فمع عرض شركة «هواوي» الصينية إنشاء مراكز بيانات متخصصة فى الذكاء الاصطناعى داخل مصر، وخطة لتنفيذ البنية التحتية خلال عام واحد، لم تنتظر الولايات المتحدة طويلاً، وبدأت، وفق تقارير نقلتها «بلومبرج»، اتصالات مع عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين، من «إنفيديا» و«إيه إم دي» إلى «مايكروسوفت»، لبحث تقديم عرض منافس.
وراء هذا السباق ما هو أكبر من صفقة مراكز بيانات؛ فالدولتان تنظران إلى مصر باعتبارها نقطة ارتكاز محتملة فى خريطة التكنولوجيا الجديدة، مستفيدتين من موقعها الذى يربط ثلاث قارات، وشبكة الكابلات البحرية التى تمر عبرها حركة ضخمة من البيانات، فضلاً عن سوق محلية واسعة وقاعدة بشرية شابة، فى وقت تتجه فيه قيمة اقتصاد الذكاء الاصطناعى عالميًا إلى أرقام غير مسبوقة، مع توقعات «أونكتاد» بوصول السوق إلى نحو 4.8 تريليون دولار بحلول 2033.
تقول الدكتورة إيمان على، خبير أمن المعلومات والذكاء الاصطناعى: «حينما تقدّر منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية -أونكتاد- حجم سوق الذكاء الاصطناعى العالمى بنحو 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033، فهذا ليس مجرد رقم تجارى، بل رسم لمعالم واحدة من أعمق التحولات الاقتصادية منذ ظهور الإنترنت؛ فهو يعادل ناتج اقتصادات كبرى، ويؤكد أن الذكاء الاصطناعى لم يعد قطاعًا تقنيًا منعزلًا بل تقنية عامة يقع أثرها على كل صناعة».
وعن حجم الفرصة الواقعية أمام مصر فى اقتصادات الذكاء الاصطناعى، تقول د. إيمان: أمام مصر سوق أوسع تتعلق بالعقود فى التطبيقات والخدمات ودمج الذكاء الاصطناعى فى الصناعات القائمة، وهنا تقف مصر فى موقع لا يُستهان به؛ فالفرصة الأقوى التى تمتلكها تكمن فى اللغة العربية نفسها؛ فهو سوق يمتد لأكثر من أربعمائة مليون متحدث لا تخدمه النماذج العالمية بالكفاءة نفسها بسبب تعقيد اللهجات وخصوصية المحتوى، ما يفتح بابًا أمام شركات مصرية لبناء حلول عربية أصيلة قابلة للتصدير، يضاف إلى ذلك الموقع الجغرافى المصرى على مفترق ثلاث قارات، والتوقيت الزمنى الملائم للعمل مع أوروبا والخليج، والقاعدة السكانية الشابة من بين أكبر أسواق العمل فى المنطقة.
وتابعت: «على مستوى القطاعات، فإن صناعة الاستعانة الخارجية، وخدمات الأعمال التى باتت مصدرًا رئيسيًا للدولار، فهى أول المستفيدين أن دُمج فيها الذكاء الاصطناعى لرفع الإنتاجية والانتقال بالخدمة من مجرد تكلفة منخفضة إلى قيمة مضافة عالية، وتليها الخدمات المالية والتقنية المالية التى تشهد نموًا متسارعًا، ثم الصحة بمجالات التشخيص المدعوم وإدارة المنشآت الطبية، والزراعة التى تعد مصر فيها دولة أولى بامتياز، فيمكن للذكاء الاصطناعى أن يُحدث فيها نقلة فى استشراف المحاصيل والرى الذكى وترشيد المياه، إضافة إلى اللوجستيات والموانئ وقناة السويس حيث يمكن للنمذجة التنبؤية أن تحسّن إدارة الحركة الملاحية والخدمات المساندة، فضلاً عن القطاع الحكومى ذاته الذى يوظف الرقمنة القائمة لتقليص الهدر ورفع كفاءة تحصيل الموارد».
وفما يتعلق بسوق العمل، تقول خبير الذكاء الاصطناعى: «تتوقع أونكتاد تأثر نحو 40 فى المائة من الوظائف عالميًا بالأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعى الأمر الذى ينعكس على الحالة المصرية بحساسية مضاعفة، لأن أحد أقوى مصادر الدخل بالعملة الصعبة، وهى مراكز خدمة العملاء وعمليات إدارة الأعمال، يقع فى مقدمة الأنشطة الأكثر عرضة للاستبدال التقنى، إضافة إلى وظائف إدخال البيانات والترجمة الروتينية والمهام المحاسبية والإدارية المتكررة وبعض مهام المبرمجين المبتدئين».
أما عن الأولويات التى يجب أن تتحرك فيها مصر فتقول: زيادة الاستثمارات فى مراكز البيانات والحوسبة، وتطوير مهارات العاملين، وإتاحة البيانات، ووضع تشريعات وتنظيمات للذكاء الاصطناعى، وجميع الأولويات السابقة ليست خيارات منفصلة بل عقدة متشابكة؛ فمن دون كهرباء وحوسبة لا يمكن استضافة النماذج محليًا، ومن دون بيانات محلية متاحة لن تُبنى أنظمة تفهم واقع السوق المصرى، ومن دون مهارات لن يوجد مَن يشغّل الحوسبة ويستثمر البيانات، ومن دون تشريعات واضحة لن يأتى الاستثمار طويل الأجل ولا ثقة المواطن.
وبدوره يقول الدكتور هيثم طارق، خبير الذكاء الاصطناعى وتكنولوجيا المعلومات: إن مصر تحوّلت خلال الأشهر الأخيرة إلى ساحة تنافس تكنولوجى مكثف بين القوتين الكبريين فى العالم؛ الصين والولايات المتحدة، فى بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعى على أرضها، وهو ما يعكس تنامى اقتصادات الذكاء الاصطناعى فى مصر مستقبلياً.
وأضاف: هذا التنافس من عرض صينى طموح؛ إذ أفادت تقارير حديثة نقلتها وكالة بلومبرج بأن شركة هواوى قدمت عرضًا لإنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعى فى مصر، يتضمن توفير نحو 2008 رقاقات ذكاء اصطناعى، من بينها 1408 رقاقات من طراز «أسند 950» مخصصة أساسًا لتدريب النماذج الذكية، إلى جانب قرابة 600 رقاقة إضافية مخصصة لتشغيل النماذج وعمليات الاستدلال، مع خطة زمنية ضاغطة تنصّ على إنجاز البنية التحتية المقترحة خلال اثنى عشر شهرًا فقط، وهو ما يعكس حرص بكين على تقديم نموذج سريع وجاذب للجانب المصرى.
ولم يتأخر الجانب الأمريكى فى الردّ على هذا التحرك، بحسب دكتور هيثم؛ إذ تشير التقارير ذاتها إلى أن واشنطن تحركت بعد العرض الصينى، وتواصلت مع كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية وعلى رأسها «إنفيديا» و«إيه إم دى» و«مايكروسوفت» لبحث صياغة عرض أمريكى منافس، فى إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة لا تنوى ترك هذا الملف الاستراتيجى لمنافستها الصينية وحدها، ولا سيما أن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» يتوقع أن يصل حجم سوق الذكاء الاصطناعى عالميًا إلى نحو 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033، وهو رقم ضخم يفسر لماذا لا تريد أى قوة كبرى أن تغيب عن الأسواق الناشئة الواعدة، ومنها السوق المصرية.
ويفسر خبير تكنولوجيا المعلومات هذا الاهتمام المزدوج بمصر كسوق لاقتصادات بنية الذكاء الاصطناعى إلى موقعها الجغرافى كنقطة وصل طبيعية لتدفق البيانات بين ثلاث قارات؛ إذ تشكل ممرًا لا غنى عنه لكابلات الاتصالات البحرية العابرة للبحر الأحمر والمتوسط، وهى ميزة نادرة فى صناعة مراكز البيانات التى تعتمد أساسًا على القرب من شبكات الاتصال.
ثم يأتى البعد الديموجرافى، فما يزيد على مائة مليون نسمة كأكبر سوق عربى، وتحيط به أسواق إفريقية متنامية، فضلاً عن قاعدة شابة من المهندسين والمبرمجين تدخل سوق العمل سنويًا بأعداد ضخمة وبكلفة تنافسية مقارنة بأسواق المنطقة.