يقدم كتاب إحسان عبدالقدوس «أديب الشباب» الصادر حديثا عن الهيئة العامة للكتاب، الصحفى محمد خضير، بأنه إضافة مهمة فيما يخص الكتب التى تتناول سيرة الأديب الكبير والصحفى إحسان عبدالقدوس، حيث لا يكتفى الكاتب برصد مراحل حياته الشخصية والمهنية فقط وإنما يتتبع كذلك آراءه وأفكاره ومواقفه السياسية والأدبية، بالإضافة إلى نظرته للمرأة والحب والفن والسينما والنقد الأدبى إلى جانب دوره فى الصحافة وتشجيع المواهب الشابة وهو ما يجعل الكتاب إضافة مهمة ووافية للمكتبة العربية من عدة مناحٍ مختلفة.
يضم الكتاب مقدمة وستة فصول وخاتمة، جاءت المقدمة لتعرض لمحات سريعة من رؤيه الكاتب للأديب باعتباره مشروعا متكاملا لصناعة عقل جديد متجاوزا كونه روائى أو صحفى، وتركز على ما أورده إحسان عبدالقدوس فى كتابه «أيام شبابى» الذى نشره الأديب فى فترة تقاعده مقارنا بين حاله فى فترة الشباب وبين حاله فى هذا الوقت، ومركزا على علاقته بجمهوره واعتزازه بأنه الروائى الأكثر قراءة بين الشباب وأفلامه الأكثر مشاهدة وتاثيرا، بالإضافه إلى تأثر جمهوره بكتاباته السياسية الجريئة فى مقتبل عمره، واعتراف الأديب بأن الهدف الأول من كتاباته الشباب وما يرتبط بهم من قضايا اجتماعية وسياسية.
عنون «خضير» الفصل الأول من كتابه بـ «بين عالمين» حيث ركز فى هذا الفصل على رصد وتوثيق التناقضات العديدة التى عاش بها إحسان طوال حياته، بين بيت جده الأزهرى المتحفظ وبيت والدته الذى يحفل بالفنانين والصحفيين والأدباء، وبين الفن والالتزام، وبين الأدب والصحافة، وبين الرومانسية والسياسة، فيمكن اعتبار هذا الباب مدخلا لفهم شخصية الأديب الكبير ثم أدبه لاحقا تبعا لهذه العوالم المتعددة المختلفة والمتناقضة أحيانا، فيفصل الكاتب الحديث عن حياة الأديب بداية من نشأته وحتى فوزه بجائزة الدولة التقديرية عام 1989تبعا لما ذكره الأديب فى مذكراته.
وتحدث الكاتب عن والد الأديب، الفنان محمد عبدالقدوس الذى درس الهندسة ثم عمل ناظرا لمدرسة الأقصر قبل التحاقه بالفن وكتابة المسرحيات، ووالدته فاطمة اليوسف (روز اليوسف) التى بدأت حياتها كممثلة مسرحية منذ سن العاشرة ولقاء الاثنين معا ثم زواجهما وانفصالهما ومن ثم انتقال الطفل ليعيش فى كنف جده الذى كان رئيس كتاب بالمحاكم الشرعية وتولى رعايته فى قرية ممونة بمحافظة الغربية، وهى الحياة التى وصفها إحسان عبدالقدوس بأنها منظمة شديدة الصرامة والحزم والترتيب وهى الحياة التى كانت تتغير إلى النقيض بمجرد زيارته للقاهرة لبيت والدته فى شارع عماد الدين وهو الأمر الذى يصفه الكاتب بقوله «قطار بين كوكبين» لتباين عالم جده مع عالم والدته روز اليوسف، فالأخير بمثابة زوبعة من الأضواء والأصوات والأفكار فمنذ عام 1925 وهو عام إصدار العدد الأول من مجلة روز اليوسف تحول منزل والدته إلى صالون أدبى يضم كبار الصحفيين والأدباء والسياسيين، وبين النقيضين منزل جده ومنزل والدته يجد إحسان حياة أخرى فى منزل عمته نعمات التى صارت بمثابة أمه البديلة التى منحته الدفء العائلى الذى حرم منه، فكانت شخصيتها التى تميزت بالحنان الأنثوى الخاص فى مقابل شخصية والدته ذات القوة الصلبة والاستقلالية هما ما ذرعا فى الأديب بذرة الاهتمام الاستثنائى العميق بقضايا المرأة فمنهما تعلم أن الأنوثة ليست مرادفا للضعف أو التبعية.
ثم ينتقل الكاتب إلى الحديث بشكل موجز عن فترة شباب الأديب والتحاقه بالجامعه وزواجه المبكر لينتقل بعد هذا ويسلط الضوء على بدايات الحياة العملية لإحسان عبدالقدوس والتى تنقل فيها الأديب بين قطبين أيضا هما المحاماة والصحافة، حيث امتهن إحسان المحاماة كهواية إلا أنه فشل فيها فتركها، فيما عمل صحافيا منذ نعومة أظافره ومنحته والدته حرية كاملة فى النشر إلا أن براعته هذه لم تشفع له، حيث أطلق عليه البعض لقب «ابن الست» وهو الأمر الذى دفعه إلى البحث عن الاستقلالية وإثبات الذات وظهرت جرأته الصحفية بوضوح عندما كتب مقالا بعنوان «هذا الرجل يجب أن يذهب» وكان يقصد به المندوب السامى البريطانى كيرلن وهو الأمر الذى أدى إلى القبض عليه وإيداعه سجن القاهرة المركزى.
ثم ينتقل الكاتب إلى عرض حيرة إحسان السياسية بعد خروجه من السجن مرورا بتحوله إلى الكتابة الأدبية وكتابته أول أعماله الأدبية صانع الحب فى عام 1948، حيث يظل ينتقل بين الأدب والسياسية فيتطرق الكاتب للحديث عن علاقة الأديب بحركة الضباط الأحرار وعبدالناصر قبيل الثورة مباشرة وبعدها، وكيف انسحب إحسان شيئا فشيئا بعد ذلك من عالم السياسية إلى عالم الأدب.
ومن حياة الأديب الكبير فى الفصل الأول ينقلنا الكاتب الصحفى المبدع محمد خضير إلى آراء الأديب ورؤيته التى صقلتها خبراته وحياته الحافلة بالأحداث، فيأتى الفصل الثانى من الكتاب تحت عنوان رؤى وآراء وبه يدرج الكاتب رؤية الأديب حول موضوعات بعينها يستهلها برؤيته ونظرته للشباب وكيف استطاع الأديب توظيف قلمه للدفاع عن الشباب حتى فى أشد تصرفاتهم غرابة وحدة وتماديا، فيعرض الكاتب جزءا من مقال لإحسان عبدالقدوس بعنوان «مظلوم» انتقد فيه خلط الناس بين مظهر الشباب وبين واقع الشباب وشخصيته، مؤكدا أن الناس تغفل عن واقع العصر ومظاهره.
ومن رأيه عن الشباب ينتقل الكاتب لعرض وجهة نظر الأديب عن الفن وكيف تتعارض رؤيته مع رؤيه والدته، ففى الوقت الذى يرى فيه أن الفن فى مصر ينقصه المال رأت والدته أن الفن فى مصر ينقصه الفنان، ومن الفن ينتقل الكاتب إلى رؤية إحسان للحب وهو الموضوع الذى حظى بمساحة كبيرة فى كتاباته سواء الروائية أو المقالات أمثال الحب والنجاح، والحب الأول، وحب النفس، وانتصار الحب وغيرها، وينتظم الباب الثانى بعد ذلك فى عرض آراء الأديب الكبير ورؤيته عن الزواج، والفلسفة، والرخاء والحرية ثم يختتم الفصل بعرض وجهة نظر الأديب عن النقد الأدبى، فمن هذا الفصل يعرض «خضير» جانبا مهماً من شخصية إحسان عبدالقدوس، فالكاتب لا يقدمه هنا باعتباره روائيا وصحفيا فقط وإنما يقدمه باعتباره صاحب رؤيه ثاقبة وانشغال دائم تجاه قضايا المجتمع والحياة وهو ما يجعل مقالاته امتدادا لمشروع فكرى يتجاوز حدود إبداعه الروائى.
يأتى الفصل الثالث من الكتاب تحت عنوان معارك وتحديات وفيه يسلط الكاتب الضوء على عدة معارك بعينها خاضها إحسان عبدالقدوس سواء على المستوى الأدبى أو السياسى أو الفنى وكان أولها موقفه مع الأديب الكبير نجيب محفوظ بسبب نقد الأخير لرواية «أنا حرة» وهو ما أغضب إحسان ودفعه إلى الاعتراض فى مقال شديد الحدة مما دفع نجيب إلى إرسال رسالة هادئة له توضح حقيقة ما قاله، ثم ينتقل الكاتب إلى النضال السياسى ومواقف إحسان من ثورة 1952 وما بعدها وكيف وظف قلمه للدفاع عن أفكاره وقناعاته، كما يتناول الفصل معاركه الأدبية والنقد العنيف الذى تعرض له منذ روايته الأولى واتهامه بالانحلال الأخلاقى وتخريب قيم الشباب، وكيف صمد إحسان أمام هذه الموجات الهائلة من الهجوم الشرس ودافع عن رؤيته الفنية فى كتاباته، ويفرد الكاتب محمد خضير الفصل الرابع من كتابه للحديث عن المرأة فى حياة إحسان عبدالقدوس، حيث يتناول بالذكر أهم امرأتين فى حياة الأديب الكبير كان لهما دور كبير فى المكانة التى وصل إليها فهما اللتان دعمتاه وشدتا من عزمه، وهما والدته السيدة فاطمة اليوسف التى كان يكن لها احتراما كبيرا ويعتبر نفسه تلميذا فى مدرستها وزوجته السيدة لواحظ المهيلمى وهنا يفصل الكاتب ما أوجزه فى الفصل الأول من الكتاب من لقاء إحسان بزوجته وتعارفهما وقصة الحب الاستثنائية التى جمعت بينهما على مر الأعوام، ومن خلال هذا الفصل تتضح مكانة المرأة فى حياة إحسان عبدالقدوس ليس باعتبارها شخصية حاضرة فى أعماله الأدبية فقط وإنما باعتبارها جزءا لا ينفصم من تجربته الشخصية وهو ما وصفه إحسان بقوله إن زوجته بمثابة وطن وملاذ يعود إليه ومعها أصبحت الحياة تستحق أن تعاش.
يأتى الفصل الخامس من الكتاب تحت عنوان «سينما إحسان عبدالقدوس» وفيه يعرض الكاتب بشكل مفصل عدد أعماله الروائية التى تحولت إلى أفلام سينمائية والتى بلغ عددها 49 فيلما مع سنوات الإنتاج والمخرجين بداية من فترة الخمسينيات وحتى التسعينيات وكان آخرها فيلم الراقصة والسياسى عام 1990، إلى جانب خمسة أعمال تحولت إلى مسرحيات وعشر روايات تحولت إلى مسلسلات تليفزيونية وتسع روايات إلى مسلسلات وسهرات إذاعية.
وفى الفصل ذاته يستعرض الكاتب النقد الذى وجه لأعمال إحسان عبدالقدوس والظلم الذى وقعه عليه ثم إنصافه مع مرور الأعوام بعد أن أصبح أدبه مفهوما بصورة أكبر فيورد الكاتب رأى كبار النقاد والكتاب عنه أمثال الدكتور جابر عصفور والدكتور صلاح فضل.
أما الفصل السادس والأخير فجاء بعنوان «صباح الخير .. ورشة العباقرة» وفيه يعرض الكاتب محمد خضير كيف أسس إحسان عبدالقدوس مجلة صباح الخير عام 1956 التى مثلت انطلاقة إبداعية تخاطب العقول الشابة وتهتم بالسياسة والشأن الاجتماعى معا واختار إحسان محررى المجلة من أكثر الشباب المتمردين موهبة وشجعهم على الجرأة وعدم التقيد بالتقاليد ومنحهم حرية التعبير كاملة كما أسند رئاسة تحريرها إلى أحمد بهاء الدين وهو لايزال فى العشرينات
كما عرض الكاتب خلال الفصل تجربة الشاعر والرسام الكبير صلاح جاهين فى المجلة وعمله مع إحسان كثنائى فى صباح الخير من خلال باب إحسان الثابت «حكاية» حيث كان جاهين يرسمه أسبوعيا قبل أن يكتب فيه آخرون مثل يوسف إدريس ويوسف الشارونى، ويختتم «خضير» كتابه بتوضيح الظاهرة الثقافية والاجتماعية لإحسان عبدالقدوس وكيف استطاعت أعماله الاستمرارية مع توالى العصور والظروف السياسية وهو ما يجعل تجربته ممتده إلى ما هو أبعد من زمن كتابتها الأول، ويمكن القول فى النهاية إن كتاب إحسان عبدالقدوس .. أديب الشباب يقدم قراءة وافية لشخصية جمعت بين الأدب والصحافة والموقف السياسى والاهتمام بالفن والسينما ويكشف من خلال فصوله المتعددة أن إحسان عبدالقدوس لم يكن مجرد روائى أثارت أعماله الجدل وإنما كان صاحب مشروع فكرى متصل بالشباب والحرية والمجتمع والمرأة والفن.