفوظ! .

وفى مرة ثالثة التقاه السادات فى لقاء عام وصافحه معاتبا: ( كيف تصور الضابط فى بداية ونهاية وهو مقبل على الانتحار، الضابط لا ينتحر يا نجيب) ! .

عند نشر ( أولاد حارتنا ) سنة 1959م مسلسلة فى الأهرام ثار بعض المشايخ، ومنهم الشيخ محمد الغزالي، وبلغ عبد الناصر اعتراض المشايخ، فوجه بعدم طباعتها فى كتاب، والتزم محفوظ، وبعد عقود يعود الغزالى وسليم العوا وأبوالفتوح وغيرهم إلى محفوظ يطلبون وده، ويكتب أحمد كمال أبو المجد مقدمة طبعة الرواية فى مصر!

والذى غاب عن كثيرين أن ( أولاد حارتنا ) هى نفسها قصة ( التنظيم السرى ) التى كتبها محفوظ، ولكنه عاد وكتبها بشكل موسع وأكبر، وهى رواية سياسية بامتياز، يبحث أبطالها عن العدل والمساواة فى توزيع الثروة، من خلال نموذج لحارة يتحكم فيها ( الجبلاوي) ويفوض غيره بإدارة أوقافه وثروته! .

أما (ثرثرة فوق النيل) الصادرة سنة 1966م فكادت أن تودى به للمهالك، فقد ثار عليها عبد الحكيم عامر وزمرته، وظنوا أن نجيب يعرض بهم، ولولا أن ثروت عكاشة أسرع لعبد الناصر وأخبره أن الفن بحاجة لحرية، وأقنعه بذلك، لكان محفوظ ربما لقى نفس مصير (شهدى عطية) !

اختار محفوظ الفلسفة لدراسته الجامعية، معارضا كل أفراد أسرته الذين التحقوا بسلك النيابة والقضاء، ولكنه سعى لمنبر حر للفكر وإعمال العقل، وتخرج فى قسم الفلسفة فى جامعة القاهرة – فؤاد الأول سابقا – سنة 1934م، وبدأ ميله لاستكمال دراسته الأكاديمية، كى يهتم بالتأصيل النظرى للمعرفة مبكرا، وكان ينوى إعداد رسالته لنيل درجة الماجستير تحت إشراف أستاذه الشيخ مصطفى عبد الرازق رائد الفلسفة الإسلامية المعاصرة، ووزير الأوقاف لاحقا، وهو الذى اختار محفوظ (سكرتيرا برلمانيا) له عندما أصبح وزيرا، وظل لعامين يعتقد أن محفوظ قبطيا، حتى أدرك أنه مسلم لاحقا! وكانت رسالة محفوظ عنوانها : ( علم الجمال فى الفكر الإسلامى )، ولكن لم تتحقق أمنيته، كما لم يسافر لبعثة إلى فرنسا رغم تفوقه، وفضلوا عليه آخر بالمحسوبية والوساطة، فكسبنا كاتبا جسد الوطنية المصرية الصرفة، وجسد المزاج المصرى المعتدل .

تخيلوا اختاره وزير الأوقاف المسلم الأزهرى هو يعتقد أنه قبطى، وكان يعرف انتماءه إلى حزب الوفد، بينما الشيخ مصطفى كان عضوا بارزا فى حزب (الأحرار الدستوريين) ! وبعد رحيل الوزير المنصف عوقب محفوظ بنقله إلى مكتبة الأوقاف فى (قبة الغورى) بلا عمل حقيقى، فانتهز الفرصة الذهبية فى القراءة والكتابة، وارتياد مقهى الفيشاوى يوميا والعكوف على إبداعه.

وحقق معه الشيخ سيد حسين شقيق طه حسين، وكبير محققى وزارة الأوقاف فى اتهامات طالته من موظفين يكرهونه، زعموا أنه يكتب حياتهم فى قصصه، ونال البراءة بسهولة .

إنه محفوظ رمز الوسطية المصرية، وشيخ الحارة، وشيخ الطريقة المحفوظية.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة